لم لا تستطيع التوقف عن اختلاس النظر على الهاتف؟

ترجمة بتصرف لمقال(Here’s Why You Can’t Stop Looking at Your Phone by:Team Lemonade)

 

 

ترجمة: هاجر محمد 

تدقيق: بيادر النصيان 

مراجعة: أسماء الأنديجاني

 

كم عدد المرات التي نظرت فيها إلى هاتفك في آخر ساعة؟ ماذا عن آخر عشرة دقائق؟ إذا كنت كأغلب الناس فمن المحتمل أن تكون الإجابة أكثر من مرة.

 أصبحت أجهزتنا المحمولة جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليوميةبالنسبة للعديد منا ،في الحقيقة، ذكر رئيس المحكمة العليا الأمريكية جون روبرتس الابن (John Roberts Jr) بأن الأجهزة تعد «جزء مهم من حياتنا اليومية لدرجة أن زائرًا من المريخ ربما يستنتج أنها سمة هامة في بنية الإنسان»

لحظة! بلا شك، هذه الظاهرة منتشرة على نطاق واسع. لذا نشرت دراسة حديثة أن ٩٤٪‏ من المصوتين شعروا بالانزعاج لأنهم لم يحملوا الأجهزة الخلوية معهم، وصوّت ٨٠٪‏ على شعورهم بالغيرة حينما يحمل الآخرون أجهزتهم، وتوقع ٧٠٪‏ أن يشعروا بالإحباط والذعر والعجز إذا ما فقدت هواتفهم أو تعرضت للسرقة.

ودراسة أخرى وجدت أن نصف المشاركين يفضلون أن تنكسر عظامهم بدلًا من أن تنكسر هواتفهم (NPR)

رغم أن هذه الإحصائيات غير مفاجئة حاليًا (باستثناء الأخيرة) فهي على الأرجح ستكون صادمة لشخص ما قبل خمس سنوات مضت. فمعظم الأمريكيين لم يمتلكوا جهازًا ذكيًا حتى ٢٠١٣. وبعبارة أُخرى: في خمس سنوات فقط، جهاز إلكتروني واحد عفا عليه الزمن تحول إلى كائن يجعل الناس على استعداد أن تتخلى عن الطعام والنوم والمتعة من أجله. (USA Today)

كيف وصلنا من أ إلى ب؟

تنبيه: الكثير من التوضيحات متجذرة في علم النفس والتطور.

شيئًا فشيئًا

هذه الزيادة المفاجئة في استخدام الهواتف لم تحدث بين عشية وضحاها، لكن حدثت تدريجيًا ابتداءً من جزء صغير في الدماغ تسمى (الدوبامين)

إليك ما حدث: عندما اقتنيت جهازك الذكي الأول فعلى الأرجح أنك فعلت الكثير من الأشياء التي أسعدتك، مثل: التواصل مع أصدقاء الطفولة، قراءة رسالة لطيفة من صديق، أو تلقي الإشعارات. جميع هذه الأشياء تطلق سراح الدوبامين.

ما هو الدوبامين؟ عبارة عن ناقلات عصبية تجعلك تشعر بشكل جيد،فقد صُممت أدمغتنا على إطلاق الدوبامين عندما نفعل شيئًا يلبي حاجة فطرية مثل الأكل والاستمتاع. عدد لا يحصى من الدراسات أشارت أن أنشطة الأجهزة الذكية سبب لإفراز الدوبامين في الدماغ، مما يجعلنا نشعر بالإثارة والتحفيز والسعادة.

لكن على الأرجح، في هذه الأشهر القليلة من بدايات استخدام الهاتف، لابد وأنك قمت بفعل أشياء مملة لا تمنحك شعورًا دافئًا أو مثيرًا، مثل تصفح الفيس بوك بغير شعور، أو تأمل صور لغرباء.

لكن يبدأ عقلك يلاحظ النمط في كل مرة كنت تقوم فيها بشيء يفرز الدوبامين. وفي فترة قصيرة يبدأ عقلك بالربط بين (الهاتف) و(الدوبامين)؛ وبطبيعة الحال بما إن دماغك يتحفز بدفعات بسيطة من الدوبامين، سيبدأ حينها بالاندفاع لتفحص هاتفك.

 

 

وفجأة، تشكلت عادة

عندما تقوم بسلوك معيّن مرارًا وتكرارًا يحفز نتيجة معينة فيصبح نمطًا محفورًا في مسارات الجهاز العصبي، وفي وقت قصير يكون دماغك متلهف للقيام بهذا السلوك بانتظام.

إليك معلومات تتعلق بالدوبامين: سريع التأيض في دماغك، مما يجعلك تريد المزيد والمزيد وفي أقرب فرصة. وبعدما يذهب أثر الدوبامين، سيفعل دماغك ما بوسعه للحصول على هذا الشعور مرة أخرى بأسرع ما يمكن. والآن ما هي أسهل طريقة للوصول إلى الدوبامين؟ التقاط هاتفك، وهذا ما يملي به دماغك لجسدك أن يفعله.

ومن المؤسف أنه ليست كل رسالة أو منشور على الـ(فيس بوك) أو صورة في (انستقرام) سوف تقدم لدماغك ما يبحث عنه. لكننا مبرمجين دماغيًا بأن نستمر بالعمل الجاد من أجل مكافأة الدوبامين هذه، وسنستمر بالبحث في أشياء خارج نطاق أنشطتنا المعتاد حتى نصل إليه. وفي بعض الأحيان سنساهم في نظام المكافأة هذا بأنفسنا.

ألم يحدث ووجدت نفسك تنشر شيئًا في مواقع التواصل الاجتماعي فقط لتشعر بشعور جيد؟ أو ترسل مجموعة من الرسائل لأصدقائك لتشعر أنك على تواصل معهم فقط؟ لا تقلق لست وحدك، تحدث لأفضل شخص منا، وهي طريقة خلايانا العصبية في العمل.

ما الذي يميز الهاتف؟

لكن لمَ يحدث هذا مع الهواتف المحمولة وليس مع الأجهزة الأخرى؟ ما أمر هذه الهواتف التي تحفز الدوبامين؟

الحواسيب اللوحية، على سبيل المثال، أنيقة ورقمية وقابلة للتنقل نوعًا ما. لكن الفرق بينهما هو أننا نميل إلى استخدام الحواسيب اللوحية للأنشطة الشخصية وغير التفاعلية مثل مشاهدة الفيديوهات وقراءة الكتب، هذه الأنشطة استجابتها العصبية مختلفة كليًّا.

في حين أننا نستخدم هواتفنا استخدامات مختلفة، وهي تشكل بوابة توصِّلنا بعالم التواصل الاجتماعي. فنقضي معظم الوقت على الهواتف نرسل الرسائل ونتصفح ونراسل الأصدقاء.

 

ما علاقة كل هذا بالدوبامين؟ تبين أن كل الإشعارات التي نتلقّاها -من برامج التواصل الاجتماعي، وتطبيقات المراسلة، وغيرها- تنشط الدوبامين في الدماغ. في الحقيقة، أكثر وظائف الأجهزة الذكية إدمانًا تشترك في فكرة واحد وهي: أنها تستغل رغبة الإنسان في التواصل مع الآخرين. نسبةً إلى ما أصدرته مجلة فرونتيرز (Frontiers) في قسم علم النفس للدكتور فيسيير (Dr. Veissière) والبروفيسور ستيندل (Professor Stendel).

البشر كائنات اجتماعية

حاجتنا لنكون اجتماعيين مبرمجة في أدمغتنا، مثل إفراز الدوبامين، فالبشر لديهم رغبة في البحث والمحافظة على علاقات قوية،فهي أمر فطري لرفاهيتنا النفسية مثل الجوع والعطش لرفاهيتنا الجسدية.

 

لماذا؟ الإجابة متعلقة بطبيعة الإنسان وتطوره. مع تطور البشر، اعتمد كل منهم على الآخر من أجل البقاء في ظل ظروف بيئية قاسية. من كانت لديهم صلات أقوى بغيرهم حظوا بفرصة أكبر للبقاء على قيد الحياة، لأن لديهم العديد من الناس ليساندوهم.

الرغبة في مراقبة الأشخاص الآخرين متأصلة في تطورنا من الماضي. مع تطور البشر، احتاجوا لمشاركة مستمرة من الآخرين لتحديد السلوك والثقافة المناسبة. وهذه كانت وسيلتهم لفهم المعاني وتحقيق الأهداف والإحساس بالهوية. فلا عجب أن مواقع التواصل الاجتماعي -تحديدًا نشر الصور- ذات شعبية وانتشار واسع.

وباعتبار ماسبق، يبدو أن الأجهزة الذكية حققت لنا حاجتنا الفطرية للتواصل، والتي هي «سمة أساسية من سمات التطور البشري والتي تسبق عصر الأجهزة الذكية بمئات الآلاف من السنين.» طبقًا لـ د.فيسيير (Dr. Veissière

فلا عجب أننا لا نستطيع التوقف عن تفقد هواتفنا ،فهذه الأجهزة وفرت لنا واحدة من أهم احتياجاتنا الأساسية بطريقة بسيطة وفورية. وهذا بالتحديد ما يجذب الناس، بما أن أدمغتنا مبرمجة على اختصار كل شيء لحفظ الطاقة للأنشطة الأخرى.

والحق يقال، فإن هذا التأثير يتفاقم بسبب الشركات التقنية، فالعديد منها توظف علماء النفس والأعصاب وخبراء علم الاجتماع ليساعدوا في إنشاء منتجات إدمانية تحافظ على سير تحفيز الدوبامين. حتى أن هناك شركة ناشئة تسمى مختبرات الدوبامين (Dopamine Labs) والتي توظف العلوم العصبية لمساعدة الشركات التقنية في جعل منتجاتهم أكثر إدمانًا.

الجانب الإيجابي

حسنًا، تبدو تلك المعلومات مخيفة قليلًا، لكنها في الواقع، قد تكون مطَمئنَة إلى حدٍ ما. «معرفة الغرض النفسي من فعلنا للأشياء من الممكن أن تكون أول خطوة للتوقف عن العادات السيئة.»

لكن مهلًا، هل استخدام الهاتف مضر فعلًا؟

على أي حال، طالما أن استخدام الأجهزة الذكية متجذر فينا، يجب أن نستفيد منها بطريقة ما.

أشار د.كيث هامبتون (Dr. Keith Hampton) في جامعة ولاية ميشيغان (Michigan State University) إلى أن الأجهزة الذكية تمكنك من البقاء على تواصل مع أصدقائك حتى بعد الانتقال من المدرسة للجامعة أو من مدينة إلى أخرى، ولذلك لدينا شبكة تواصل واسعة مع أناس يمكن أن نثق بهم، نسافر معهم، نتعلم منهم. يقول أيضًا: «إنك تكتسب بيئة اجتماعية أكثر تنوعًا»

والجدير بالذكر أيضًا هو أن الأجهزة تؤثر في بعض علاقاتنا المباشرة الأكثر أهمية ،فوفقًا لدراسة أجراها جيمس روبرتس (James Roberts) وميريديث ديفيد (Meredith David) أن الـ ‘phubbing’ -الانشغال بالهاتف عن الناس- يزيد الفتور في الحياة الزوجية، ويرجع ذلك أحيانًا إلى النزاعات التي تنشأ بسبب استخدام الهاتف.

ليس هذا فحسب، أفادت مجموعة أخرى من الدراسات أن مجرد إظهار الهاتف -على مائدة العشاء مثلًا- أثناء النقاشات الجادة تؤثر على علاقتك مع الشخص المقابل، في حين أن هذه النقاشات عادة تقربنا لبعضنا البعض.

وفي أحد هذه الدراسات، وجد البروفيسور مايسرا (Professor Misra) إن «وضع أحد أطراف المحادثة جهازه ظاهرًا على الطاولة أو حمله في يده فإن المغزى من النقاش سيكون أقل فائدة». ولاحظت أيضًا أن الأطراف الذين يستخدمون أجهزتهم في منتصف النقاش يكون تعاطفهم أقل للشخص المقابل.

إذًا، هل نحن في وضع سيء؟

لا، لسنا كذلك. في حين أنك قد تشعر أن المقال كسحابة رمادية تحوم فوق رأسك، إلا أن هناك جوانبًا إيجابية. أولًا ينبغي التوضيح أن الاستجابة العصبية لاستخدام الأجهزة ليست كحالات الإدمان المزمن ،وعادةً لا توجد أعراض انسحاب تدريجي متعلقة باستخدام الهاتف، بالأحرى أنها عادة يُصلحها إعادة ضبط النفس ومحاولات تخلص من هذه العادة.

بمعنى أنه يمكننا المحافظة على التواصل مع الأصدقاء عبر الهاتف والمحافظة على توازن استخدامه في نفس الوقت.

كيف؟ حسنًا، هذا هو محور بقية الحديث في الجزء الثاني من هذه السلسلة.

سنقدم لك في مقالتنا الثانية في هذه السلسلة ما يحقق لك التوازن في استخدام الهاتف. ولكن في الوقت الحالي -حتى لا يقتلك الانتظار- يمكنك الاطلاع على مقال كيفية التغلب على العادات السيئة، سوف تجد نصائح وأدوات مفيدة تساعدك في إنهاء السلوكيات الغير جيدة في استخدام الهاتف وإلى الأبد.

وسوف ندع لك هذا التحدي: قم بتنزيل إحدى التطبيقات التي تسجل لك عدد مرات استخدامك للهاتف -مثل تطبيق Moment– وانتبه لعدد مرات فتحك لجهازك كل يوم، ستتفاجأ بالنتيجة. وإذا ما قررت العمل على تقليل عدد المرات لـ١٠ أو ٢٠ مرة كل يوم، قد تفاجئك النتيجة أيضًا.

 

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *