الاستثمار في أوقات الأزمات

ترجمة بتصرّف لمقال: (Investing in a Time of Crisis)

(المترجم: هذا المقال يتحدث عن الاستثمار في أوقات الأزمات لصناديق الملكية الخاصة، ولكنه يناسب جميع المستثمرين.)

الكُتَّاب:

مارك لينو، شريك في Bain & Company، أمستردام

هوبرت شن، شريك في Bain & Company، لوس أنجلوس

أندري فوروبيف، شريك في Bain & Company، كوبنهاجن

هاو زوهو، شريك في Bain & Company، هونج كونج

2 أبريل 2020

ترجمة:محمد الرميح @MohamadAlrumaih

تدقيق: داليا شافعي

مراجعة: أسامة خان

من الممكن اعتبار توفير سيولة مالية للشركات المصابة بصدمة اقتصادية صفقة رابحة للطرفين، ولكن بالنسبة لشركات الاستثمار في الملكيات الخاصة، فالعمل في خضم أزمة كورونا ليس عملًا اعتياديًا.

يعد الانخفاض في صفقات الاستثمار في عالم الملكية الخاصة أمرًا مفاجئًا بشدة في أعقاب أزمة كورونا. حيث سيعارض مالكو الشركات بيع حصة منها بقيمة منخفضة، كما يصعب على المشترين الحصول على التمويل في ظل عدم وضوح النتائج في المستقبل. وأصبحت الأسواق في حالة صدمة وستظل في هذا الوضع لفترة من الزمن.

وفي ظل سعي صناديق الملكية الخاصة لضمان عدم تأثر الشركات التي يستثمرون فيها على المدى البعيد، ستُبْرَم العديد من الصفقات الجديدة بكل تأكيد. فلدى الصناديق أموالًا ترغب في استثمارها، وتحتاج الشركات لأموالٍ جديدة. كما تعلمت صناديق الاستثمار في الأزمة المالية عام 2008-2009، أن الاستثمار في أوقات الانكماش يحقق عوائد أعلى في المتوسط من الاستثمار في أوقات الازدهار الاقتصادي.

على الرغم من ذلك، فهناك عاملان يجعلان هذه الأزمة مختلفة.

الأول هو السرعة الهائلة للأزمة والتي تسببت بتوقف العديد من الأنشطة الاقتصادية حول العالم، وأصابت العديد من الشركات باضطراب في أعمالها. والثاني هو الأثر المتوقع على سلوكيات المستهلكين، فبدأت الشركات والأفراد بالتأقلم مع أوامر البقاء في المنزل والنقص في بعض السلع والخدمات. وربما يستمر التغير في الطلب على السلع والخدمات لفترة أطول حتى بعد انتهاء الأزمة.

وأضاف هذين العاملين درجة أخرى من التعقيد لدراسات الاستثمار المعتادة. فعلى الأرجح ستغير صناديق الاستثمار لدى عودتها طريقة تقييمها للفرص الاستثمارية وتضع نموذجًا للمستقبل على ضوء الهزة العنيفة التي حدثت في جانب الطلب.

ومن المستحيل إجابة الأسئلة المتعلقة بالتوقعات قريبة المدى بدقة عالية في الوقت الحالي. فلا أحد يعلم متى ستعود الأنشطة لوضعها الطبيعي، وهذا ما يجعل تقييم أثر هذه الصدمة على مستوى الاقتصاد العالمي صعبًا، ناهيك عن استهداف شركات بعينها. ويعني هذا أن هناك طرق عملية لتقييم الفرص الاستثمارية المحتملة بعد عزل تأثير أزمة كورونا عن ميزة الشركة التنافسية بعيدة المدى، وتوقعات الطلب المستقبلية ووضعها المالي. وعند النظر لشركة معينة في هذا الوقت، يجب عليك أن تسأل عدة أسئلة محورية:

ماذا سيحدث للطلب على مستوى الصناعة بعد انتهاء الأزمة؟

بعد مدة من انخفاض الطلب الكبير على السلع والخدمات، سترتد الكثير من قطاعات الأعمال بقوة بعد انتهاء الأزمة وعودة الاقتصاد للدوران. ولكن طبيعة الطلب ستكون متغيرة من صناعة لأخرى وأيضًا ما بين قبل الأزمة وبعدها (انظر للرسم أدناه).

 فبينما يؤثر الإغلاق الحالي للحدود سلبيًا على الشركات المتعلقة بالسياحة، سيتعافى قطاع السياحة بالنهاية وسيعود الطلب للارتفاع على المدى البعيد. ولكن قد يرتفع الطلب على برامج وتطبيقات الأعمال التشاركية على المدى البعيد بعدما أثبتت فعاليتها في مختلف نماذج العمل عن بعد. وينطبق الأمر أيضًا على مجموعة واسعة من منتجات الصحة والعناية الشخصية نظرًا لتطور عادة جديدة لدى الكثير من المستهلكين وهي حماية أنفسهم من المخاطر المحتملة.

السؤال المطروح على المستثمرين هو كيف سيكون الوضع الطبيعي الجديد بعد انتهاء الأزمة؟ هل المنتجات والخدمات البديلة التي اشتراها المستهلكون ستكون بجودة المنتجات والخدمات التي اعتادوا شراؤها، أو حتى أفضل منها؟ هل ستكون الحلول التي استخدمها المستهلكين بديلة عن مجموعة واسعة من المنتجات؟ أو بدلًا من ذلك سيقوم المستهلكين بإطلاق موجة قوية من الطلب على المنتجات والخدمات التي اعتادوا عليها قبل الأزمة؟ مما سيحدث نمو متسارع في الطلب.

هل السبب فيروس كورونا أو غير ذلك؟

بالنظر إلى حدة انخفاض الطلب بسبب أزمة كورونا، فالشركات في كل قطاعات الأعمال تقريبًا ستتأثر بذلك، وبعضها سيتأثر بشدة مما يستدعي ضخ أموالِ لها. ولكن قوة تأثير الأزمة قد يطغى على مشاكل أخرى تعاني منها الشركة في الأساس.

إذا كانت الإيرادات لكامل الصناعة انخفضت بشدة، من المهم أن تقوم بمقارنة أداء الشركة المستهدفة بالاستثمار مع منافسيها على مستوى الأداء المالي والتشغيلي لمرحلة ما قبل الأزمة. فالشركة التي لديها ميزة تنافسية قوية في المرحلة السابقة للأزمة، سيكون وضعها أفضل واحتمالية ازدهار أعمالها أعلى في المستقبل، مقارنة بالشركة التي تعاني مشكلات مسبقة تعيقها. ومن الممكن أن تكون هذه المشكلات ليست كارثية. ولكن في بيئة اقتصادية تضغط على أداء الشركات، سيكون من واجبك أن تقوم بتقييم إمكانية معالجة الشركة لهذه المشكلات بمستوى معقول من الأموال المستثمرة وخلال مدة منطقية.

هل الشركة في مكان يؤهلها لتزدهر فيما بعد الأزمة؟

سؤال آخر مهم وهو أين موقع الشركة من الصناعة عندما يتعافى الطلب في القطاع الذي تعمل به؟ هل تموضعت في مكان يجعلها تستغل التعافي في الطلب بالشكل الأمثل؟ لتحصل على الجواب يجب عليك تحليل كافة مستويات الشركة. هل قام فريق المبيعات وخدمة العملاء بعمل أفضل من الشركات المنافسة، لتعميق العلاقة مع العميل وجعله يشعر بالاهتمام والامتنان؟ وعلى المستوى التشغيلي، هل لدى الشركة القدرة الإنتاجية وسلسلة الإمداد القوية وهيكل التكاليف المرن يمكنها من استغلال القفزة القوية في الطلب بعد انتهاء الأزمة؟

مسألة أخرى تتعلق بالمدى البعيد، هل ستواجه الشركة مخاطر تنافسية بسبب التغير في سلوك المستهلكين؟ وهل سيكون بإمكانها التأقلم سريعًا مع هذا الأمر؟ هذه الأزمة أجبرت الكثير من المستهلكين على تركِ عاداتهم القديمة وتبني عادات جديدة وتجربة حلول جديدة سواءً على مستوى الأفراد أو قطاعات الأعمال. وحققت التجارة الإلكترونية نموًا هائلًا وصار المستهلك يشتري من الإنترنت كل شئ بدءًا من منتجات البقالة وحتى تجهيزات المكاتب المنزلية. كما أصبحت أدوات التواصل عن بعد مثل زوم (Zoom) وبلوجينز (BlueJeans) تُسْتَخْدَم بطرق لم تخطر حتى على بال مطوريها. هذه التغيرات أطلقت موجات من التأثير على الشركات في مختلف الصناعات. وغالبًا ستستفيد سلاسل المطاعم بعد انتهاء الحجر المنزلي، لكن المطاعم التي طورت قنوات توصيل الطعام ستنمو أكبر من تلك التي لم تتبنَ هذه الحلول.

وستصبح الشركات التي استغلت هذه الفترة في تطوير التواصل والتفاعل مع موظفيها وعملائها أكثر فعالية بالتواصل وستقدم حلولًا أفضل لعملائها في المستقبل. فأفضل الشركات هي من تقوم بفعل ذلك الآن وليس لاحقًا. الفكرة الأساسية هي أن تخرج الشركة من هذه الأزمة وهي مواكبة تمامًا لأي تغيرات هيكلية في سلوك المستهلكين.

ما هي المخاطر المتولدة من الاختلال والزعزعة قريبة المدى؟

أي استثمار تقوم به الشركة في هذه الفترة غير المستقرة والمتزعزعة يجب أن يقوم على افتراض سيناريوهات وتقييم مخاطر الزعزعة وقدرة الشركة على الصمود في وجهها. يجب افتراض الأسوأ وتجهيز خطط عملية ومحددة.

 ماذا سيحدث للطلب على منتجات الشركة وخدماتها إذا استمرت الأزمة حتى الصيف؟ سلسلة الإمداد قد تكون مستقرة الآن، ولكن هل ستكون كذلك بعد شهرين من الآن؟ هل هيكل التكاليف للشركة لديه المرونة لتخفيضها مؤقتًا ورفعها بسرعة؟

بما أن الطلب حاليًا في منحنى نزولي قوي، هل لدى الشركة المستهدفة بالاستثمار القدرة على تحمل ذلك؟ ماهي مشاكل التدفق النقدي قريبة المدى؟ وكم تحتاج الشركة من الأموال للاستثمار في المرحلة القادمة (مع الأخذ في الاعتبار التحفيز الحكومي)؟ وماذا ستدعم هذه الأموال؟ 

وحاليًا يصعب قياس الفترة والحدة لهذه الأزمة. وبالنظر لكل هذا الغموض، هل تفهم حقًا المخاطر المتعلقة بمتطلبات الاستثمار الحالية؟

هل لديك الخبرة والإمكانيات المناسبة؟

هذا السؤال من شقين. الأول يتعلق بما يتميز به صندوق الملكية الخاصة، هل هذا الاستثمار يتماشى مع إمكانيات الصندوق المتباينة ونماذج استثمار القيمة لديه؟ فقد يبدو الاستثمار في الشركات المتعثرة (distressed investing) صفقة رابحة في البداية. ولكن هل أنت واثق بأن لدى الشركة المعرفة الكافية التي تجعلها تقلل من المخاطر باستخدام الأدوات المناسبة التي تعيد دفع الشركة للأمام؟

الشق الثاني من السؤال يتعلق بإمكانيات الاستثمار في الشركات المتعثرة. بالنظر إلى أن العديد من الشركات المستهدفة تعاني حاليًا، فصناديق الملكية الخاصة يجب أن تكون مهيأة لعدة أمور:

احتمالية عالية للتخلف عن الدفع أو حتى الإفلاس: صناديق الملكية الخاصة التي لديها خبرة في الاستثمار في الشركات المتعثرة تعرف كيف تكتشف أن تلك الشركة في طريقها للإفلاس وتعرف أيضًا كيف تتصرف وبسرعة إذا حدث ذلك. كما يعرفون كيفية تجهيز خطة عمل مفصلة وأين يجدون الإمكانيات المناسبة لتنفيذها، سواءً على المستوى القانوني أو المالي وغيرها.

قرارات سريعة مبنية على بيانات أقل: الاستثمار في الشركات المتعثرة يتطلب التحرك أسرع مما هو معتاد في لجنة الاستثمار. صناديق الملكية الخاصة يجب عليها أن تصدر قرارات مبنية على مصادر بديلة من البيانات. إذا لم يكن هناك قوائم مالية تاريخية وبيانات تاريخية، فصندوق الملكية الخاصة يجب عليه أن يعتمد على مقابلات المستهلكين والموردين ويبحث في أرجاء الشبكة العنكبوتية عن أي بيانات كي يحصل على الأجوبة المتعلقة بذلك الاستثمار. قد يتوجب عليه أيضًا الاستعانة بخبرات من خارج المجال لتحليل أحوال الصناعة وحتى ميزة الشركة التنافسية.

سيناريوهات في حال ساءت الأمور: بالنظر إلى قوة التأثير لأزمة كورونا على الطلب، فالصناديق بحاجة لتجهيز خطط طوارئ قصيرة المدى لتقليل مخاطر الانخفاض في السيولة وخطط للعودة بالشركة للمكان الصحيح وذلك قبل الاستثمار. ويجب أن تكون هذه الخطط جاهزة للتنفيذ فورًا عند حدوث المشكلة، مثل نقل الموظفين، وإحداث تغييرات على مستوى العمليات وتنفيذ ذلك على وجه السرعة. وغالبًا تتضمن تلك الخطط إجراءات قاسية مثل تسريح الموظفين وإجراء تغييرات على مستوى الأصول وذلك للعودة بالشركة للمكان الصحيح. وعلى الشركات أن تعرف كيف تحد أيضًا من الأضرار الجانبية، وخصوصًا خلال فترة الطوارئ الوطنية. ويجب عليها أن تكون مستعدة لإدارة أي رد فعل سلبي ينجم عن هذه التغييرات العنيفة.

بلا شك ستقوم صناديق الملكية الخاصة بدور مهم في توفير سيولة للاقتصاد العالمي المصدوم، وستساعد الشركات على جميع المستويات للعبور بسلام خلال هذه العاصفة. ولكن الاستثمار خلال فترات التقلب والغموض بحاجة لمهارات جديدة لتقليل الاجتهادات. ويتطلب النجاح فهمًا حقيقيًا للآثار على المدى القريب وللتغيرات الهيكلية على الشركات وقطاعات الأعمال على المدى البعيد. وسيتوجب على صندوق الملكية الخاصة،أكثر من أي وقت مضى، أن يكون مدركًا بوضوح لكيفية إضافة قيمة مع تقليل المخاطر في الوقت الذي تظهر فيه فرص استثمارية فريدة. *^

* صناديق الملكية الخاصة: هي صناديق استثمارية تستثمر فقط في الشركات الخاصة أي غير المدرجة في سوق الأسهم، أو تستثمر في شركة عامة بغرض الاستحواذ على الحصة المطروحة للعموم وشطبها من سوق الأسهم لتصبح شركة خاصة من جديد. (تعريف موقع: Investopedia)

^ شركة Bain & Company هي شركة استشارات عالمية تعمل في 37 دولة.

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *