كيف تكسب كل نقاش؟

ترجمة بتصرف لمقال (How to win Every Argument by: WALTER SINNOTT-ARMSTRONG)

 

المترجمة: أماني فهد 

المدققة: رهف الفرج 

المراجعة: فاطمة آل عسكر

 

ذكر ديل كارنيج في كتابه(كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر على الناس) المنشور في عام ١٩٣٦ والأكثر مبيعاً حالياً”توصلت إلى أن أفضل طريقة تكسب فيها نقاشا هي تجنبه. فتجنب النقاش كتجنبك لأفعى مجلجلة أو هزة أرضية . يعد النفور من النقاشات أمراً شائعا إلا أنه يعتمد على رؤيتنا الخاطئة للنقاش مما يتسبب في مشاكل كبيرة لحياتنا الشخصية والاجتماعية وقد نفقد بطرقٍ شتى ما هي غاية النقاش.

سيكون كارنيج محقا لو كان النقاش قتالاً كما نتصوره غالباً ،كالقتال البدني أو القتال اللفظي الذي يمكن أن ينتهي بأذية كلا الطرفين، فحتى إن كسبت النقاش لن يجعل هذا منك شخصا أفضل. ستكون ذا أفق ضيق إذا كان النقاش في نظرك أشبه ببطولات كرة التنس التي يضرب فيها الخصمان الكرة مرارا وتكرارا حتى يظهر رابح واحد من بين جميع المشاركين ويخسر البقية. ونتيجة لهذا النوع من التفكير، يتجنب الكثيرون خوض النقاشات خصوصا في مواضيع السياسة والدين.

تفتقد هذه الآراء حول النقاش للمنطق، فإذا كنت ترى النقاش معركة أو منافسة فبإمكانك كسبها بالغش طالما لم يتم القبض عليك، وستسعد بإقناع الناس بحجتك حتى لو كانت خاطئة ولن تمانع في مقاطعة حديثهم، وأن تصف آرائهم بالجنون، والغباء، والسخف، أو التفاهة، أو أن تسخر من جهلهم، أو من قصر قامتهم، أو من صغر أيديهم، إلا أن هذه الخدع لن تمكنك من فهمهم أو فهم مواقفهم أو الأمور التي تفرقكم ولكنها قد تساعدك في كسب الجدال بطريقة ما.

هناك طريقة أفضل لتكسب بها النقاش، تصور أنك من مؤيدي زيادة الحد الأدنى للرواتب في ولايتنا بينما  أخالفك الرأي في ذلك. إذا صرخت بنعم وصرخت أنا بكلا، ستراني كشخص أناني وسأراك كشخص غير مبالي، ولن يتعلم أي منا شيئا، ولن نفهم أو نحترم بعضنا البعض، ولن يكون هناك مجال للتنازل أو التعاون. خلافا لذلك إذا افترضنا أن لديك حجة منطقية، فمثلا لا يمكن لمن يعملون بدوام كامل أن يعيشوا حياة الفقر، وعارضتك بذكر سبب منطقي آخر وهو أن هذا الإجراء سيجبر أرباب العمل على توظيف أعداد أقل من الموظفين بساعات دوام أقل. بهذه الطريقة سيفهم كل منا وجهة نظر الآخر، وسندرك القيم المشتركة بيننا حيث أن كلانا يهتم بالعمال المحتاجين.

ماذا لو أقنعتني في نهاية الأمر بزيادة الحد الأدنى للرواتب لوجود طرق أخرى للقيام بذلك دون خلق بطالة أو بطالة مقنعة في المجتمع؟ من الكسبان حينها؟ بالنسبة لك انتهى الموضوع ، ولم تكسب شيئًا من هزيمتي سوى بهجة عابرة، وفي المقابل أضفت أنا لنفسي الكثير، فقد اكتسبت قناعة صحيحة وبرهانا قوياً وفهماً أعمق للقضايا لك ولنفسي. فإذا كان كل ما أردت هو الحصول على حقيقة ومنطق وفهم لمجريات الأمور فقد حصلت على مبتغاي وكسبت بهذه الطريقة. فبدلاً من الإمتعاض بسبب الهزيمة، يتوجب علي شكرك لمساعدتي في تحقيق ذلك، فردة الفعل الإيجابية هذه هي ما يضعف تلك النظرة الشائعة للنقاش بإعتباره حرباً أو منافسة وفي الوقت نفسه تحسن من علاقاتنا الشخصية.

ليست كل النقاشات ناجحة تماما بالتأكيد، فلا يمكننا الاستفادة من المحاورين دون الاستماع إليهم بصبر أو ثقة في قدراتهم على التعبير عن قيمهم الحقيقية، فالنقاش المثمر سيصبح مستحيلاً أو أكثر صعوبة عندما لا يقدم أحد الطرفين حججاً أو أسباباً لتبرير موقفه. تنتج الرغبة في تفادي النقاشات التي ينصح بها كارينج في كتابه عن سوء فهم نقطة النقاش الأساسية وهي تقدير الطرف الآخر والعمل معه. فيمكن أن يعزى إنقسام الآراء الشديد في الولايات المتحدة ودول العالم إلى الفشل في تقديم النقاشات والتنبؤ بردودها وتثمين محتواها.

لا يمكننا إنكار حقيقة كون النقاشات سيئة غالبا، فلا تخلو من محاولات التظاهر بإعطاء أسباب دون تقديم ما يستحق الذكر فعلا. فعندما يجادلك شخص ما فإنك بالنسبة له لابد أن تكون مخطئا لأنك غبي أو متحرر أو محافظ دون تقديم أي أسباب حقيقية لتلك الاستنتاجات. ومع ذلك يجب أن ننتبه من سرعة اتهام معارضيك بمثل هذه المغالطات. فلا فائدة من تشويه موقفك ومهاجمته بشراسة أو مقاطعتك لمنعك من إكمال فكرتك. يجب أن نتعلم كيف ننقاش بلطف وبتمعن خطوة بخطوة من البداية إلى النهاية، وكيف نقيم النقاش بالشكل المناسب بحيث نقدم الجيد وتجنب السيء منه. يساعدنا هذا التقييم عادة في معرفة النقاشات السيئة، إلا أننا يجب أن نعترف بالنقاط الجيدة التي يستعرضها خصومنا في المقابل، وأن نطبق تلك المعايير على أنفسنا. (لماذا أؤمن بمبدئي؟ هل نقاشي صحيح أو قوي؟ هل نقاشي بعيد عن السؤال؟ ما هو أقوى اعتراض لوجهة نظري؟) وألا أكون دفاعيا عندما يخبرني أحد ما بسوء حجتي. فالتواضع يتطلب منك إدراكا لنقاط الضعف في حوارك وأن تتقبل رأي الآخرين في أحيان أخرى. قد تبقى متمسكا بقناعاتك ولكنك ستتعلم الكثير في المقابل عن قضايا مختلفة وعن خصومك وعن نفسك.

لن يكون أي من هذا سهلاً، ولكن يمكنك أن تبدأ بنفسك حتى وإن تمرد الآخرون. في المرة القادمة التي توضح فيها موقفك كون نقاشا عما تدعيه واسأل نفسك بكل صدق عن جودة ما تقدمه. في المرة القادمة التي تتكلم فيها مع شخص لديه موقف معين اسأله عن الأسباب خلف وجهة نظره. اذكر وجهة نظره كاملة بلطف وقيم قوتها دون انحياز. اعترض على وجهات النظر الأخرى واستمع لمبرراتها. ستتطلب هذه الطريقة مجهودا ولكنك ستتقنها بالممارسة.

ستساعدك هذه الطرق في كسب كل نقاش ليس لهزيمة خصومك  بل لتتعلم بطريقة أفضل عن القضايا التي تنقسم عندها آراء الناس وسبب معارضتهم لك وكيف تتحدث وتعمل معهم. إذا تمكنا من تغيير فكرة اختلاف وجهات النظر من كونها حربا لفظية أو مباراة تنس إلى تبادل منطقي للأفكار نتمكن من خلاله اكتساب احترام وتفاهم متبادل بيننا، عندها سنكون غيرنا تماما المعنى الحقيقي لكسب النقاش.

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *