كيف يمكن للتكنولوجيا أن تختطف عقلك؟

ترجمة بتصرف لمقال: How Technology is Hijacking Your Mind — from a Magician and Google Design Ethicist. By Tristan Harris

تدقيق: بشرى السيف 

مراجعة: محبرة

“خداع الناس أسهل من إقناعهم بأنهم خُدعوا” – شخص مجهول

أنا خبيرٌ في كيفية استغلال التكنولوجيا لنقاط ضعفنا النفسية؛ لهذا السبب فقد قضيت الثلاث سنواتٍ الماضية كخبير تصميمٍ أخلاقيٍ تابع لݠوݠل في تصميم أشياءٍ بطريقةٍ تدافع عن عقول بلايين الناس من استغلالها.

عند استخدامنا للتكنولوجيا بنظرةٍ إيجابيةٍ وبحسن ظن؛ فإننا نركز على كل ما تفعله لأجلنا، ولكن أريد أن أريكم كيف يمكن أن يحدث العكس.

أين يمكن للتكنولوجيا استغلال نقاط الضعف في دماغنا؟

تعلمت أن أفكر بهذه الطريقة عندما كنت أمارس السحر وخفة اليد، نبدأ بالبحث عن النقاط العمياء، والحواف، ونقاط الضعف، وحدود تصور الناس، وبذلك نؤثر على أفعالهم وتصرفاتهم بدون حتى إدراكهم بذلك.

في حال استطعت الضغط على تلك الأزرار (نقاط الضعف البشرية)، فبإمكانك التحكم واللعب بهم كالبيانو!

هذا ما يفعله بالضبط مصمّمو المنتجات بعقلك، فهم يتلاعبون بنقاط ضعفك النفسية ضدك (بوعي وبغير وعي) في سباق لانتزاع انتباهك.

أريد أن أريك كيف يقومون بفعل ذلك.

الاختطاف #1: إذا كنت تتحكم في القائمة، فيمكنك التحكم في الخيارات

الثقافة الغربية مبنية حول المثل العليا للاختيار الفردي والحرية، فالملايين منا يدافعون بشدة عن حقنا في اتخاذ خيارات حرة، في حين أننا نتجاهل كيف يتم التلاعب في أساس هذه الخيارات بواسطة قوائم تحوي خيارات لم نخترها من الأساس.

هذا تمامًا ما يفعله السحرة، يوهمون الناس بحرية الاختيار، في حين يبنون قائمةً بحيث يفوزون في النهاية بغض النظر عما تختاره، لا أستطيع أن أؤكد بما فيه الكفاية عن مدى عمق هذه النظرية.

عندما يُعطى الناس قائمةً من الخيارات، نادرًا ما يسألون:

  • “ما الذي لا يوجد في القائمة؟”.
  • “لماذا أُعطى أنا هذه الخيارات وليس غيري؟”.
  • “هل أعرف أهداف موفر هذه القائمة؟”.
  • “هل تمكنني هذه القائمة من أخذ حاجتي الأساسية، أم هي خيارات في الواقع للإلهاء لا أكثر؟”. (على سبيل المثال: مجموعة ضخمة من معاجين الأسنان).

هل تمكين هذه القائمة من الخيارات ستؤدي الغرض لشراء ما أحتاج؟

مثلًا: تخيل أنك خرجتَ مع الأصدقاء في ليلة الثلاثاء وترغب في إبقاء الحديث متواصلًا بينكم، يمكن إحداث جلبة للعثور على نصائح لأفضل الحانات. فجأة، يتحول الأصدقاء إلى مجموعة من الوجوه التي تحدق في هواتفها لمقارنة الحانات، وذلك بفحص الصور ومقارنة مشروبات الكوكتيل! والآن، هل هذه القائمة لها علاقة بالرغبة والهدف الأساسي للمجموعة؟

الموضوع ليس أن الحانات لم تكن بالخيار الجيد، بل إن الجلبة استبدلت السؤال الأصلي للمجموعة: “أين يمكننا أن نذهب لنجلس ونتحدث؟” مع سؤال مختلف: “ما هي الحانة التي لديها صور جيدة من مشروبات الكوكتيل؟” فتشكيل القائمة هو ما حول السؤال الأساسي.

علاوة على ذلك، سيقع الفريق في وهم القائمة التي ظهرت من الجلبة فتجعلهم يتصورون أنها مجموعة كاملة من الخيارات التي تكوّن إجابة على سؤال (أين نذهب؟) فيجعلهم ذلك يركزون على شاشات هواتفهم، فلا يتمكنون من مشاهدة الحديقة عبر الشارع مع فرقة تعزف الموسيقى الحية، وأيضًا يفوتهم المعرض الذي يظهر على الجانب الآخر من الشارع و الذي يقدم الكريب والقهوة! فأي من هذه الأماكن التي فاتتهم -والتي قد تمثل إجابة على سؤالهم الأساسي: أين نذهب لنتحدث؟ يظهر على القائمة الجلبة (التي تظهر أفضل الحانات).

المزيد من الخيارات التكنولوجية تزودنا تقريبًا في كل مجال يتعلق بحياتنا (المعلومات، الأحداث، أماكن للزيارة، الأصدقاء، المواعدات، والوظائف)  فكلما افترضنا أن هواتفنا دائمًا لديها القائمة الأكثر تمكنًا وقوةً وإفادةً أيضًا لاختيارها من بين كل القوائم الأخرى؛ فهل هذا فعلًا ما يحصل؟

(القائمة المتمكنة) تختلف عن القائمة التي (لديها معظم الخيارات)، ولكن عندما نستسلم على نحوٍ أعمى  للقوائم التي نُعطاها، فإنه من السهل أن نفقد مسارنا في تتبع الاختلافات.

  • “من المتفرغ للخروج هذه الليلة؟” سؤال يحول فتصبح قائمة بالناس الذين راسلوك مؤخرًا.
  • “ماذا يحدث في العالم؟” تصبح قائمة بالأخبار التي تكوّن القصص والأحداث.
  • “من منكم غير مرتبط ليخرج في موعد؟” تصبح قائمة بالوجوه التي تظهر في تطبيق (Tinder) (بدلًا من حضور حدثٍ محليٍ مع الأصدقاء، أو خوض مغامرةٍ بالقرب من المدينة).
  • “ينبغي علي الرد على هذا البريد.” تصبح قائمة بمفاتيح تساعدك على الرد (بدلًا من عرض طرق للتواصل مع الشخص نفسه).

عندما نستيقظ في الصباح نفتح هواتفنا لنرى لائحةً من الإخطارات، فهذا يكوّن لدينا تجربة  “الاستيقاظ في الصباح” لقائمة: “كل ما فاتني منذ الأمس”.

من خلال تشكيلنا للقوائم التي نختارها من التكنولوجيا نجد أن استيلاءَ التكنولوجيا على عقولنا هي الطريقة التي تجعلنا ندرك فيها خياراتنا ونقوم باستبدالها مع أخرى جديدة، فعندما نحاول الاقتراب أكثر فإننا نجد أنه كلما ولّينا اهتمامنا للخيارات التي نُعطاها؛ لاحظنا عدم تماشيها فعليًا مع احتياجاتنا الحقيقية.

الاختطاف #٢ : ضع آلة قمار في ملايين الجيوب

لو كنت مثلًا أحد التطبيقات، كيف يمكنك أن تجعل المستخدم عالقًا هناك؟ بتحويل نفسك إلى آلة قمار!

الشخص العادي يتحقق من هاتفه ١٥٠ مرة في اليوم! لماذا قد نفعل ذلك؟ هل بذلك نصنع ١٥٠ خيارًا واعيًا بالنسبة لاستخدام الهاتف الخلوي؟

أحد الأسباب الرئيسية لذلك هو العنصر النفسي الأول المتعلق بآلات القمار: المكافآت المتغيرة والمتقطعة.

إذا كنت ترغب في تحقيق أقصى قدرٍ من الإدمان، فكل ما يحتاجه مصممو التكنولوجيا هو ربط عمل المستخدم (مثل سحب مقبض الرافعة لآلة القمار) مع مكافأةٍ متغيرة. يمكنك سحب رافعةٍ والحصول على مكافأةٌ تحفيزيةٌ على الفور (مباراة أو جائزة!) أو لا شيء، ومن هنا يتزايد الإدمان عندما يكون معدل المكافأة أكثر تغيرًا.

هل هذا التأثير على الناس فعليٌ وحقيقي؟ نعم، فآلات القمار تكسب المزيد من المال في الولايات المتحدة أكثر من مباريات البيسبول، والأفلام، والمتنزهات مجتمعة. بالنسبة إلى أنواعٍ أخرى من طرق المقامرة فالناس “بطريقة معقدة” تستحسن استخدام هذه الآلة ٣-٤ مراتٍ أكثر مع آلات القمار الأخرى أو حتى أساليبها -وفقًا لأستاذة جامعة نيويورك ومؤلفة (الإدمان بواسطة التصاميم) ناتاشا داو شول-.

ولكن هنا الحقيقة المؤسفة: عدة مليارات من الناس لديهم آلة قمار في جيوبهم:

  • عندما نسحب هواتفنا من جيوبنا، فكأننا نحرك مقبض آلة القمار لمعرفة التنبيهات التي وصلتنا.
  • عندما نقوم بتحديث البريد الإلكتروني، فإننا نسحب مقبض الآلة لمعرفة ما البريد الإلكتروني الجديد الوارد.
  • عندما نسحب الشاشة لأسفل لتحديث محتويات الانستاجرام، نسحب مقبض الآلة لمعرفة ما هي الصورة المقبلة.
  • عندما نحرك صور الوجوه إلى اليسار/اليمين على تطبيقات التعارف مثل Tinder، نحن نسحب مقبض الآلة لمعرفة ما إذا كنا على توافق.
  • عندما نضغط على # حين تظهر التنبيهات الحمراء، نحن نسحب مقبض الآلة لنرى ماذا أسفل التنبيه.

تطبيقات ومواقع الإنترنت تنشر مكافآت متغيرة ومتقطعة على جميع أنحاء منتجاتها لأنها مفيدة لعملهم.

ولكن في حالات أخرى، تظهر لنا الآلة عن طريق الصدفة، فعلى سبيل المثال: لا توجد شركة خبيثة وراء كل بريد إلكتروني اختير بإدراك لجعله آلة قمار، فلا أحد يربح عندما يتحقق ملايين الناس من بريدهم الإلكتروني، كما لم يرغب مصممو أبل وجوجل في أن تعمل الهواتف مثل ماكينات القمار، فكل ذلك ظهر عن طريق الصدفة.

ولكن الآن بعض الشركات مثل أبل وجوجل لديها مسؤولية للحد من هذه الآثار عن طريق تحويل المكافآت المتغيرة والمتقطعة بطريقة تقلل من الإدمان، وتجعل المستخدم أكثر قابلية للتنبؤ بوجودها بتصميمٍ أفضل. على سبيل المثال، يمكنهم أن يمكنوا الأشخاص من تحديد أوقاتٍ يمكن التنبؤ بها خلال اليوم أو الأسبوع في حال أرادوا التحقق من التطبيقات التي تحوي “آلة قمار”، وتعديلها في المقابل عند تسلّم رسائل جديدةٍ لتنظيمها خلال تلك الأوقات من الأسبوع.

الاختطاف #٣ : الخوف من فقدان شيء مهم

طريقةٌ أخرى للتطبيقات والمواقع للاستيلاء على عقول الناس هو عن طريق جعلهم يظنون بفرصة ١٪  أن شيئًا مهمًا فاتهم.

تخيل لو أقنعتك بأنني قناةٌ تحتوي على معلوماتٍ مهمةٍ أو رسائل أو صداقاتٍ أو فرصٍ محتملةٍ؛ فسيكون من الصعب عليك إيقاف تشغيلي أو إلغاء اشتراكك أو إزالة حسابك من القناة، نعم إذًا أنا أفوز؛ لأنك قد تظن أنه قد يفوتك شيء مهم:

  • هذا يجعلنا مشتركين في النشرات الإخبارية وإن لم يسبق لهم تقديم أي فوائد. “ماذا لو فوّتُ إعلانًا في المستقبل؟”.
  • هذا يبقينا “أصدقاء” مع الناس الذين لم نتحدث معهم منذ مدة. “ماذا لو فاتني خبر مهم عنهم؟”.
  • هذا يبقينا نتنقل بين صور الوجوه على تطبيقات المواعدة، حتى لو لم نقابل أي شخص منهم. “ماذا لو فاتتني مواعدة شخص قد يعجب بي؟”.
  • هذا يبقينا مستخدمين لوسائل التواصل الاجتماعي. “ماذا لو فاتتني قصة أو أخبار هامة أو عما يتحدث أصدقائي؟”.

ولكن إذا تعمقنا في هذا النوع من الخوف، فسنكتشف أنه غير محدود: سنفتقد دائمًا شيئًا مهمًا في أي وقت عندما نتوقف عن استخدام ذلك الشيء.

  • هناك لحظات في الفيسبوك ستفوت عند عدم استخدامه لمدة ٦ ساعات (على سبيل المثال صديق قديم يزور المدينة الآن).
  • هناك لحظات ساحرة سوف تفوتنا على Tinder  (على سبيل المثال يفوت حلمنا الرومانسي بشريك).
  • هناك مكالمات هاتفية طارئة ستفوتنا إذا كنا غير متصلين دائمًا وفي كل وقت.

ولكن العيش لحظة بلحظة مع الخوف من فقدان شيء مهم ليست طريقةً خلقنا لنعيش بها!

ومن المدهش أيضًا كيف أنه، وبسرعة أيضًا، وبمجرد أن نترك هذا الخوف، ونستيقظ من هذا الوهم،  فنبتعد لأكثر من يوم واحد، أو نلغي الاشتراك من هذه التنبيهات، أو نذهب للتخييم: كل المخاوف التي كنا نظن أنها قد تحدث: لا تحدث فعلًا.

على كل حال نحن لا نفتقد شيئًا لا نراه. وهذه هي الحقيقة.

الاختطاف #٤: القبول الاجتماعي

نحن جميعًا نضعف أمام فكرة القبول الاجتماعي. إن الحاجة إلى الانتماء، أو القبول أو التقدير من قبل أقراننا هي من بين أعلى الحوافز البشرية، ولكن الآن القبول الاجتماعي في أيدي شركات التكنولوجيا!

عندما أحصل على وسم (تاغ) من قبل صديقي مارك، أتخيل أنه اتخذ هذا الخيار بوعي وإدراك، ولكن لا أرى كيف أن شركة مثل الفيسبوك قد دبرت له القيام بذلك في المقام الأول.

فيسبوك، إنستغرام، أو حتى سناب شات، باستطاعتها التأثير في جعل الكثير من الناس عادة يقومون بالوسم على الصور عن طريق اقتراحٍ تلقائيٍ لكل وجوه الناس التي يجب أن توسم على الصورة (على سبيل المثال عن طريق عرض مربع  حوار مع تأكيدٍ بنقرةٍ واحدة، “وسم (تاغ)  تريستان على هذه الصورة؟”).

عندما يقوم مارك بوسم (تاغ) لي،  فهو في الواقع يستجيب لاقتراح الفيسبوك، ولم يتخذ خيارًا مستقلًا. ولكن من خلال خيارات التصميم مثل هذا، يتحكم فايسبوك في عدد المرات التي يجرب فيها الملايين من الأشخاص القبول الاجتماعي بهذه الطريقة.


بهذه التقنية يقوم فيسبوك بعرض خيارات لأشخاص قد ترغب بوسمهم على الصورة فيزيد بذلك التأثير الاجتماعي.

نفس الشيء يحدث عندما نقوم بتغيير صورتنا الشخصية الرئيسية -فيسبوك يعرف أن هذه لحظة نكون فيها عرضة للقبول الاجتماعي: “ما رأي أصدقائي بصورتي الجديدة؟” الفيسبوك يضع هذا التحديث في أعلى قائمة التحديثات، وبذلك ستبقى لفترة أطول، والمزيد من الأصدقاء سوف يرغبون في إبداء إعجابهم أو التعليق على ذلك.

الجميع يستجيب بشكل فطري للقبول الاجتماعي، ولكن بعض الديموغرافيات -يقصد بعض الفئات مثل المراهقين- أكثر عرضة لها من غيرهم. هذا هو السبب في أنه من المهم جدًا أن ندرك مدى قوة المصممين حين قاموا باستغلال هذه النقطة.

الاختطاف #٥: التبادل الاجتماعي (شيء بشيء)

  • تسدي لي خدمة: أنا مدين لك مرةً واحدةً في المرة القادمة.
  • أنت تقول “شكرا”: يجب أن أرد “على الرحب والسعة”.
  • ترسل لي رسالةً عبر البريد الإلكتروني: من غير اللائق عدم الرد عليك.
  • كنت تتابعني -خاصةً على مواقع التواصل الاجتماعي-: من غير اللائق عدم متابعتك -خاصة للمراهقين-.

نحن معرضون للحاجة إلى الرد على إشاراتِ الآخرين لنا، ولكن، كما هو الحال مع القبول الاجتماعي، شركات التكنولوجيا -الآن- تؤثر في عدد المرات التي نختبر فيها هذا التفاعل.

في بعض الحالات وعن طريق الصدفة: البريد الإلكتروني، والرسائل النصية، وتطبيقات المراسلة هي مصانع اجتماعية للمعاملة والرد بالمثل، ولكن في حالاتٍ أخرى؛ تستغل الشركات هذه الثغرة عن قصد.

(لينكد إن) هو الجانب الأكثر وضوحًا، (لينكد إن) يسمح للعديد من الناس بخلق التزامات اجتماعية لبعضهم البعض بقدر الإمكان، لأن في كل مرة سيقومون بالرد بالمثل (عن طريق قبول اتصال، الرد على رسالة، أو تأييد شخص ما مرة أخرى لامتلاكه المهارة) فهم يعودون إلى linkedin.com  حيث يمكنهم قضاء المزيد من الوقت مع الناس.

مثل الفيسبوك، فإن (لينكد إن) يستغل اختلاف التصور في أذهاننا، فعندما تتلقى دعوة من شخصٍ ما للتواصل، فإنك تتخيل أن الشخص الذي اختارك كان واعيًا لهذا الخيار، بينما في الواقع، وعلى الأرجح؛ فإنه استجاب دون وعيٍ لقائمة (لينكد إن) بالأشخاص المقترحين، وبعبارة أخرى: (لينكد إن) يحفز اللاوعي الخاص بك لإضافة شخصٍ ما إلى قائمة التزاماتك الاجتماعية الجديدة، وبذلك فإن الملايين من الناس سيشعرون بأنهم ملزمون بالسداد -أي الرد بالإضافة-  كل ذلك يحدث في حين أنهم يستفيدون من الوقت الذي يقضيه الناس في القيام بذلك.

تخيل ملايينًا من الناس تتعرض لهذا النوع من التشتيت طوال يومهم، كالدجاج الذي يركض من دون رأسه، فهم فقط يقومون بالتبادل والرد بالمثل لبعضهم البعض -كل هذا مصممٌ من قبل الشركات التي تستفيد من تلك التطبيقات والمواقع-.

مرحبا بكم في وسائل التواصل الاجتماعي.

بعد قبولك لتأييد شخص ما لك على (لينكد إن)، سيقوم الموقع باستغلال رغبتك بالرد، ويقوم بإظهار أربعة أشخاص إضافيين لتقوم بتأييدهم في المقابل.

تخيل أن شركات التكنولوجيا تتحمل مسؤولية التقليل من المبادلات الاجتماعية، أو أن هناك منظمةً مستقلةً تمثل المصالح العامة، كتأسيس تحالفٍ أو إدارة كإدارةٍ الأغذية والعقاقير، لكن خاصة بالتكنولوجيا؛ لتقوم برصد إساءة الاستخدام والإجحاف من قبل شركات التكنولوجيا الأخرى للمستخدمين؟

الاختطاف #٦: وعاء عميق، تغذية مستمرة، والتشغيل التلقائي

اليوتيوب يقوم بتشغيل الفيديو التالي بعد العد التنازلي

هناك طريقة أخرى لسلب عقول الناس، والتي تتمثل في إبقائهم يستهلكون الأشياء حتى وإن لم يكونوا بحاجة لها بعد الآن.

ما رأيك؟ بكل بساطةٍ خذ أي تجربةٍ محصورةٍ ومحددة، وحوّلها إلى تيارٍ يتدفق لقعرٍ لا متناهي العمق؛ فقد أوضح البروفيسور كورنيل براين وانزينك في دراسته أنه يمكن خداع الناس في جعلهم يتناولون الحساء بلا توقف من خلال منحهم وعاءً بقعر عميقٍ تعاد تعبئته تلقائيًا في كل مرة يأكلون منه. مع الأوعية بقعرٍ عميقٍ غير منتهي؛ فالناس يأكلون ٧٣٪ من السعرات الحرارية أكثر من تلك الأطباق العادية ويجعلهم يقللون من شأن عدد السعرات الحرارية التي يأكلونها بحوالي ١٤٠ سعرة حرارية.

شركات التكنولوجيا استغلت نفس المبدأ، يتم تصميم ظهور أحدث الأخبار والتحديثات عمدًا وبشكل تلقائي لتجعلك تستمر في التمرير ومشاهدة المزيد، والقضاء عمدًا على أي سبب قد يجعلك تتوقف، أو تغير رأيك أو حتى تغادر الصفحة.

هذا يفسر لم بعض مواقع عرض الڤيديو، وأيضًا مواقع التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك أو يوتيوب ونيتفليكس تقوم بالتشغيل التلقائي للڤيديو التالي بعد العد التنازلي بدلًا من انتظارك لاتخاذ خيارٍ واعٍ (في حال كنت تريد ذلك)، عادة يتم تشغيل الجزء الأكبر من هذه المواقع عن طريق التشغيل التلقائي للشيء التالي.

تدّعي شركات التكنولوجيا في كثير من الأحيان: “نحن نجعل من السهل على المستخدمين مشاهدة الڤيديو الذي يرغبون حقًا في مشاهدته”، في حين أنهم يخدمون -في الحقيقة- مصالحهم التجارية، ولا يمكنك إلقاء اللوم عليهم؛ لأن زيادة الوقت المستغرق هي العملة التي يتنافسون عليها.

بدلًا من ذلك؛ تخيل ما إذا كانت شركات التكنولوجيا بطريقة أكثر وعيًا تحاول تقييد تجربتك حول   “الاستثمار الجيد للوقت”، ليس فقط بالتركيز على كمية الوقت الذي استغرقته، بل كمية “الوقت الذي استفدت منه”.

الاختطاف #٧: المقاطعة اللحظية مقابل التسليم بشكل “مميز”

تعرف الشركات أن الرسائل التي تقاطع نشاط الشخص لتظهر بشكل مفاجئ تكون أكثر إقناعًا للرد عليها من الرسائل التي يتم تسليمها بشكل غير متزامنٍ مع وقت تواجده )مثل البريد الإلكتروني أو أي صندوق بريد مؤجل).

وحول هذه المسألة فإن (الفيسبوك أو الواتساب، وأي شات أو سناب شات) يفضلون تصميم نظام مراسلةٍ خاصٍ بهم لمقاطعة المتلقين على الفور بإظهار مربع الدردشة فجأة؛ بدلًا من مساعدة المستخدمين على احترام اهتمامات وانشغالات بعضهم البعض.

بعبارة أخرى فإن المقاطعة أمر جيد عادة!!

ومن مصلحتهم أيضًا زيادة الشعور بالاستعجال والمبادلة الاجتماعية. فعلى سبيل المثال، يخبر فيسبوك تلقائيًا المرسل أنك قرأت رسالته في حال فعلت ذلك، بدلًا من السماح لك بتجنب الكشف عما إذا كنت شاهدت الرسالة وقرأتها، ولكن الآن بالتأكيد ستشعر أنك أكثر التزامًا بالرد.

على النقيض من ذلك؛ فإن أبل يتيح -بمزيد من الاحترام- للمستخدمين التحكم بإشعارات قراءة الرسائل، وذلك بالسماح لهم بإيقاف أو تشغيل هذه الخاصية، لمنع الطرف الآخر من معرفة ما إذا كنت قرأت رسالته أو لا.

المشكلة هي أن زيادة المقاطعات التي تحدث باسم الأعمال تخلق أحداثًا مأساوية، وتدمر الاهتمام العام، لتمتدّ وتسبب المليارات من الانقطاعات التي لا حاجة لها كل يوم. هذه مشكلةُ كبيرةُ نحتاج إلى إصلاحها بمشاركة معايير للتصميم (ربما بأن تكون لها علاقة بالاستثمار الجيد للوقت).

الاختطاف# ٨ : الجمع بين الأسباب الخاصة بك مع أسبابهم

طريقة أخرى للتطبيقات لسلبك عن طريق اتخاذ أسبابك الخاصة سببًا لزيارتك لتطبيقٍ معينٍ لأداء مهمةٍ مثلًا، وجعل تنفيذ هذه المهمة جزءًا لا يتجزأ من أسباب وأهداف عمل هذا التطبيق -طبعًا لزيادة الوقت الذي تستغرقه في كل مرة تزوره-.

في العالم الواقعي على سبيل المثال، فإن السبب الأول والثاني لزيارة محلات البقالة عادة هي شراء أغراضٍ صحيةٍ وشراء الحليب، ولكن محلات البقالة تريد تحقيق أقصى قدر من عمليات الشراء، فيقومون بوضع الأغراض الصحية والحليب في الجزء الخلفي من المتجر، للمرور على أكبر كمية من المنتجات قبل الوصول إليهما؛ فهم يحاولون ربط ما يريده المستهلك بما تريد أعمالهم تحقيقه. في الحقيقة، لو أراد المتجر خدمة المستهلك فقط؛ فسيضع أكثر ما يحتاجه في المقدمة.

شركات التكنولوجيا تصمم مواقعها بنفس الطريقة. مثلًا، إذا كنت ترغب في البحث عن أحداث الفيسبوك لهذه الليلة (السبب الخاص بك) فإن تطبيق الفيسبوك لا يسمح لك بالوصول إليه من دون إظهار آخر التحديثات المتعلقة بحسابك (أسباب الفيسبوك)، وهذا يحدث عن قصد.

الفيسبوك يريد تحويل كل سبب لديك لاستخدام الفيسبوك إلى سبب يصب لصالحهم، والذي هو زيادة وقت استخدامك لتطبيقهم.

بدلًا من ذلك، تخيل لو:

  • تويتر أعطاك طريقةً لنشر تغريدةٍ بدون الاضطرار إلى رؤية آخر الأخبار والتحديثات.
  • يعطيك الفيسبوك طريقةً منفصلة للبحث في الأحداث الجارية هذه الليلة، دون أن تضطر إلى مشاهدة آخر التحديثات الخاصة بهم.
  • الفيسبوك يوفر لك طريقة لا تلزمك باستخدام حسابك في الفيسبوك كجواز يسمح لك بإنشاء حساباتٍ جديدةٍ على تطبيقات الطرف الثالث دون أن تضطر إلى تثبيت تطبيق الفيسبوك لفعل ذلك.

(الطرف الثالث هي تطبيقاتٌ أو مواقع تستخدم مواقع أو تطبيقاتٍ أخرى لتساعدها في إنشاء حساباتها أو تطويرها).

في عالم الاستثمار الجيد للوقت، هناك دائمًا وسيلةٌ مباشرةٌ للحصول على ما تريد بشكلٍ منفصلٍ عما تريده الشركات والأعمال. تخيل “قانون الحقوق” الرقمي الذي يحدد معايير التصميم التي تجبر المنتجات التي يستخدمها المليارات من الناس بالسماح لهم بالانتقال مباشرة إلى ما يريدون دون وضع ملهيات بطريقة متعمدة.

الاختطاف #٩: خيارات غير مريحة

لقد قيل لنا إنه يكفي للشركات إتاحة الخيارات للمستخدمين:

  • “إذا كنت لا ترغب في ذلك المنتج فيمكنك دائمًا استخدام منتج مختلف”.
  • “إذا كنت لا ترغب بالاستمرار في ذلك، يمكنك دائمًا إلغاء الاشتراك”.
  • “إذا كنت مدمنًا على تطبيقنا، يمكنك دائمًا إلغاء تثبيته من هاتفك”.

الشركات بطبيعة الحال تريد أن تجعل الخيارات التي ترغب هي أن تتخذها خيارات أسهل، والخيارات التي لا تريد منك اتخاذها تكون أكثر صعوبة. السحرة يفعلون الشيء نفسه، يمكنك جعل الشيء أسهل ليسهل للمشاهد اختياره، وجعل الشيء أصعب ليصعب على المشاهد اختياره.

على سبيل المثال موقع: NYTimes.com

جعل هناك خيارًا مجانيًا لإلغاء الاشتراك الرقمي الخاص بك. ولكن بدلًا من مجرد القيام بذلك ببساطة، فعند الضغط على “إلغاء الاشتراك”، فإنهم يرسلون لك رسالة بالبريد الإلكتروني مع معلومات عن كيفية إلغاء حسابك فقط عن طريق الاتصال برقم الهاتف الذي يفتح فقط في أوقات معينة.

بدلًا من نظرتنا للعالم من حيث كمية توافر الخيارات، ينبغي لنا أن ننظر إلى العالم من حيث الاحتكاك المطلوب لسن الخيارات. تخيل عالمًا وُصفت فيه الخيارات بمدى صعوبة تحقيقها (مثل معاملات الاحتكاك) وكان هناك كيان مستقل – اتحاد صناعي أو غير ربحي -صنّف هذه الصعوبات ووضع معايير لكيفية سهولة التنقل بينها.

الاختطاف # ١٠: توقع العواقب، استراتيجية “القدم في الباب”

الفيسبوك يوفر خيارًا سهلًا إذا كنت تريد مشاهدة الصورة التي قام صديقك بعمل وسم لك عليها (تاغ)، ولكن هل ستضغط وتتابع إذا عرفت قيمة اختيارك؟

وأخيرًا، يمكن للتطبيقات استغلال عجز الناس عن التنبؤ بعواقب نقراتهم، فالناس لا يتوقعون التكلفة الحقيقية للنقرة. يستخدم مسؤولو المبيعات أسلوب “القدم في الباب” فيبدأ بطلب صغير، مثلًا: “تحتاج إلى نقرة واحدة فقط لمعرفة أي تغريدة حصلت على إعادة تغريد”، ومن هنا يضيف: “لماذا لا تبقى قليلًا؟”. تقريبًا تستخدم جميع مواقع التواصل الاجتماعي هذه الخدعة.

تخيل إذا كانت متصفحات الويب والهواتف الذكية بوابات يقوم الناس من خلالها باتخاذ هذه الاختيارات، فتقوم بمراقبة الناس، ومساعدتهم على توقع عواقب النقرات (استنادًا إلى بيانات حقيقية حول الفوائد والتكاليف التي يمكن حصولها فعلًا) ولهذا السبب أضفت “وقت القراءة المتوقع” في أعلى مشاركاتي، فعندما تضع التكلفة الحقيقية لاختيارٍ معينٍ أمام الناس، فإنك تعامل جمهورك والمستخدمين بكرامةٍ واحترام.

 

TripAdvisor يستخدم  تقنية “القدم على الباب” عن طريق الطلب منك بأن تنقر نقرة واحدة لتقييمهم بـ “كم عدد النجوم؟” في حين يخفون ثلاث صفحات من الأسئلة الاستبيانية وراء هذه النقرة.

للاستثمار الجيد للوقت على الإنترنت يمكن أن تصاغ الخيارات من حيث التكلفة والمنافع المتوقعة، ليتم تمكين الناس من اتخاذ خيارات مدروسة بشكل مباشر، وليس عن طريق قيامهم بعمل إضافي.

الملخص: وكيف يمكننا إصلاح هذا؟

هل أنت مستاءٌ من أن التكنولوجيا تسلبك قوتك وعقلك؟ وأنا كذلك! لقد سردت بعض التقنيات، ولكن هناك حرفيًا الآلاف منها لم أذكرها. تخيل أرففًا من الكتب، الندوات، ورش العمل، والدورات التدريبية التي تدرس طموح أصحاب المشاريع التقنية لتقنياتٍ مثل هذه، وتخيل مئات المهندسين، عملهم كل يومٍ هو ابتكار طرقٍ جديدةٍ لتبقيك معّلقًا في إنتاجاتهم من التطبيقات والمواقع.

الحرية المطلقة هي عقل حر، ونحن بحاجةٍ إلى التكنولوجيا في صفّنا لمساعدتنا على العيش والشعور والتفكير والتصرف بحرية.

نحن بحاجة إلى الهواتف الذكية، وشاشاتٍ لعرض الإخطارات ومتصفحات الويب لتكون هياكل خارجيةً لعقولنا، وعلاقاتنا الشخصية التي وضعت قيمنا والتي لم تضعها دوافعنا الشخصية؛ لذلك أولًا وأخيرًا: وقت الناس قيمّ ويجب علينا حمايته بنفس شدة حمايتنا للخصوصية والحقوق الرقمية الأخرى.

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *