كيف يشتت الانترنت تركيزك، و ثلاث طرق لإستعادة تركيزك

ترجمة بتصرف لمقال:( How the Internet Is Tearing Your Focus Apart And 3 Ways To Claim Your Focus Back
by the startup)

ترجمة: حنان يوسف 

تدقيق: رزان العيسى 

مراجعة: أسامة خان.

هل تشعر بالملل بعد قراءة فقرتين فقط من نص ما؟

هل تدخل إلى غرفتك و تنسى الشيء الذي أتيت لأجله؟

هل لديك الرغبة المستمرة في الهرب من أي مهمة تتطلب جهد عقلي وتدخل حسابك في الفيس بوك أو الانستقرام؟

إذا كان جوابك لأي من الأسئلة السابقة هو نعم، فأنت غالبًا تعاني من تركيز مُشتت.

ماهي اللدونة العصبية، و كيف تُحدد سلوكنا؟

تخيل دماغك و كأنه شبكة كهرباء فيها شوارع و مسارات و طرق سريعة أيضًا. في كل مرة تفكر أو تشعر أو تتصرف بطريقة ما، فإن مجموعة من هذه المسارات تُضيء.

بعض هذه المسارات تكون مُستهلَكة، وتمثل عاداتنا السلوكية، مثل التدخين و التمارين الرياضية، أو عاداتنا العقلية كأن تكون قلقًا دائمًا بشأن المستقبل أو متفائل وتنظر للحياة من خلال عدسة وردية (نعم هذه أيضًا عادات و من الممكن تغييرها).

المسارات الضعيفة و المسارات القوية 

في كل مرة تفكر بفكرة ما، أو تشعر بشعور معين، أو تعمل على مهمة محددة، فأنت تقوي مسارها في عقلك. وعند تكرارها كفاية، فإن هذه المسارات تصبح قوية لدرجة أن الأفكار أو المشاعر أو الأفعال المرتبطة بها تصبح تلقائية.

لنفترض أنك اكتفيت من المعاناة الدائمة من الخوف من المستقبل المجهول وما يصاحبه من قلق و توتر، و تريد تغيير ذلك. بما أن علاج القلق هو التركيز في الحاضر، فأنت تسعى جاهدًا للتحكم بعقلك وإبقائه في الحاضر. عند استمرارك في المحاولة، فأنت بذلك تبني مسارات عصبية جديدة حول ذلك المسار القديم الكريه المؤدي للقلق المستمر.

بدايةً، فإن خلق هذا المسار الجديد يتطلب مجهودًا وتركيزًا عاليين. و كما أن القيادة في طريق غير معبد شاقة و مجهدة أكثر من القيادة في الطرقات السريعة، فإن ممارسة هذه العادة الجديدة هي أصعب من الاستسلام للعادة القديمة.

و لكن…

في كل مرة تمارس فيها هذه الطريقة الجديدة في التفكير، تجعل مسارها في عقلك أقوى و أكثر سلاسة. و في الوقت نفسه، فإن المسار الآخر للعادة غير المرغوب فيها يبدأ تدريجيًا بالاضمحلال. 

هذه العملية لإعادة تشكيل الدماغ تسمى ب اللدونة (أو الليونة) العصبية. و بعبارة أخرى، فإن أدمغتنا (بلاستيكية) ونحن نستطيع تعديل هيكلها.

من المهم جدًا ملاحظة الوصف المستخدم هنا، ( بلاستيكية) وليس (مطاطية). هذا يعني أن تشكيل مسارات جديدة يعتبر عملية شاقة و متعبة. ولكن بمجرد تكوُّن هذه المسارات و تعمَّقها، فإنك سوف تصبح حبيس لتصرفات أو أنماط تفكير معينة.

بمجرد أن تُخلق دائرة عصبية جديدة (مسار عصبي) في أدمغتنا، فإننا نسعى للحفاظ عليها نشطة – نيكولاس ج.كار

بعد التعرف على مفهوم اللدونة العصبية و مدى تأثيرها و قوتها، دعونا نرى كيف يمكن للاستخدام المفرط للإنترنت أن يؤدي إلى تركيز مُشتَت في أدمغتنا.

كيف يدمر الإنترنت تركيزك؟

يستحوذ الانترنت على تركيزنا، ثم يمزقه إلى أجزاء.

قبل انتشار وسائل الإعلام و الإنترنت، و حاليًا شبكات التواصل الاجتماعي، كانت الطريقة الأساسية لتلقي و امتصاص المعلومات هي القراءة. على سبيل المثال، فإن قراءة الكتب تحتاج إلى ممارسة فكرية، حيث تتطلب انتباه مستمر وغير منقطع لموضوع واحد و ثابت. و كما قال تي اس.ايليوت ( T. S. Eliot) في كتابه Four Quartets، فإن القراءة تتطلب منك أن تضع نفسك في ما وصفه بـ 

” نقطة السكون في العالم المتحرك”.

الآن، انظر إلى ممارسة قراءة الكتب من منظور اللدونة العصبية. فحين نحاول الحفاظ على تركيزنا أثناء القراءة، فإننا نحافظ على الدوائر العصبية ( المسارات) الخاصة بالتركيز في حالة نشطة، و بالتالي نجعلها أقوى. 

لسوء الحظ، فإن عادة القراءة تلقت العديد من الضربات العنيفة مع التحول التكنولوجي للمعلومات، ابتداءًا بظهور الراديو و التلفزيون، وحاليًا الانترنت و مواقع التواصل الاجتماعي.

فكر الآن في المحتوى الذي تشاهده و تستهلكه غالبًا على شبكات التواصل الاجتماعي، مثل الفيس بوك، الانستقرام، سناب تشات، بينتريست، الخ. 

كم تقضي من الوقت لمشاهدة محتوى كل تطبيق قبل الانتقال إلى التطبيق الآخر؟

كم تتطلب جهد و تركيز؟ 

كم مرة تنهمك و تنشغل مع هذه الشبكات خلال اليوم؟

فترة قصيرة من الانتباه تُقضى على العديد من مُشتتات التركيز 

بالنسبة لي، إدراك هذا المفهوم كان مخيفًا جدا.

نقفز باستمرار من محتوى صغير إلى آخر؛ دقيقة واحدة لفيديو على انستقرام، يتبعه مشاهدة لمنشور آخر لأقل من عشر ثوان. ومن ثم نقفز للفيس بوك للمرور سريعًا على آخر الأخبار و المنشورات و نستهلك محتوىً صغيرًا كحبات البازلاء.

خذ خطوة للوراء، وخذ صورة واضحة لاستخدامك للانترنت.

هل ترى مالذي يحدث؟

دقيقة واحدة هنا، و دقيقتان هناك. القفز والانتقال من مهمة لأخرى و من محتوى لآخر، و كل قفزة لا تأخذ أكثر من دقائق إن لم تكن ثواني. هذا التعدد في المهام هو نتاج استخدامنا للإنترنت و الذي أصبح عادة تستنزف تركيزنا و تدمره.

بطريقة الاستخدام هذه ينهار مدى تركيزنا. لأننا نعيد توصيل الدوائر العصبية لتركيزنا لنشكل انتباه و تركيز ضعيفي القوة و المدى.



هنا شاهدت أشخاصًا و أصدقاءً يبتسمون عندما استرجعوا أمثلة للتركيز المتقطع: 

فمثلًا تبدأ بقراءة كتاب أو مقال طويل، و بعد قراءة فقرة أو مايقاربها، يساورك شعور بعدم الراحة أو الملل، و تتوق لتقفز إلى صفحة أخرى أو تنتقل إلى المحتوى الآخر في قائمة منشوراتك أو بكل بساطة تقفز إلى هاتفك لتشاهد محتوى حسابك في انستقرام.

كلما قمت بمهام متعددة، كلما أصبحت أقل تأنٍ و أقل قدرة على التفكير و تحليل سبب المشكلة. مع الوقت تصبح أكثر اعتمادًا على الأفكار و الحلول التقليدية بدلًا من أن تتحداها بأفكار إبداعية – دون توبسكوت

على أية حال، بفضل اللدونة العصبية، فإن إعادة بناء تركيزك أمرٌ ممكنٌ.

حتى الآن، فإن أفضل طريقة لتغيير العادات العقلية هو بتبني نمط عقلي أو طريقة تفكير بسيطة.بمعرفة أنه في كل مرة تقاوم فيها وتستمر بالتقدم، فإن الأمر سيكون أسهل في المرة القادمة.

كيف تعيد بناء تركيزك؟

١. عزز تركيزك بالطريقة الطبيعية.

ربما قد اشتركت في أحد النوادي الرياضية أو على الأقل شاهدت بعض الأشخاص وهم يرفعون الأثقال. حين تُكرر رفع وزن معين، ويكون هذا الوزن ثقيل، فإنك تشعر بقليل من الألم في عضلاتك. هذا الألم أو الشعور بالحرقة هو بسبب تهتُك الخلايا. بعد ذلك عندما تستريح، فإن جسمك يبدأ بملاحظة الخلايا المتدمره وبالتالي ينتبه إلى الحاجة الملحة إلى خلايا جديدة. 

وبالتالي فالذي يحدث لجسدك بعد هذا، إضافة إلى إعادة بناء الخلايا المتدمره، هو بناء طبقة أخرى جديدة من الخلايا أيضًا، مما يمنحك عضلات قوية أكثر. هذا هو سبب زيادة حجم الجسم بعد فترة من التمارين الرياضية.

هذه العملية مماثلة لعملية إعادة بناء تركيزك. النقطة العملية هنا هي التالي:

  • الخطة الأولية: في المرة القادمة عندما تبدأ بقراءة كتاب أو نص، ويزحف إليك شبح الملل، لا تستسلم له. بدلًا من ذلك، حاول على الأقل أن تستمر في القراءة ولو لبضع دقائق أخرى. هاتان الدقيقتان الإضافيتان هما بالضبط التمرين الذي يزيد تركيزك و يجعله أقوى.

بعد عدة تجارب، ما ستلاحظه خلال محاولات القراءة التالية هو أنك لن تشعر بالملل بسرعة كما في السابق. وهذا يعني أن مدى انتباهك و تركيزك قد ازداد قليلًا و أصبح باستطاعتك إبعاد شبح الملل لمدة أطول. 

هذه هي الطريقة الطبيعية لإعادة بناء تركيزك و التي تشابه الطريقة التي يتبعها السباح لبناء جسمه دون الحاجة إلى ارتياد النادي الرياضي. مع ذلك، هناك طريقة مباشرة لتقوية التركيز والتي تشابه الذهاب للنادي الرياضي و رفع الأثقال.

٢. تمارين الفص الجبهي (prefrontal) لتحسين التركيز.

تمارين الفص الجبهي هي الاسم الفاخر لـ(التأمل).

قشرة الفص الجبهي (prefrontal cortex) هي إحدى مناطق الدماغ التي يؤثر بها التأمل تأثيرًا جذريًا، والتي تعتبر مقر جميع الأعمال الإبداعية للإنسان؛ بمعنى آخر: الخيال و الإبداع، قوة الإرادة، اتخاذ القرارات، حل المشاكل، وأيضًا التركيز. 

يظهر المسح الدماغي لأشخاص مارسوا التأمل لمدة ١١ أسبوع نموًا واضحًا في المادة الرمادية

 (grey matter) لقشرة الفص الجبهي، والذي يُفسر على أنه زيادة في سعة التركيز. 

  • الخطة الأولية: خصص وقت و مكان محددين للتأمل. اجلس بشكل مريح بحيث يكون ظهرك مستقيمًا و قدميك على الأرض، أغمض عينيك و ابدأ بالتنفس. هناك نقطتان أساسيتان: الأولى، يجب أن تركز على تنفسك. يمكنك أن تركز على الإحساس بالشهيق أوالزفير من فتحتي الأنف، أو يمكنك أن تركز على حركة الصدر أو البطن أثناء التنفس. الثانية، بمجرد أن يتيه تفكيرك و تفقد تركيزك و تنتبه لذلك، أعد انتباهك مرة أخرى على تنفسك. 

التأمل بذاته يعتبر بسيطًا (ليس سهلًا)، و لكنه سيفيدك جدًا عندما تحوله إلى عادة، و هذا هو الجزء الصعب. مع ذلك، فأنت تستطيع استغلال آلية تكرار العادة (الموجودة في هذا المقال) حتى تُكون بيسر هذه العادة.

٣. كن حريصا على حماية تركيزك في المقام الأول.

الآن وقد عرفت كيف لسلوكك اليومي “شبه الحميد” أن يتحول إلى عادة عقلية، يمكنك ممارسة الأشياء بوعي أكبر. اسأل نفسك دائمًا: 

كيف لهذا النهج أو التصرف أو السلوك الذي أمارسه أن يغيرني مع الوقت.

هل تستخدم نظام تحديد الأماكن GPS مثلي؟ هل تصادر ذاكرتك وتستخدم عوضًا عنها الأجهزة الرقمية؟

ظاهريًا، فإن هذه الأفعال تبدو غير مضرة. ولكن، كيف يمكن لجميع هذه التصرفات مجتمعةً أن تعيد تشكيلنا على المدى البعيد؟ 

وأخيرًا، أود أن أُنهي هذا المقال باقتباس للشاعر الروماني هوراس 

تحكم بعقلك، وإلا فإنه سيتحكم بك.

 

الملخص:

  • نحن نتاج ما نفعل باستمرار. أفكارنا و أفعالنا المتكررة تصبح مطبوعة في عقولنا على شكل دوائر عصبية. بعد أن تتكون، نتوق لإبقائها نشطة و فعالة، و تعمل من تلقاء نفسها دون الحاجة إلى طلب الإذن منا.
  • اللدونة العصبية تمكننا من تكوين مسارات عصبية جديدة في عقولنا و تجاوز العادات القديمة.
  • التعرض المستمر لمواقع التواصل الاجتماعي و استهلاك المحتوى الموجود بشكل متكرر يدمر تركيزنا و مدى انتباهنا.
  • بهذا التركيز المشتت، نحن نفقد قدرة التركيز على أي موضوع لفترة طويلة و دون أن يغزونا الملل سريعًا.
  • الاستمرار لبضع دقائق أخرى عند شعورنا بالملل، هو بمثابة رفع الأوزان بالنسبة لتركيزك، مما يجعله أقوى مع مرور الوقت.
  • التأمل يعتبر تدريب رائع و مباشر لتحسين تركيزك و انتباهك.
  • حين تتفاعل أو تندمج مع أي من وسائل التكنولوجيا أو الإعلام..الخ، توقف للحظة و اسأل نفسك: كيف يمكن لهذا التفاعل أن يغيرني مع الوقت؟

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *