كيف تكون مفاوض من الطراز العالمي

ترجمة بتصرف لمقال: How to be a World-Class Negotiator. By Jonathan Chew

تدقيق: عبدالعزيز البادي 

مراجعة: محمد المهندس

دروس في الحياة لمساعدة أصحاب المشاريع ورجال الأعمال و المبدعين

حضرت قبل عدة ليالٍ حديثاً قدمه كريستوفر فوس، المفاوض الدولي السابق في مكتب التحقيقات الفدرالي بقسم الرهائن لمدة 24 عاماً، حيث وصف العديد من قصص الاختطاف وكيف كانت مهمته كلها في الحياة هي مساعدة الناس و إنقاذ الأرواح.

إنه غني عن القول، فلقد كان البطل الحقيقي، فهذا الرجل هو مثال تقوم عليه جميع الشخصيات في الأفلام. وقد تحدث عن بعض المبادئ التي تجعل منك مفاوضاً جيداً في أي مجال، سواءً في العمل أو في حياتك الشخصية.

ليستكمل ذلك ألف كتاباً سمّاه “لا تقسّم الاختلاف ابدا” والذي يمكن تلخيصه في ما يلي:

الحياة عبارة عن سلسلة من المفاوضات التي يجب أن تكون مستعداً لها كـ: شراء سيارة، و التفاوض على الراتب، و شراء منزل، و إعادة التفاوض على الإيجار، و التناقش مع شريكك. و بهذا ينتقل الذكاء العاطفي و الحدس إلى المستوى التالي، ” لا تقسّم الاختلاف ابدا ” يعطيك ميزة تنافسية في أي نقاش.

ففي الواقع كان يقول أن مديرة تطوير المنتجات في سلاك، ميرسي جريس، أعطته لجميع الصديقات، والأزواج، والأصدقاء لأنه ساعدها، ليس في حياتها المهنية فحسب بل في علاقتها مع خطيبها وعائلتها.

فقد كان لديه منذ البداية، مظهر يبيّن جاذبيته وكيفية حفاظه على هدوئه في الأزمات.

الذكاء العاطفي

قال أن التفاوض في الأساس هو مجرد فهم الناس ، وبعد أن تفعل ذلك لفترة، يبدأ الأشخاص بالتصرف بطرق متوقعة جداً. وقال أنه ارتكب الكثير من الأخطاء خلال مهنته حيث أنه أساء الحكم على الأشخاص، أما الآن فأصبح الامر تقريبا كأنه عادة بالنسبة له. وقال أنه يخاف عند رؤية الدم عند ذهابه للطبيب أكثر من خوفه عند التحدث إلى إرهابي معه أربع قنابل لقتل الرهائن المختطفين. هو في الحقيقة يفضل ذلك، ببساطة لأنه يعرفه، ويعرف بالضبط ما يجب القيام به، وكيف يفحم الآخر في الكلام .

الجميع لديهم أشياء مختلفة تشعرهم بالتوتر

فهم كيف يعمل الأشخاص هي مجرد البداية. و استطرد قائلاً أن معدل الذكاء هو قدرة عقلية ثابته. فباستطاعتك لعب الشطرنج طوال اليوم ولن يرتفع معدل ذكائك بشكل سحري. ومع ذلك من ناحية أخرى، لمعدل الذكاء العاطفي قدرة غير محدودة و يمكنك تحسينها إذا عملت على ذلك.

و أسهل طريقة لتحسين معدل الذكاء العاطفي هي البدء بالاعتراف الأشخاص، و يستغرق الامر 15 ثانية فقط.

ما الذي يجعلك مفاوضاً جيداً

1.استمع إلى ما بين السطور:

دع الشخص الآخر يتكلم أولاً.

فهنالك الكثير لتتعلمه إذا صمتّ و أنصتّ، فإنهم يُفشون الكثير إذا لم تبدأ أولاً. فأول 90 ثانية يتكلمون كلاماً من ذهب لأن ذلك يشعرهم بأنهم يملكون زمام العملية.

2.لا تتفاوض لوحدك:

إنه من المهم جلب شريك يمكنه الاستماع إليك، ففي بعض الأحيان كان يجلب ابنه (والذي على ما يبدو أنه أيضاً مفاوض ممتاز) وهو يساعد “بالاستماع الى ما بين السطور” وهو مركز في نفس الوقت على تهدئة الشخص و التحقق والاعتراف بمطالب الإرهابي.

تبادل أفكارك دائماً مع الأشخاص.

3.اكتشف ما ديانة الطرف الآخر:

حاول أن تعرف ما هي معتقداتهم لأن هذا ما يعطي معنى لما يقولون. و يطلق دانيال بينك على هذا بالهدف, شيء أكبر مما هو عليه في اعتقادهم. وليس بالضرورة حتى أن تكون “ديانتهم” في حد ذاتها ولكن أياً ما يعطيهم (كما صاغ ميهالي ت.) “تدفّقهم” لأن هذا ما يحفزهم.

فكر بأسوأ الأمور التي يمكن حدوثها قبل أن تحدث.

…قصة عن قنبلة…

حدثت حالة خطرة حيث قاد رجل جرارة في وسط العاصمة واشنطن و ادعى أن بحوزته 4 قنابل، فكانوا بحاجة إلى إخراجه لأنه كان سيقتل نفسه حيث أنه تعرض لنوبات غضب و قد أعطيت الأوامر بقتله مباشرة إذا ابتعد كثيراً. وقال فوس إنك تريد دائماً جلب المزيد من الأشخاص معك للمساعدة في “الأستماع إلى ما بين السطور”، وقد لاحظوا أن هذا الرجل قد ذكر أنه كان في الطائرة العسكرية الــ “82”.

و كانت إحدى سياسات الطائرة العسكرية الــ “82” أنك إذا هبطت بالمظلة خلف خطوط العدو، يمكنك الانسحاب بعد 72 ساعة دون فقدان الشرف. لاحظوا الآن أيضاً أنه ظل يأخذ دلائل من الكتاب المقدس والذي أعطى تلميحاً بأن لديه خلفية مسيحية. لذلك، كانوا يبحثون عن شيء لقوله في محاولة لجعله يغير اطاره الزمني لأنه إذا بقي هناك لفترة أطول، فربما كان سيتسبب بقتل نفسه. ومن أجل إخراجه بسرعة، قال أحد أعضاء فريق التفاوض ان يخبروه أنهم سيعطونه ما يريد في “فجر اليوم الثالث” الذي إذا نظرت إلى الفرق بين الجمعة العظيمة وأحد الفصح هو في الواقع يومان فقط في التقويم.

وهكذا، انتهى الأمر بالموافقة و أخرجوه سريعاً دون حوادث و قنابل كما كان متوقعاً، لأنهم تحدثوا إلى ديانته و نموذجه العالمي.

 4.الحفاظ على توازن العاطفة التكتيكي:

نحن منقادون في الغالب بالأشياء التي نحاول تجنبها. في كتابه “التفكير السريع و البطيء”، يتحدث الطبيب النفسي دانيال كانيمان عن كيفية تفكيرنا و كيفية وجود تحيزات إدراكية عميقة تؤثر على عملية صنع القرار في أية لحظة. الأشياء التي تدفعنا لفعل ما نفعله يمكن تلخيصها  كما قال سيغموند فرويد أننا مدفوعين بشيئين فقط; تجنب الألم و الجري وراء المتعة.

السلبية تقودنا أكثر بكثير من الإيجابية.

الجميع لديه شيء قد ضحّى حياته بأكملها لتحقيقه. عليك فقط الاستماع لمدة كافية لمعرفة ماهي قصتهم.

 5.دائماً هنالك وقت… إنها سلعة:

لا يوجد هنالك مال دائماً على الطاولة، ولكن دائماً يوجد وقت. وفي عالم المفاوضات، إذا كان الشخص يقدم مطالب غير معقولة من حيث السعر أو المنتج، فلديك دائماً خيار الوقت. وهذا ما يتم اللعب عليه في الغالب لأن الخاطف إما أن يحد من وقتك لكي تكون له الغلبة و الافضلية، أو على المفاوض المماطلة في الوقت قليلاً ليتمكن من جلب الوسائل المناسبة لجعل شيء ما يحدث.

كلما كان تركيزك على الراتب أكثر كلما كان نجاحك أقل.

الراتب هو فقط دفع الفواتير، فهو لا يبني مسيرتك المهنية. ومن المثير للاهتمام أنه تطرق إلى كيف لو كان الأشخاص يركزون على المال بدلاً من التركيز على أين يصرف وقتهم و ماذا يفعلون فيه، وفي نهاية المطاف سيكونون أقل نجاحاً في كلٍ من حياتهم الشخصية والمهنية، ناهيك عن المفاوضات الخطرة.

6.نحن أكثر قلقاً أن يتم الاستماع إلينا على أن نَستمع:

في كثير من الأحيان، يتحدث الأشخاص كثيراً لأنهم يقلقون إزاء ما اذا كان الشخص الآخر يستمع الى ما يقولون، لذلك تجدهم يستمرون بالكلام أكثر فأكثر، لأنهم قلقون أن الشخص الآخر لن “يستمع” الى أفكارهم واحتياجاتهم المحددة، فالأشخاص لديهم ميل للحديث بكثرة و التوقف عن “الاصغاء” أو الإنصات إلى ما قد يقوله الشخص الأخر.

هذا هو التوازن الذي عليك تذكره عند التفاوض وهو تذكر أن تصغي الى الطرف الآخر و أن لا تقلق كثيرا حيال استماعه اليك .

7.التعاطف ليس كالشفقة:

يعتقد كريس فوس أن التعاطف قوي بشكل جنوني وأنه شيء يجب علينا جميعاً أن نركز على إعطائه للآخرين. ومن المهم ملاحظة أن الشفقة هي الشعور بالحزن أو الرأفة مع ما يمر به الشخص الآخر، لكن التعاطف هو “كيف يشعر الشخص الآخر” من وجهة نظره والاعتراف بذلك.

وقد جعلها أيضاً نقطة منفصلة ليقول أن “التعاطف ليس إطراءاً.”

هنالك مقال رائع كتبه آدم غرانت يسمى “الجانب المظلم من الذكاء العاطفي”، والذي يشير إلى الجيد والسيء في القدرة على قراءة الناس من خلال معدل ذكائهم العاطفي، فالتعاطف قوة هائلة.

استخدم قوتك في الخير لا الشر. فأفضل الناس الذين يستخدمون التعاطف في الواقع هم معتلون اجتماعياً ليس لأنهم لطفاء ولكن لأنهم يعرفون أنه يجدي نفعاً. فإذا كنت تستطيع فهم التعاطف، ربما يكون لديك مستقبل في مجال التفاوض.

8.لا تكذب – إنها فكرة سيئة:

لقد جعلها كريستوفر فوس سياسة شخصية، لا تكذب أبداً خلال عملية التفاوض لأنك تريد أن تبني الثقة. فهذه العلاقة التي تقوم ببنائها من المهم جداً أن يتم اختبارها غالباً مع قليل من الأسئلة من قبل الإرهابيين ليروا ما إذا كنت ستبقى وفياً لكلامك. و إذا تلقّوا تلميحاً بخيانتك أو خداعك، عندها ستأخذ الأمور منعرجات خطيرة.

هنا حالة وهمية – ماذا ستفعل؟

كيف ستتعامل مع هذه الحالة؟

أنت قائد مفاوضات الاختطاف العالمي لمكتب التحقيقات الفيدرالي وأنت في العاصمة واشنطن، وقد تلقيت مكالمة باختطاف طفل عمره 12 عاماً في هايتي. ومهمتك هي التعامل مع هذا الأمر بشكل سريع.

عليك التواصل لمكافحة هذا من خلال إجراء مكالمة على الفور قبل أن تستقل الطائرة، و تجعل الأمر تحت السيطرة قبل أن يسوء. ولقد حصلت على رقم هاتف الأب، وقد تم اخطارك من وزارة الخارجية و أعطوك اسم الأب. وقد تم اخبار الأب بأن مكتب التحقيقات الفدرالي سيساعده. تتصل بالهاتف لتساعد وأول ما يقوله لك هو:

أنت في العاصمة واشنطن؟ كيف ستساعدني؟

التحدي هنا هو معرفة ما ستقوله لأنه تحداك على الهاتف. تواصل الوسيط مع الجمهور وجمع خمسة ردود تراوحت جميعها ما بين توطيد المصداقية الى رمي الاعتراض على الأب وسؤاله عن سبب عدم الوثوق بك.

استمع السيد فوس باهتمام وبشكل قاطع أيد واعترف بأفكار الجميع و أعطى رده قائلاً:

كنت أعلم أن لدي على الارجح أقل من ثلاث ثوان قبل أن يغلق الهاتف. لذا قلت: “انظر، هذا هو الاتفاق، الخاطفون الهايتيون ليسو قتلة … وهم يحبون الإحتفال مساء السبت. لذا إذا اتبعت توجيهاتي، سيكون ابنك طليقاً بحلول نهاية يوم الجمعة  أو على بداية صباح يوم السبت. صمت الأب قليلاً و قال: ” أخبرني ماذا تريد مني أن أفعل؟!” و كان ابنه طليقاً صباح يوم السبت.

خلال فترة الإختطاف كاملةً، لم يسألني كم من الوقت كنت عميلاً لمكتب التحقيات الفدرالي، أو كم من الوقت كنت مفاوض رهائن، أو كم عدد الخاطفين الذين أنهيت امرهم أو كم مرة كنت في هايتي، أو كم عدد اللغات التي أتحدثها.

سيتصرف الأشخاص الذين تتعامل معهم بنفس الطريقة تقريباً. ترتبط سيرتك الذاتية بشكل عام مع ما إذا كنت تعرف ما يجب القيام به أم لا. و بمجرد ما أن تُظهر لشخص ما أن لديك رؤية جيدة للأمور، فلن يسألوك ما إذا كنت الرجل المناسب للمهمة. ليس عليك القيام بأي من التفسيرات أو المنطق، حالما تظهر لشخص ما أنك تفهم التحديات، في أذهانهم، رغبتهم بالتعاون معك تنتهي بردود كـ ” أخبرني بالمزيد…” أو “أخبرني ماذا تود مني أن افعل…” أو ” أنت تفهم…” و عادةً سيفكرون على أساس:

إذا فهمت ما أواجه، فإن فرص فهمك لما أريد أن  أفعله مرتفعةً جداً.

كل شخص لديه زر تحفيزي متشابه في مكان ما بغض النظر عن المثابرة أو ما يفعله، وكل شخص لديه ديناميكية، فكل المفاوضات التي أنت فيها الآن وجميع التحديات التي تواجهها، كل ماعليك القيام به هو القول بثقه: “هذا هو ما أنا بصدده.” و ستنشأ الثقة على الأرجح. فالأشخاص يريدون أن يُقادوا.

هناك نوعين من القضايا في كل اتفاق. احدى تلك القضايا هي الوقت وضغوطاته.  المسألة الأخرى هي التحكم. فأنت تريد دائماً أن توهمهم أنهم المسيطرون و أنهم سيحصلون على كل ما يمكنهم الحصول عليه.

السعر لن يجعل الاتفاق ناجحاً، بل هي الشروط التي تجعله ايجابياً أو سلبياً.

نداء للعمل:

علينا جميعاً أن نتفاوض كل يوم تقريباً في حياتنا، سواءاً لزيادة الراتب أو حتى للحصول على أفضل صفقة لشراء سيارة جديدة. ومهارات التفاوض يمكن أن تفنى لذا تحتاج لممارستها مع ممارسة الحصول على آراء الأخرين.

النصائح و الأساليب التي تعلمتها من كريس فوس في تلك الليلة تنطبق على عقليتي، صحتي البدنية والعقلية، و إنتاجيتي وحتى علاقاتي. فمدى أهمية الدور الذي يمكن أن تلعبه مهاراتنا في فن التفاوض هو أمر لا يصدق، فلقد كانت حقاً أمسية مفيدة.

ما هي الطرق التي يمكن أن تبدأها لتكون أكثر إدراكاً و تمارس المزيد من التعاطف؟

استخدم الطرق التي أعطيتك لتزيد من معدل ذكائك العاطفي وشارك المزيد من العلاقات والروابط العميقة مع من حولك!

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *