سبعة دروس تعلمتها من العمل عن بعد

ترجمة بتصرّف لمقال: (7 Powerful Life Lessons From Years of Remote Work By Jack Krier)

كيف غيّر العمل المتنقل نظرتي في العمل والحياة بشكل عام

 

الكاتب : جاك كراير
الترجمة: رهف العبداللطيف
التدقيق والمراجعة: غلا الرشيد @Tr_Ghala 
المراجعة النهائية: أسامة خان

العمل المتنقل تجربة لا مثيل لها فهو يجمع ما بين الجد والمغامرة، ويساعد على التفريق بين النّمط المهني وحياة المكاتب التقليدية، فتصبح الإنتاجية ضرورة لعملك، وليست مجرد «جهد إضافي». 

 قبل سنتين أو أكثر استقلت من الشركة وتركت وظيفتي وهي أغلى ما أملك، وبدأت العمل عن بعد. في البداية رأيت هذه التجربة بابًا لإكتساب خبرة وتجربة نمط حياة جديد. وبعد كثيرٍ من المعاناة والأخطاء والقرارات الصائبة؛ نجحت في تحويل العمل عن بعد إلى نمط حياة دائم وتحولت التجربة إلى مهنة. 

 العمل في شقة في أير بي إن بي (airbnb) في سانتياغو دي شيلي (Santiago de Chile) ليس خيالًا بل واقعًا أعيشه. أصبح التنقل «حياتي الجديدة» بعد أن كنت أراه صعب الوصول، وحلمُ زيارة ١٠-١٢ دولة في سنة واحدة أصبح حقيقة بفضل هذا التغيير. وباختصار: غيّر العمل عن بُعد نظرتي عن الحياة والعمل.

وبناءً على ذلك لخصت سبعة دروس مهمة في الحياة تعلمتها من العمل عن بعد:

. . .

١. المكتب ما هو إلا طاولة في غرفة مع بعض الأجهزة

كنت أقدس المكتب التقليدي، قبل أن يشغل السفر وقتي بالكامل ولطالما اعتقدت أن الإنتاجية والمسؤولية والأجهزة المناسبة لا تجتمع إلا في مكتب أو غرفة العمل ولكن عندما بدأت رحلة العمل المتنقل أعدت التفكير في هذه الفكرة و لاسيما أنني كاتب ومصور مستقل، وددت أن أبتكر نمط عمل يناسب أي مكان أذهب إليه لأطور عملي. وبصراحة لعلي كنت أحاول نسخ بيئة عملي السابقة وبعد عام من المحاولات والفشل توصلت إلى عدة مبادئ عليك تطبيقها لتكون فعال في أي مكان: 

  • اترك ما يقوم به الناس عادة في مكاتب العمل وابنِ عادات جديدة. فعلى سبيل المثال: توقفت عن استخدام أكواب القهوة المزينة بالعبارات واستبدلتها بزجاجة مياه يمكن إعادة استخدامها.
  • الاستثمار في التقنية تؤمن وتزيد من الإنتاجية عن بعد.
  • ابتكار عادات تزيد من الإنتاجية بغض النظر عن البيئة.
  • استغلال ساعات السفر في بعض الأعمال الخفيفة.
  • إكمال المهام قبل وقتها.
  • المحافظة على الصحة واللياقة.

وبعد تطبيق هذه العادات والتعود عليها، أدركت ما يلي:

المكتب ما هو إلا طاولة في غرفة مع بعض الأجهزة. فتعتمد الإنتاجية على عادات عملك وانضباطك بها وطريقة تفكيرك، وليس على مكان عملك.

إن العمل عن بعد بالتأكيد لا يناسب الجميع، فمثلًا لا يستطيع عمال المصانع وعلماء الكيمياء في المختبرات أداء أنشطتهم عن بعد على رغم أنهم لا يعملون في مكاتب تقليدية. وبصراحة علمتني السنوات الأخيرة أن العمل عن بعد ممكن في أي وظيفة إن حررنا أنفسنا من الصورة النمطية للمكتب.

. . .

٢. الإنتاجية قوة عظيمة 

تعلمت من تجربتي في العمل المتنقل، أن الإنتاجية لا تعتمد على بيئة المكتب واكتشفت أن الإنتاجية قوة عظمى حقيقية. فعندما تكون خارج حدود المكتب كل ما حولك سيكون عائقًا أو مشتتًا للإنتباه، السفر يزيد الطين بلة، فعليك مواجهة مشاكل السفر والحواجز اللغوية والأماكن الجديدة بالإضافة إلى مشاكل العمل المعتادة.

ومن هنا ستدرك أن استخدام وقتك بحكمة هو النقطة الفاصلة لنتائج رائعة، فلا يهم عدد الساعات التي تقضيها في العمل فمقدار إنتاجيتك في تلك الساعات هو الذي يحدد مصيرك.

. . .

٣. هناك فرق شاسع بين الانشغال والإنتاجية

وفي سياق الاستفادة من ساعات العمل تعلمت من العمل عن بعد الفرق بين الانشغال والإنتاجية. والمشكلة التي يواجهها عالم الشركات اليوم هي أن كل شيء «مهم».

ألقِ نظرة على صندوق البريد الإلكتروني وانظر إلى عدد الرسائل التي يتضمن عنوانها كلمة «مهم»؟ سأقول ما بين ٥٠ إلى ١٠٠. وهذا سبب فقدان المصطلح معناه فلا بد من التفريق بين الانشغال والإنتاجية. فالأشخاص المنتجون يركزون على إنجاز الأشياء المهمة فعلًا بدلاً من الرد على كل بريد معنون بـ«مهم».

وكما ذُكر في مجلة إنك ماقازين (Inc Magazine):

«يطغى الحرص على بعض الموظفين ويقومون بمهام بسيطة ظنًا منهم أنها مهمة. (…) ولكن الموظف الفعال يستطيع التمييز بين المهام العاجلة والمهام الضرورية. ويتميزون بالتركيز على إنهاء المهام الضرورية أولًا بدلًا من قضاء الوقت بالتنقل بين المهام العاجلة المختلفة».

وساعدني العمل عن بعد في التمييز بينهما، ومنه تعلمت كيفية التركيز على المهام الضرورية وعدم تضييع الوقت في المهام البسيطة وعلى سبيل المثال: كل عميل أرسل لي بريد إلكتروني معنون بـ «مهم» عادة ما يكون تذكيرًا بموعد التسليم، فلن أضيع وقتي في الرد إن كان الموعد المحدد بعد عدة أيام. أما إن أرادوا تغيير المهمة بأكملها في غضون مهلة قصيرة فلن ألبي لهم هذا الطلب بل سألغيه، فعلى الناس احترام أوقات غيرهم.

. . .

٤. السفر قد يكون محفزًا أو عائقًا لأخلاقيات عملك

إحدى أهم فوائد العمل المتنقل هو الإلهام الذي تحصل عليه من السفر الدائم.

كما قال سينيكا (Seneca):

«السفر والتنقل يقوي العقل».

ولهذا فإن استكشاف الأماكن الجديدة والتواصل مع أشخاص ملهمين والتغلب على الحواجز الثقافية كلها تزيد من فضولك وإبداعك وتساعد على تحفيزك ولكن قد يكون للسفر تأثير عكسي أيضًا، خصوصًا في بدايات العمل المتنقل والانغماس به، فالسفر ليس مجرد حفلات واسترخاء وتصوير. ولكن لو حولت الإلهام الذي يأتيك من السفر إلى طاقة إبداعية، فسيساعدك بتعزيز أخلاقيات عملك وزيادة الإنتاجية. وإما إن نسيت أن «العمل» جزء من السفر، فقد لا يكون العمل المتنقل خيارًا مناسبًا لك.

. . .

٥. التواصل مهم سواءً في العمل أو في الحياة بشكل عام

فالتواصل مهم ليس فقط في العمل عن بعد بل بالحياة بشكل عام. فخلال الأشهر الستة الأولى لي بالخارج، أهملت التواصل مع الأصدقاء والعائلة أحيانًا وهذا أكبر خطأ ارتكبته. فكانوا إما يتحدثون معي بين فترة وفترة أو ينقطعون عني تمامًا بسبب إهمالي.

وللتواصل جانبان:

الأول: عليك معرفة متى وكيف تتواصل مع الآخرين. فالعمل عن بعد علمني أيضًا أن الناس ليسوا سواسية، فهناك أشخاص يحبون التواصل والسؤال عنهم أكثر من غيرهم ففي هذه الحالة معرفة ما يحبه الناس مهارة مهمة سواءً في العمل عن بعد أو في المكتب.

الثاني: سيساعدك العمل عن بعد على تحديد أفضل الطرق للتواصل مع الآخرين نظرًا لأنك لست حاضرًا سيختبر الكثير من الأشخاص قدرتك على التحمل عندما يتعلق الأمر بالتواصل من خلف الشاشات فمثلًا: في بداية مشواري كانت تتواصل زميلة معي بكثرة، وكانت تغضب إن لم أرد عليها بسرعة، وكانت تتكلم معي بأسلوب غير أسلوبها معي في المكتب. فلذلك تعلمت كيفية التواصل معها بطريقة لا تضيع وقتي بدون أن أتأخر عليها.

يعتبر العمل عن بعد وسيلة فعالة لتعزيز التواصل؛ وهو أمر يزيد قيمته يومًا بعد يومًا في مجتمعنا.

. . .

٦. «الموازنة بين الحياة والعمل» مفهوم كاذب

وفقًا لشركة بيزنس وير (Businesswire)، فإن الشركات الأمريكية لا تعترف بمفهوم الموازنة بين الحياة والعمل. وأنا أتفق مع ذلك، لكن أرى الموضوع من ناحية مختلفة. فمعظم الدراسات التي تحلل التوازن بين الحياة والعمل تركز على عوامل الضغط والتواصل والعمل الإضافي -مثل التي ذكرتها بيزنس وير-. ومع ذلك تعلمت من تجربتي في العمل عن بعد أن الموازنة بين الحياة والعمل مستحيلة أحيانًا. 

فهناك نظريتان:

  • إما أنك لا تحب وظيفتك، ولا تهتم سوى بالمال.
  • أو أنك لا تفرق بين عملك وشغفك.

ففي هذه الحالة: لا يمكن تحقيق الموازنة، فلا بد من فصل بسيط.

فإما أن تنغمس في عملك وتنسى الحياة، أو تهمل العمل وتعيش كما تريد. ففي أوقات الجد لابد أن تنسى هواياتك والأنشطة الأخرى وتجعلها متنفسًا لك في أوقات راحتك. وهذا يعني أنك لا تحاول تحقيق التوازن بين الاثنين، بل تعمل فقط لأجل المال. والنظرية الأخرى تقول إن العمل ليس مجرد مصدر دخل بل شغف، فلا تحرم نفسك سعادتها، وعش حياتك بلا توازن. فبالطبع كلنا لديه أنشطة يحبها خارج نطاق العمل، نحبها لأنها ممتعة وليس هروبًا من العمل. فكما قال المصمم والمذيع ديبي ميلمان (Debbie Millman) في سلسلة مقابلة تيم فيريس ترايب اوف مينتورس (Tribe of Mentors):

«لا أؤمن بالتوازن بين الحياة والعمل، لأنك لن تشعر بالتعب والإرهاق إن كنت تمارس ما تحب، بل سيدفعك شغفك للعمل».

فمفهوم الموازنة صعب التطبيق لأن هناك تداخل بينهما، حتى لو عملت في وظيفة أحلامك فلابد من وجود تناقض. بل أن العديد من الشركات تروج لهذا المفهوم حتى تجبرك على عمل ما تكره. فقبل أن أبدأ بالعمل المتنقل، عملت في قطاع التمويل، وكانت حياتي مشتتة في ذلك الوقت، أما الآن أصبحت حياتي وعملي في تيار واحد وبعد عامين من التنقل ومضاعفة ساعات العمل، اقتنعت ان الموازنة مستحيلة، وإنما هي المقدرة على التحكم وحسن الاختيار.

. . .

٧. أفضل طريقة لمحاربة الحقود هي إعطاء النصائح

وأخيراً، تعلمت من عملي المتنقل أن أفضل رد على الحاقدين والسلبيين: هي الردود الإيجابية. وعلى الرغم من أن العمل المتنقل أصبح شائعًا، ولكن ما زال هناك أناسٌ لا يعرفون الفرق بين الرحالة و رائد الاعمال عن بعد، لهذا فإن الحسد والتعليقات الساخرة والاستياء شائع بين الناس الذين لايملكون أدنى فكرة عن نمط الحياة. وحسب خبرتي: هناك رد واحد فقط لهم: النصح. 

ففي كل مره يقول لي شخص «الناس تعمل في مكاتبها وأنت تجول العالم وتصور الأهرامات» أردُ: « اِسأل مديرك عن نظام العمل عن بعد في الشركة».

وعادة ما يتغير أسلوب الناس معي بعد ذلك، ويبدؤون بتغيير نمط حياتهم وعملهم بدلًا من مراقبتي. وفي الختام: تعلمت أن أفضل طريقة لمكافحة السلبية هي الإيجابية، فلا يمكنك الرد على شخص سلبي بردود عصبية وسلبية بل قدم له طاقة إيجابية تدفعه للتغيير.

 

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *