إن تعلمت الكتابة، استطعت تغيير حياتك!

ترجمة بتصرّف لمقال:(If You Learn to Write, You Can Change Your Life by Ali Mese)

الترجمة: أسرار القحطاني

التدقيق: درة سعد 

المراجعة: لمى العنزي

كانت الجثة محفوظةً جيدًا لدرجةِ أنهم ظنّو صاحبها قد قُتل للتو.

السادس من مايو، عام 1950، الدنمارك.

وجد العمّال الدنماركيون رجلًا قد غُمِر بالخُثّ، في وضعيّة كوضعيّة الجنين في بطن أمه، وسمّوه التولند مان.

كان على رأسه قبعة، وحول خصره حزامٌ، ولُفّ عنقه بحبلٍ من جلد، كما أنه كان عاريًا.

تبيّن للعلماء بعد تحقيق جنائي وجود أربعين نوع من الحبوب المختلفة في معدته، حيث كانت تلك وجبته الأخيرة.

 قادت هذه الأدلة المروعة الناسَ للتساؤل.

لمَ كان عاريًا؟ وما قصة عصيدة الحبوب المشكّلة؟ ولمَ لزِم عليه أن يموت؟

أعطت بعض الأدلة إجاباتٍ قاطعة، وهي: توفي الرجل في القرن الرابع قبل الميلاد، وكان عمره نحو الأربعين سنةً.

كما ظهرت أراءٌ أخرى تقول بأنه كان مزارعًا قضى نحبه في سبيل إرضاءِ الآلهة، وتُفسّر الحبوب في معدته على أنها جزءٌ من القربان، حتّى تحفز المحاصيل لتنمو.

أو ربما كان مؤمنا بفلسفة التعري، وكان ضّالا وقتها، فانتهى به المطاف في المكان والوقت الخطأ.

لن نعلم يقينًا ما جرى.

 ولكن سنستمر نحن البشر في نسج القصص حول كل شيء تقريبًا، حيث تظهر الأبحاث بأن الدماغ بما يفعله من إعداد لمراكز اللغة وإطلاق المواد الكيميائية -كالأُوكسيتوسين- يحب فن إلقاء وكتابة القصص.

لا ينبغي لجثة التولند مان أن تكون حادثةً عابرة، إذ كان علينا أن نمنحه اسمًا، وتاريخًا، وحياة. إنها القصص، تحرّك الناس وتثيرهم، وإثارتهم أمرٌ عجيب.

القوة التي تملكها لتحريك الجموع من أريكة منزلك

لقد أدركت قوة القصص -كتابةً وتدوينًا- في 2014، فنشرت قصصًا قرأها جمعٌ غفيرٌ لا تحظى به تلك الشركات بما تملك من مئات الكُتّاب، مستعينًا بمكتبي الصغير، في غرفةٍ لا تتجاوز المترين، في موقعٍ قلّما يزوره أحد.

وبالفعل، تشبه الكتابة القيام بأمرٍ في غاية الأهمية، وعلى الرغم من ذلك، فإنها لا تتطلب مالًا. طافت قصصي العالم بينما كنت نائمًا، إنها تبحث عن فرص لأجلي.

«إن لم تستطع كتابة الأكواد، فاكتب كتبًا وتدوينات، وسجّل مقاطع مرئية وصوتية؛ لأن وسائل الإعلام هذه تجوب العالم، وأنت مستلقٍ في فراشك، وتنال منها ما تناله، فهي تفتش عن كل فرصةٍ لك في هذا العالم».

استشعرت بعدها قوة الكلمة وتأثيرها على الناس، وشعرت بالسرور؛ لأني قادرِ على الوصول إلى كمٍ هائل من الناس من خلال مكتبي الصغير، ولكنّي وجدت سرًا صغيرًا في تدوينة غيّر طريقة كتابتي للأبد. 

وجدت هذا السر أولًا بين سطورِ تدوينة عابرة قرأتها في 2013، أعدت قراءتها مرارًا وتكرارًا دون جدوى، إذ تحتّم علي أن آخذَ معطفي وأمشي طويلًا في سبيل أن أستوعب ما اكتشفته للتو.

علّمني ذلك السر معظم ما أعرفه اليوم عن الكتابة، بالرغم من أن الإنجليزية ليست لغتي الأم، وأني كنت أفتقر الثقة بمهاراتي. 

ويُعتبر هذا السر أيضًا أساس استراتيجية إلقاء القصص وكتابتها التي نتّبعها اليوم في قروث سبلاي (Growth Supply).

 القوة الكامنة للسطر الواحد

 اكتشفتُ ذلك السر بعدما قرأت للشاعر تشارلز بوكسكي (Charles Bukowski)، حيث احتوت عبارته على ست كلمات فقط:

«يكمن السر في السطر».

أذكر أني عُدت مسرعًا إلى منزلي في يوم من أيام يناير؛ لأكتب كل فكرة ألهمتني إياها نصيحة بوكسكي (Bukowski) خلال مشيي، ثم درست ليلتها تدوينات أخرى حول نفس الموضوع.

كلما رأيتُ أحدًا يكتب مقالًا بعبارات معقدة فيها رطانة، أتذكّر تلك الملاحظات التي كتبتها حين كنت أدرس تلك التدوينات:

 ما الهدف الأساسي لأي كتابةٍ تنشرها في الانترنت؟ 

حتى يُقرأ ما كتبتَه. 

إذًا، ما الهدف الأساسي من العنوان الذي اخترتَه والرسومات ونوع الخط وكل ما يتعلق بالمحتوى الذي كتبتَه؟ 

لتُقرأ الجملة الأولى. 

وما هدفك من الجملة الأولى؟ 

لتُقرأ الجملة الثانية. 

قد ترى هذه الملاحظات ساذجة، وربما محيّرة، ولكن كما قلت لك، يكمن السر في السطر؛ فإن لم يُقرأ ما نشرته لذهب جهدك هباءً منثورًا. 

إن كنت ترغب بأن يقرأ عملك فالزمه جملةً جملة، وبذلك تتأكد بأن القارئ لن ينتقل من الجملة الأولى إلى الثانية إلا إذا وجد فيها ما يجذب انتباهه.

لن تتمكن من أن تجعل ما كتبتَه يُقرأ كل مرة، ولا حتى معظم المرات؛ ولكن إن أبقيت فكرة القوة الكامنة للسطر الواحد في ذهنك كلما كتبت، قد تكتب ما يستحق أن يُقرأ ويُتشارك مع الآخرين، وربما ما ينشره الناس على نطاق واسع. 

هذا أمرٌ أساسي؛ لأنه حتى إن استخدمت في كتاباتك كل حيلة يُعتقد -زعمًا- أنها ستفيد في نشر المحتوى بالرغم من أسلوبك الركيك، فلن تنجح في ذلك.

اكتب جيدًا؛ سطرًا بسطر.

غيّر أسلوب «السطر الواحد» كتابتي، وبعدها غيّر حياتي؛ مكنني من إجادة صَنعتين في زمنٍ لا تجد لك به موضع قدمٍ في مجال صناعة المحتوى، ولكنني مدرك بأنه لم يكن له نفس الأثر علي، إلا لأني آمنتُ بأهميته.

وأنت إن أبقيتَ أسلوب «السطر الواحد» ماثلًا في ذهنك؛ فسيحدث هذا فارقًا.

 لخّصت الأركان الأساسية التي تتألف منها استراتيجية إلقاء القصص وكتابتها في إجابتي عن الطريقة التي وصلنا بها إلى 11.3 مليون متصفِّح، وهذا دون أن نعتمد على ما يُسمى بهُراء النمو السريع، أو ما يعرف بـ Growth hacking، وتحدثتُ في مقالٍ كتبته حديثًا عن رأيي في خواصِ الكتابة المؤثرة؛ وهي سهولة قراءتها، وخلوها من الشوائب. ورشاقتها. 

ولكن أيًا من هذه الأفكار لن يُفيدك إلا بعد أن تجلس وتسجّل أفكارك على ورقةٍ بيضاء، سطرًا بسطر.

يكمن السر هنا في لحظات الصمت تلك التي تدرك فيها أنك يجب أن يندمج عقلك -الذي سرعان ما يُشتت انتباهه؛ فشُبّه بعقل القرد لذلك- بتلك الورقة البيضاء أمامك، هنا تكمن لحظة الحقيقة، بلا موسيقى تعزف في الخلفية. السر حتمًا في لحظات الصمت تلك التي تُسلّم فيها بأنه ليس بوُسعِ أداة ابتكار أو تطبيق كتابة بارع أن تمنعك من التركيز على تلك الشاشة الفارغة.

ولأعيد صياغة عبارة دايفيد ماكولوغ (David McCullough) الجميلة التي تقول:

اكتب لأني أفكر، وأكتب جيدًا لأني أفكر جيدًا.

فإنه يجدر بي القول أن التفكير الممتاز والكتابة الجيدة، سطرًا بسطر، ليست سهلة، ولكن تذكّرك لأسلوب السطر الواحد حال الكتابة يُثمر عملًا رائعًا يلامس رغبات الناس.

السر في أن تحترم مهنتك، وتتعامل مع كلماتك بحرص وحذر، ففي عالم الكتابة، سطرٌ مملٌ واحد قد يجعلك تخسر القراء، والتركيز على سطورك يساعدك على استحضار الجمهور في ذهنك، وسأعطيك مثالًا لمقدمة مُستهلكة تٌستهل بها أغلب المقالات التي تحاول استغفال القارئ على الشبكة اليوم، حيث تُكتب جميعها بنفس الأسلوب الآتي:

«هل سبق أن شعرت بالوحدة بعد إفراطك في تناول الشوكولاتة؟ متأكد أنك قد شعرت بذلك! كلنا قد شعرنا بشعورٍ كهذا، أليس كذلك؟ أعلم هذا، فأنت لست وحدك. سأخبرك في هذا المنشور كيف توقف نهمك، وسأجعلك تنجح في إيقاف نهمك!»

فبدلًا من افتراض أن القارئ قد أحس بمثل هذا الإحساس، وبدلًا من استجداء انتباهه، لمَ لا تحترف نسج قصتك، وتكتبها بإتقانٍ سطرًا بسطر، حتّى لا تدع للقارئ خيارًا آخر غير إكمال القراءة؟

تملك الكلمات التي تكتبها القوة الكافية لإثارة الجموع الغفيرة من الناس، وستمنحك استمالتُك الناس لقراءة قصتك أو مقالتك الطويلة أو تدوينتك بضع دقائق ثمينة لتخلقَ اتصالًا فكريًا عميقًا مع قُرّائك، كيفما أصبحوا وأينما كانوا.

«لو لم يكن الكلام سهلًا، لكان من المحتمل أن يتعامل معه الناس -وربما مع بعضهم البعض- باهتمام أكثر».

تعامل مع كلماتك باهتمامٍ وحرص.

استحضر أسلوب السطر الواحد في ذهنك وأنت تكتب قصتك كما كُتبت قصة التولند مان.

إن تعلمت الكتابة، استطعت تغيير حياتك.

يكمن السر في السطر.

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *