إذا أرادت الآلات صنع الفن، فهل سيفهمه البشر؟

ترجمة بتصرف لمقال:( If machines want to make art, will humans understand it?
by aeon)

الترجمة: أمل سلطان العبود

التدقيق والمراجعة: شيخه عبدالله

ستشعر العقول الاصطناعية بالحاجة إلى خلق الفن على افتراض إمكانية ظهور الوعي فيها. ولكن هل سنكون قادرين على فهمها؟ للإجابة على هذا السؤال، نحتاج إلى التفكير في سؤالين فرعيين هما: متى أصبحت الآلة مؤلفة لعمل فني؟ وكيف يمكننا تكوين فهم للفن الذي تصنعه؟

نؤكد على أن التعاطف هو القوة الكامنة وراء قدرتنا على فهم الأعمال الفنية. فكر فيما يحدث عندما تواجه عملًا فنيًا. لفهم القطعة الفنية، نشدد على استخدام تجربتك الواعية لطرح سؤال عما يمكن أن يحفزك على القيام بمثل هذا العمل الفني بنفسك، ثم تستخدم منظور الشخص الأول هذا لمحاولة التوصل إلى تفسير منطقي يتيح لك الارتباط بالعمل الفني.

سيكون تفسيرك للعمل شخصيًا وقد يختلف اختلافًا كبيرًا عن أسباب الفنان الخاصة. ولكن إذا تبادلنا الخبرات الكافية والمراجع الثقافية، فقد يكون ذلك منطقيًا، حتى بالنسبة للفنان.

هذا هو السبب في قدرتنا على الارتباط بشكل مختلف بعمل فني بعد معرفتنا بكونه عمل مزيف أو مقلد: تختلف نية الفنان في الخداع أو التقليد تمامًا عن محاولته في التعبير عن عمل أصلي. يمكن لجمع المعلومات السياقية قبل القفز إلى استنتاجات حول تصرفات الآخرين، في الفن كما في الحياة، أن يمكّننا من الارتباط بشكل أفضل بنواياهم.

لكنك والفنان تشتركان في شيء أكثر أهمية بكثير من المراجع الثقافية: كلاكما تشاركان نوعًا مماثلًا من الجسد، ومعها، نوع مماثل من المنظور المتجسد. تنبع تجربتنا البشرية الذاتية من بين أشياء أخرى كثيرة، من الولادة والتعليم ببطء في مجتمع بشري، من محاربة حتمية موتنا، من تقدير الذكريات، من فضول عقولنا، من الوجود الكلي لاحتياجات ومراوغات جسمنا البيولوجي، ومن الطريقة التي تُمليها المقاييس الزمانية والمكانية التي يمكننا فهمها. ستجسد جميع الآلات الواعية تجارب خاصة بها، ولكن في أجسام ستكون غريبة علينا تمامًا.

نحن قادرون على التعاطف مع شخصيات غير إنسانية أو آلات ذكية في خيال من صنع الإنسان لأنه تم تصورها من قبل البشر من المنظور الشخصي الوحيد الذي يمكننا الوصول إليه: «كيف يمكن للإنسان أن يتصرف مثل (شيء)؟» من أجل فهم الفن الميكانيكي على هذا النحو -وبافتراض أن أمامنا فرصة للاعتراف به في المقام الأول- سنحتاج إلى طريقة لتصور تجربة الشخص الأول لما يشبه أن تكون عليه تلك الآلة. هذا شيء لا يمكننا القيام به حتى بالنسبة للكائنات القريبة منا. قد يحدث أن نفهم بعض الأنشطة أو الأعمال الفنية التي تم إنشاؤها بواسطة آلات بمحض إرادتها على أنها فن، ولكن عند القيام بذلك سنقوم حتمًا بتجسيد نوايا الآلة. لا يمكن تفسير الفن الذي تصنعه آلة بطريقة منطقية إلا من منظور تلك الآلة، وأي تفسير متجانس سوف يكون غريبًا من منظور الآلة نفسه. وعلى هذا النحو، سيكون تفسيرًا خاطئًا للعمل الفني.

لكن ماذا لو منحنا الآلة امتيازً للوصول إلى طرق تفكيرنا، لخصوصية جهاز الإدراك لدينا، إلى أمثلة لا حصر لها من الثقافة الإنسانية؟ ألا يمكّن هذا الجهاز من صنع فن يستطيع الإنسان فهمه؟ إجابتنا هي نعم، ولكن هذا من شأنه أن يجعل الأعمال الفنية إنسانية وليست ميكانيكية حقيقية. جميع الأمثلة حتى الآن بعيدة كل البعد عن «فن صُنع من قبل الآلات» هي في الواقع مجرد أمثلة واضحة للفن الإنساني المصنوع من أجهزة الحاسوب من قبل الفنانين مبرمجي الحاسوب.

قد يبدو هذا كادعاء غريب: فكيف يمكن للمبرمجين أن يكونوا مؤلفي العمل الفني إذا لم يتمكنوا في معظم الوقت من التحكم -أو حتى توقع- التجسيدات الفعلية للعمل الفني؟ اتضح أن هذه ممارسة فنية طويلة الأمد.

لنفترض أن الأوركسترا المحلية الخاصة بك تعزف السيمفونية رقم 7 (1812) لبيتهوفن. على الرغم من أن بيتهوفن لن يكون مسؤولًا بشكل مباشر عن أي من الأصوات التي يتم إصدارها هناك، إلا أنك لا تزال تزعم استماعك إلى بيتهوفن. قد تعتمد تجربتك إلى حد كبير على تفسير أداء الفنانين الموسيقيين أو صوتيات الغرفة أو على سلوك زملائك من أفراد الجمهور أو على حالتك الذهنية. هذه الجوانب وغيرها هي نتيجة الاختيارات التي يتخذها أفراد معينون أو تكون نتيجة حوادث تحدث لهم. لكن من هو مؤلف الموسيقى؟ هو لودفيج فان بيتهوفن. دعنا نقول أنه كاختيار غريب إلى حد ما للبرنامج، يتم عزف معزوفة المناظر الطبيعية الخيالية رقم 4 (مارس رقم2) (1951) لجون كيج، مع 24 فنانًا يتحكمون في 12 جهاز راديو وفقًا لعلامة موسيقية. في هذه الحالة، يجب أن تُعزى مسؤولية الأصوات التي يتم سماعها إلى مذيعي الراديو المطمئنين، أو حتى إلى الحقول الكهرومغناطيسية. ومع ذلك، ينبغي أن يعود الفضل في تشكيل الأصوات بمرور الوقت لهذه القطعة الموسيقية إلى جون كيج. سيتنوع كل آداء لهذه القطعة بشكل كبير في تجسيدها الصوتي، لكنه سيكون دائمًا أداءً لمعزوفة المناظر الطبيعية الخيالية رقم 4. لماذا يجب علينا تغيير هذه المبادئ عندما يستخدم الفنانون أجهزة الحاسوب فعلى الأقل من هذه النواحي، الفن الصادر من الحواسيب لن يجلب أي جديد إلى الطاولة؟ قد لا يكون الفنانون (البشر) مسيطرون بشكل مباشر على الصورة النهائية الصادرة، أو حتى بقدرتهم على التنبؤ بها، لكن على الرغم من ذلك، فهم مؤلفو العمل. فالتجسيدات المختلفة لنفس الفكرة في هذه الحالة ذات الطابع الرسمي كخوارزمية، عبارة عن نسخ من نفس العمل تظهر فيها ظروف سياقية مختلفة. في الواقع، يتمثل الاستخدام الشائع للحساب في الفنون في انتاج أشكال مختلفة من العملية، ويستخدم الفنانون على نطاق واسع الأنظمة الحساسة للحالات الأولية أو المدخلات الخارجية أو شبه العشوائية لتجنب تعمد تكرار المخرجات. إن امتلاك حاسوب يقوم بتنفيذ إجراء لبناء عمل فني، حتى وإن كان يستخدم عمليات شبه العشوائية أو خوارزميات التعلم الآلي، لا يختلف عن إلقاء النرد لترتيب قطعة موسيقية أو متابعة أشكال لا حصر لها من نفس الصيغة. في النهاية، فإن فكرة الآلات التي تصنع الفن لها تقليد فني يسبق الاتجاه الحالي للأعمال الفنية التي يصنعها الذكاء الاصطناعي.

الفن الآلي هو المصطلح الذي نعتقد بأنه يجب حجزه للفن المصنوع بإرادة تلك العقول الاصطناعية، وليس تلك القائمة على (أو الموجهة لـ) وجهة نظر بشرية عن الفن. من وجهة نظر الإنسان، ستظل الأعمال الفنية الآلية إجرائية ولوغاريتمية وحسابية. ستكون مبدعة باستقلالها عن الفنان البشري. وقد تكون تفاعلية، مع البشر أو الأنظمة الأخرى. لكنها لن تكون نتيجة قرارات إرجاء الإنسان للآلة، لأن أولها -قرار صنع الفن- يجب أن يكون نتيجة لإرادة الآلة ونواياها وقراراتها. عندها فقط لن يكون لدينا فن بشري مصنوع من أجهزة الحاسوب، ولكن فن آلي حقيقي. لا تكمن المشكلة فيما إذا كانت الآلات ستطور أو لن تطور شعورًا بالذات يؤدي إلى الشغف لخلق وتأليف الفن. تكمن المشكلة في أنه إذا فعلت -أو عندما- تفعل ذلك، فستكون لديها بيئة مختلفة بحيث لن نكون قادرين تمامًا على الارتباط بها من منظورنا الشخصي المتجسد. سيبقى الفن الميكانيكي دائمًا أبعد من قدرتنا على فهمه لأن حدود فهمنا -في الفن، كما في الحياة- هي حدود التجربة الإنسانية.

 

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *