الصداقة التي غيرت التسويق للأبد

ترجمة بتصرف لمقال: The Friendship that Changed Marketing Forever. By Hal Conick

تدقيق: شذى الطيار

مراجعة: محمد المهندس

العناوين الرئيسية:

ماذا فعلت الصداقة و المحادثات التي دامت أكثر من خمسة وخمسين عاماً بين ﻓﻴﻠﻴﺏ كوتلر سيدني ﻟﻴﻔﻲ؟ … لقد غيرت مجال التسويق على المدى البعيد.

ماذا حقق ذلك التغيير؟ … بفضل كلًا من ﻓﻴﻠﻴﺏ كوتلر ﻭ سيدني ﻟﻴﻔﻲ أصبحت مفاهيم مثل الماركة التجارية والتحليلات والتسويق السببي على ماهي عليه اليوم.

ماذا نستفيد من ذلك؟ … يجب على المسوقين الاستمرار بالتعلم وخوض المحادثات والمضي قدماً نحو التطور حيث يقول فيليب كوتلر أن المسوقين الذين لا يسعون للتطور “محكوم عليهم بالفشل”.

كيف لصداقة وشراكة فكرية لمدة 55 عاماً أن تجعل التسويق يحظى بأهمية كبيرة

افتتن العالم السلوكي سيدني ليفي بالتسويق ولطالما كان لديه شك أن العلامة التجارية لا تقتصر فقط على منتجات الصابون والفولاذ وقطع الحلوى. كما أنه كان يبحث في الجوانب الاجتماعية للتسويق منذ عام ١٩٤٠ م، ورأى إمكانيات هائلة في هذا المجال فبدأ بإعطاء دروس عن التسويق عام ١٩٦١ م في  مدرسة كيلوغ للإدارة في جامعة نورث وسترن.

صادفت السنة الأولى لسيدني ليفي في كلية كيلوغ توقيتاً جيداً للتسويق نظراً للازدهار الاقتصادي والنزعة الاستهلاكية وطفرة المواليد في سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية. كما ساهمت التطورات الحديثة للاختراعات مثل أجهزة التلفاز الملونة التي أصبحت في كل غرفة معيشة في جميع أنحاء أمريكا بإعطاء الإعلانات مجالاً لم تحظ به في السابق، فأصبح كل من التسويق والإعلانات أمران مهمان للأعمال التجارية الكبيرة أكثر من أي وقت مضى. ولقد وصلت لشريحة كبيرة من الأفراد ووفقا لــ The Advertising Age Encyclopedia of Advertising فإن نفقات الإعلانات السنوية في الولايات المتحدة الأمريكية من عام ١٩٥٠م إلى ١٩٦٠م ازدادت بأربعة أضعاف مقدارها، من ١.٣ مليار دولار إلى ٦ مليارات دولار.

كانت تلك الفترة الزمنية فترة مهمة لمدرسة كيلوغ التي تحولت من كلية تقليدية تعد مناهج لعلم التسويق إلى مدرسة تضم علماء من مجالات مختلفة، وأحد هؤلاء العلماء كان عالم الاقتصاد فيليب كوتلر.

بدأ فيليب كوتلر العمل في كلية كيلوغ عام ١٩٦٢ م، وآنذاك خيرته المدرسة بين تدريس الاقتصاد والتسويق وبعد زياراته لسيدني ليفي ولأعضاء آخرين من أعضاء هيئة التدريس اتخذ قراره بوضوح قائلا: “اخترت التسويق”.

ويقول فيليب كوتلر: “من بين أفضل الأشياء التي حدثت لي عند لقائي لأعضاء هيئة التدريس واتخاذ قرار بشأن الانضمام إلى جامعة نورث وسترن هو لقائي لسيدني ليفي، والذي سرعان ما أصبحت وإياه صديقين. فلقد كان رجلاً خلوقاً ومثيراً للاهتمام، وكانت طريقة تفكيره فريدة من نوعها ورؤيته متجددة للأشياء من حوله.”

ولم يكن فيليب كوتلر وسيدني ليفي قد حصلا على درجة علمية في التسويق، لكنه درس الاقتصاد على يد الحاصلين على جائزة نوبل في العلوم الاقتصادية مثل ميلتون فريدمان وبول سامويلسون وروبرت سولو. وعلى الرغم من أنه لم تكن لديه خلفية عن التسويق، إلا أنه كانت لديه وجهة نظر فريدة ورغبة في تطوير وتوسيع هذا المجال مثل سيدني ليفي.

ما إن مضى خمسة وخمسون عاماً لانضمام فيليب إلى مدرسة كيلوغ حتى أطلق عليه المسوقون بجدارة لقب (رائد التسويق الحديث)، وخلال خمسة عقود ونصف، درس وشرح وفكر كوتلر وليفي وأعضاء هيئة التدريس الآخرين بالتسويق بطرق لم يسبق لأحد أن طبقها. ومن ذلك يقول كوتلر: “لقد أردنا في الواقع توظيف أفراد ليسوا متخصصين في التسويق وليس هذا تحيزاً، لكن انضمام مختلف العلوم الاجتماعية إلى صفنا سيحقق لنا الكثير.”

“كان لكل من فيليب كوتلر وسديني ليفي تأثيراً كبيراً على علم التسويق وجعله على ما هو عليه اليوم. فلقد أنجز ليفي العديد من الأمور الرائدة في مجال العلامة التجارية والثقافة والنظام الرمزي. أما كوتلر فيجب أن يشكر على ما فعله بجعل التسويق جزءاً أساسياً في ماجستير إدارة الأعمال وفي نقاشات مجلس إدارة المؤسسات ولذلك يمكننا أن نقول أن كوتلر هو أفضل مسوق في مجال التسويق.» – ماركوس جيسلر

انتشرت تلك الأفكار المختلفة في جميع أنحاء الأكاديمية، وبعد فترة وجيزة اجتاحت عالم الأعمال التسويقية وقال ليفي الذي أدار برنامج الدكتوراه في كلية كيلوغ لمدة ستة عشر عاماً أن تأثير عصر كيلوغ الذهبي امتد إلى كل مكان. وإن أول ثلاثة تخرجوا من طلابه أصبحوا رؤساء أقسام التسويق وهم: ألفين سيلك ‘رئيس كلية سلون للإدارة’، وجون مايرز ‘رئيس كلية هاس لإدارة الأعمال’، وتوم روبرتسون ‘رئيس كلية وارتون’. كما أن كتب كوتلر المدرسية تستخدم في الجامعات في جميع أنحاء العالم وبيع منه أكثر من ثلاثة ملايين نسخة وترجمت إلى عشرين لغة.

بلغ عمر الجمعية الأمريكية للتسويق في عام ٢٠١٧م ثمانين عاماً، أما كوتلر فقد بلغ السادسة والثمانين من العمر، وليفي بلغ السادسة والتسعين. وعلى الرغم من أن كوتلر وليفي لم يعملا معاً رسمياً على مدى عقدين من الزمن إلا أن تأثيرهما على صناعة التسويق لا زال يتردد صداه وروابطهما كأصدقاء مستمرة مدى الحياة.

التغيير في التسويق يغير المجتمع:

كان مجال التسويق في عصر الاستهلاك الكبير بعد الحرب العالمية الثانية محدوداً إذ كان يركز على الممارسة دون الاعتماد على نظرية معينة. فقد أنفقت الشركات الأموال دون معرفتها لنوع العائد على الاستثمار الذي ستكسبه في الحملات أو ما يريده العميل، وعلاوة على ذلك لم يستطيعوا تقسيم قواعد العملاء بطريقة صحيحة.

لكن كوتلر وليفي كان لديهما إجابات لكل تلك القضايا أو على الأقل طرح سلسلة من الأسئلة الجيدة. لقد أضاف الثنائي مفاهيم وطرق تفكير فريدة تماماً لعالم التسويق مثلما أضاف كل من دانيال كانيمان وأموس تفيرسكي للاقتصاد السلوكي. ومن ذلك على سبيل المثال إصرار كوتلر على وجهة نظره أن التسويق هو فرع من فروع الاقتصاد، وهي فكرة بدأت تؤخذ بعين الاعتبار في عام 1950 م. والآن فقد اعتمدت وجهة نظره وطبقها الأكاديميون والمدراء التنفيذيين وقال كوتلر: “أصبح مجال الاقتصاد غنياً جداً بسبب ما يدرسه المسوقون منذ ١٠٠ عام.”

وفي سنواته الأولى في كلية كليوغ، قضى كوتلر الكثير من الوقت في قراءة الكتب التسويقية الدراسية. لكن تلك الكتب كانت مخيبة للآمال فلقد وصفت معظم الكتب ما يفعله موظف المبيعات أو بائع الجملة أو المعلن في حالة معينة، ولكن لم يكن أي منها مبنياً على حقائق وإحصائيات ولم تشتمل أيضاً على نماذج تحليلية وكانت الكتب مكتوبة بطريقة مملة ولم تستند إلى بحث دقيق.

يقول كوتلر: “كان تجول في ذهني فكرة أن إيجاد تفسيرات لظاهرة ما يرتبط بأن تصبح محللاً بدلاً من أن تصف الأمور بطريقة شكلية، ولذلك قلت على الفور أننا بحاجة إلى كتاب مدرسي في علم التسويق يستند على أربعة أسس، وهي: الاقتصاد، والنظرية التنظيمية، ونظرية سلوك المستهلك، والرياضيات”. وقال إن كتابه (إدارة التسويق: حلل، خطط، تحكم) كان يعد مخاطرة كبيرة في العمل كله إذا لم يحظى باهتمام الأساتذة.

إصدار مؤرشف من جريدة أخبار التسويق تروج لفيليب كوتلر

كان كوتلر متفاجئاً بسعادة؛ لأن الأساتذة لم يهتموا لكتابه المدرسي الذي نشره عام ١٩٦٧م فقط، بل إن كثيرين أشادوا به كأفضل كتاب قرؤوه عن التسويق. ولقد اعتمد في جميع الفصول الدراسية في أنحاء الولايات المتحدة حتى وصل للعالم أجمع وحتى بعد مرور خمسين عام استمرت طباعة الكتاب حتى طباعة الطبعة الخامسة عشر.

بذل ليفي مجهود فكرياً كبيرًا وكانت مقالته البارزة بعنوان (رموز للبيع) التي نشرت في عام ١٩٥٩م  أول مقالة تطرح مفهوم أن التسويق لا ينحصر فقط في عمليات بيع البضائع فقط، وإنما يتعدى ذلك فيشمل أيضًا بيع الرموز. وأن أي فرد لديه زوج أحذية رياضية من ماركة نايكي أو حقيبة من ماركة غوتشي على الأرجح يعرف هذا الآن بعكس ذلك الوقت آنذاك حيث كان هذا المفهوم جديد وقال ليفي أن المسوقين بحاجة لعلماء الاجتماع أكثر من أي وقت مضى و ينبغي عليهم إيلاء الاهتمام إلى عوامل الأفراد الشخصية والاجتماعية عند شرائهم لشيء ما وإلى تنوع الإنفاق “والاعتراف بالسلع الحديثة كأمور نفسية أساسية ترمز للسمات الشخصية والأهداف النفسية.”

وذكر ليفي أيضاً: “إن ذلك يوضح أننا يجب أن ندرك أهمية الرموز التي أهملها بالطبع العديد من رجال الأعمال ونتيجة لذلك أخفقت العديد من المبيعات وأن زيادة الاهتمام بأساليب تفكير المستهلكين سيزيد من أهمية إدارة التسويق والأبحاث وبالتالي سيضفي ذلك مزايا عملية ورمزية.”

لقد اعتمد العديد صياغة ليفي لمصطلح (الماركة التجارية) بالإضافة إلى تطوير فكرة رموز وصورة الماركة التجارية. وذكر كوتلر أن ليفي استخدم الكلمة لأول مرة في مؤتمر (فالتقطها) منه ديفيد أوجيلفي مؤسس أوجيلفي و ماثر فلم تنسب لليفي بأنه مخترعها. وديفيد ليس الوحيد، فالعديد من الأفراد أيضاً استخدموا أفكار ليفي ونسبوها إليهم ولكن ليس هذا خطباً جلل فما يثبت أعمال ليفي الرائدة في مجال الماركة التجارية مطبوع للجميع للاطلاع عليه.

وبما أن كلاً من ليفي وكوتلر قاما بأعمال فردية مهمة إلا أنه ربما أعظم ما حققاه من إنجازات هو عندما عملا معاً. ففي عام ١٩٦٩م تعاون كل منهما على كتابة مقالة بعنوان (توسيع مفهوم التسويق) نشرت في مجلة التسويق AMA’s والتي تقول أن مفهوم التسويق لا ينحصر فقط على السلع والخدمات وإنما يشمل أيضاً معرفة الأماكن والأفراد والأفكار. فغايتهم هي توسيع مفهوم التسويق ليشمل المجالات الأخرى كالمدن والأفكار إلى السياسات بدلًا من مجرد التركيز على المنتج كالصابون وفرشاة الأسنان وأجهزة التلفاز فقط.

وعُرضت هذه المقالة في مؤتمر (AMA’s الصيفي للمتعلمين)، وقال ليفي: “لقد عددت ذلك اعتماداً للتطبيق العالمي للأنشطة التسويقية على جميع الأفراد والمنظمات”، وأضاف: “لقد كتبت عدة أبحاث تسويقية منذ عام ١٩٤٦م  للعديد من الأفراد والمنظمات – مثل السياسيين والفنانين والمستشفيات – وإن المقالة ماهي إلا  امتداد لفكرة التسويق”

“أثر كل من فيليب وسيدني على الفكر التسويقي تأثيراً كبيراً ومختلفاً عن تأثير أي فرد أعرفه، وذلك يظهر في عملهم المشترك على توسيع مفهوم التسويق وحتى أنهم في بداية مسيرتهم نجحوا بتوجيه اهتمامنا نحو هذا المجال. كانت البيئة في (كيلوغ) مميزة وأكثر ما يميزها تطبيقها لطرق حفزت الجميع لتحقيق أهداف الإدارة الفكرية” – جيرالد زالتمان

و عندما نشرت هذه المقالة ، استطلع كوتلر وليفي رأي بعض من كبار الاقتصاديين الأكاديميين حول ما إذ كانوا يؤيدون توسيع مفهوم التسويق أو أنهم يؤيدون استمرارية اقتصاره فقط على بيع السلع والخدمات، وهذا أيضاً ما كتباه في مقالتهم “إما أن يعتمد مفهوم التسويق على معنى اجتماعي أوسع أو سيبقى نشاطاً تجارياً محدوداً”، ولقد كانت الردود على الاستطلاع إيجابية إلى حد كبير فلذلك حظى مفهوم التسويق على تعريف واسع.

يعد كوتلر فكرته هو وليفي لمفهوم ( التسويق العكسي) من أعظم الأفكار التي توصلا إليها، فلقد شرحا في مقالتهما التي كانت بعنوان (التسويق العكسي، نعم للتسويق العكسي)  ونشرت عام ١٩٧١م أن هنالك بعض المنتجات التي تحتاج للتقنين مثل المنتجات غير الجيدة للأفراد أو النادرة التي يصعب الحصول عليها.

ويقول كوتلر: “لذلك إن كل الأمور المنفذة عكس الطلب ما نفذت إلا لإزالته فيمكننا تعريف التسويق العكسي بأنه العلم الذي يحد من الطلب على شيء ما. على سبيل المثال الحد من الاعتقالات أو استخدام المياه بإسراف عندما يكون هنالك نقص”

ولقد نشرت مقالة أخرى عام ١٩٧١م كتبها كوتلر وزميله في مدرسة كيلوغ جيرالد زالتمان الذي أصبح الآن أستاذاً فخرياً بكلية هارفرد للإدارة الأعمال بعنوان (التسويق الاجتماعي نهج لدراسة التغيرات التي تطرأ في المجتمع)، والآن أيضاً تبلور مفهوم  التسويق الاجتماعي فأصبح العديد من الأفراد يعرفونه (كالتسويق القضائي) وأظهرت المقالة كيف يمكن للتحليل التسويقي والتخطيط والسيطرة المساعدة في حل المشاكل الاجتماعية كتعزيز القيادة الآمنة والحث على التخطيط الأسري.

ليست هناك إحصائيات دقيقة حول مدى انتشار أي من أفكار ليفي أو كوتلر في مجال التسويق ولكن انتشارها الواسع لا يمكن إنكاره.

“لم يكونا مجرد أستاذين وحسب”

بنت أفكار كوتلر و ليفي الأساس للتسويق الحديث كما أن تلك الأفكار ساعدت أيضاً في بناء الأساس للصداقة التي دامت خمسة وخمسين عاماً، حيث قال كوتلر: “جمعتنا روابط عائلية فلم نكن مجرد أستاذين.”

كانت صداقتهم حقيقة وأكبر من مجرد اقتصراها على التسويق، حيث أنهما عندما اجتمعا لأول مرة اكتشفا أن والديهما كانا يمتلكان شركات متقاربة لتجارة التجزئة في شيكاغو، ولقد قضيا وقتاً خارج نطاق الحرم الجامعي بالاجتماع سوياً مع عائلاتهما وإضافة إلى أن ابنة ليفي كانت تجالس أطفال كوتلر الصغار ويتذكر كوتلر بحب أن زوجته نانسي كانت في غرفة المعيشة بمنزل ليفي وسحبت مقعداً إلى طاولة كبيرة وجلست عليه محاولة اكتشاف ماذا يتعلم طفلا ليفي في ذلك اليوم.

من اليسار لليمين: كوتلر و ليفي ونانسي كوتلر في غرفة المعيشة في منزل ليفي

أما في العمل فلقد كان كوتلر وليفي في أوقات الغداء يتحدثان عن أشياء مختلفة كالموسيقى والفن وأنماط الحكم والرعاية الصحية. وكثير من هذه المحادثات لا تتعلق بالتسويق، لكن كوتلر قال أنها ساعدت في إيجاد أفكارهما العظيمة. ولقد كان ليفي مثل كوتلر متطوراً ومنفتحاً فلم يخف من التطرق لأي موضوع.

وقال كوتلر: “لقد تحدثنا أنا وسيدني كثيراً عن كارل ماركس ومفهومه الذي ارتكز على وجود طبقة عاملة وطبقة فقيرة وطبقة غنية من الأفراد. وموضوع كهذا أثار الجدل في السنوات التي تلت المكارثية والخوف الأحمر، فلقد تساءلنا عن ماهية مظاهر المجتمع الجيد؟ وطرحنا العديد من الأسئلة المشابهة، ما الذي يجلب السعادة؟ وهلم جرا … وهكذا دواليك فلقد كنا مفكرين حرين.”

وغالباً ما تؤدي محادثاتهم إلى أفعال، حيث يتذكر كوتلر أثناء تناوله هو وليفي وجبة غداء أنهما أخرجا أقلام وأوراق وحددا ما قد يبدو عليه نظام الرعاية الصحية الأمريكي للتأمين الصحي الفردي. وكما هو واضح أن تفكير ليفي وكوتلر لم يقتصر فقط على تحسين التسويق إنما أرادا الإجابة على أكبر التساؤلات في الحياة.

وفي عام 1991 م تقاعد ليفي من مدرسة كيلوغ ولكنه ظل عضواً في الكلية حتى عام ١٩٩٧م. وبعد ذلك انتقل هو وزوجته إلى ولاية أريزونا التي تمتاز بطقس دافئ ويقل فيها تساقط الثلج وهبوب الرياح، ذلك النوع من الرياح الذي يتسبب في تعرية الأشجار على شواطئ بحيرة ميتشيغان. وقد تقلد ليفي بعد تقاعده منصب رئاسة قسم التسويق في كلية إيلر للإدارة في جامعة أريزونا وحالياً وهو بعمر السادسة والتسعين مازال يعيش في حرم جامعة أريزونا ويعمل كأستاذ تسويق متميز لماركة كوكولا.

أما كوتلر فلا يزال يدرس في مدرسة كيلوغ ولكنه يفكر بالتقاعد في عام ٢٠١٨م. وكان يقول ضاحكاً وغير مصدق عند تذكره محاولة ليفي للتقاعد: “أنت تعتقد أنه تقاعد لكنه انتقل من جامعة نورث وسترن وذهب إلى مكان آخر، فلربما أراد الانتقال إلى مكان أكثر دفئاً حيث تحظى زوجته بحديقة تملؤها النباتات”، ولكن مجرد الاستماع لنبرة صوت كوتلر فإن المرء يستطيع التنبؤ بما داخله وهو أنه لو أن ليفي لم يذهب لحظينا بمحادثات أكثر ولأجبنا على المزيد من الأسئلة، وأيضاً لوسعنا مجال التسويق أكثر.

تعاملهم مع اختلافاتهم:

على الرغم من أنهما الآن لا يتقابلان في كل الأوقات إلا أن ليفي يزور مدرسة كيلوغ كل عامين، ومؤخراً زار كوتلر وطلاب قسم التسويق في كيلوغ في شهر مايو عام ٢٠١٧م.  ولقد ألقى ليفي محاضرة بعنوان (نظرية العلامة التجارية) خلال زيارته في عيد ميلاده الرابع والتسعين عام ٢٠١٥ م وكان ليفي قد تحدث عن اعتقاده بأن المفهوم الرئيسي للتسويق هو العلامة التجارية وكما هو متوقع اندلع نقاش بينه وبين كوتلر حيث اختلف كوتلر معه في ذلك لأنه يعتقد أن المفهوم الرئيسي للتسويق هو التسويق نفسه وأن العلامة التجارية ماهي إلا قطعة من أحجية التسويق.

وكان يتضح من خلافهما أنه لولا روابطهما التي تجمعهما لقاموا بشتم بعضهما البعض. وهذا النوع من الخلافات لم يحدث كثيراً بينهما -لاسيما علناً- ويقول كوتلر أنه لم يحط أبداً من قدر ليفي ولكنهما يختلفان بوجهات النظر من وقت إلى آخر وأن صداقتهما لم تعتمد أبداً على مدى توافق وجهات نظرهما وذلك لأنهما مهما اختلفا في أمر ما فإنهما لا يأخذانه على محمل شخصي.

أضاف كوتلر أيضاً: “قد نختلف فيما بيننا لكن ذلك لا يؤثر على نوايانا الحسنة، وحسب ما أذكر أنه من ضمن ما حدث في اجتماعنا عام ٢٠١٥م عندما كان أعضاء هيئة التدريس يستمعون إلى وجهة نظر سيدني، كان هنالك شيء ما في داخلي لا يؤيد وجهة نظره وأن لدي تفكيراً مختلفاً عما قاله و قد يقول البعض عن ذلك الاختلاف أنه يدل على وجود مشكلة بيننا إلا أننا كنا نستمتع بالاستماع لوجهات نظرنا المختلفة.”

ويتحدث ليفي عن فكاهية تلك المحاضرة فيقول: “في الواقع أننا عندما تقابلنا في مدرسة كيلوغ قبل عامين قال فيليب أنه يختلف معي حول ما قلته عن الأولوية الكبرى للعلامة التجارية فأجبته فقط بقولي: فيليب أنا لن اختلف معك علنًا، وضحك الجميع وبذلك انتهت المحاضرة وقلت ذلك حتى لا أحرجه بتوضيح أنه كان على خطأ. ورغم هذا كله نحن صديقان جيدان ولن تؤثر علينا سلباً ظلالنا الفكرية المختلفة ولطالما أحببت وأعجبت بفليب ونانسي.”

توسيع مجالات التسويق:

لقد توسع مجال التسويق توسعاً لم يتصوره أحد من قبل منذ بداية تعارف ليفي وكوتلر قبل خمسة وخمسين عاماً حتى الآن. ولقد كان لإعجاب ليفي وكوتلر ببعضهما البعض وخوضهما محادثات فيما بينهما دور كبير في تطورهما وتطوير الصناعة. وقد يظن الجميع أن المهم هو توسيع مجالات التسويق، لكن الأهم من ذلك الأخذ بعين الاعتبار الأخلاقيات والآداب الجوهرية للتسويق.

يقول كوتلر: “كنت أنا وسيدني نحاول تطوير التفكير النمطي حول مجال التسويق بجعله مجالاً يفخر به الأفراد، وذلك لأنني حين أقول أنني (مسوق) قد يقول بعض الأشخاص: أنت تحاول بيعي منتجاً ما. وكما أنه كانت لديهم سمعة سيئة عن الشركات ومعاملات البيع، ولكننا أردنا تغيير ذلك بجعل التسويق مجالاً يثري الحياة. إن أفضل ما اعتمدناه لتعريف التسويق هو أن التسويق يهدف إلى رفع مستوى معيشة مجتمع كامل وإعطاء الأفراد أعلى قدر من الطموحات والقدرات.”

ويوضح ذلك الهدف السبب الرئيسي الذي دعى ليفي وكوتلر لتوسيع مجال التسويق وهو أنه يجب بذل الجهود لتطويره حتى يستفاد منه في أمور عدة. ويقول كوتلر أنه إلى جانب أن المسوقين يجب أن يحافظوا على التقنيات القديمة المفيدة، إلا أنه في مجال التسويق يجب على المهنيين التطور والتقدم نحو الأمام وذلك ينطبق على  ما فعله هو وليفي. ويضيف كوتلر: “لو طلب مني الرئيس التنفيذي لأوقع على نسخة كتابي (إدارة التسويق) لعام ١٩٦٧م ذاكراً أنه مازال يطبقه في إدارة الأعمال حتى يومنا هذا، فسأنظر في عينيه مباشرة وأقول له: أنت محكوم عليك بالفشل. وذلك لأننا دائماً ما سنحظى بأفكار ومعرفة جديدة ومتطورة.”

ويوافقه ليفي بقوله أنه لا يزال هنالك متسع للمجالات الجديدة التي تمتاز بالإمكانيات فيقول: “على الرغم من الأمور الهائلة التي حدثت لنا بعد الحرب العالمية الثانية، إلا أنه لا يزال هنالك طريق طويل حتى يتعرف الأفراد على التسويق و كيفية الاستفادة منه.”

كان كوتلر وليفي مفكران يطمحان للتطور والبحث عن أفضل المنافع ويقول كوتلر كانت صداقتنا مفيدة خلال عصر مدرسة كيلوغ الذهبي.

وأضاف كوتلر بقوله: “أحب هذه الجزيرة المليئة بعلماء الاجتماع”، وبدأ بتعداد قائمة الأساتذة في مدرسة كيلوغ واختصاصاتهم المختلفة – الأنثروبولوجيا والاقتصاد والعلوم الاجتماعية – ودورهم في التركيز على تطوير التسويق، وقال كوتلر أيضاً: “لقد بدأنا بنسيان ما كنا عليه في السابق، فأنا في البداية لم أقدم الكثير لمجال الاقتصاد وحتى أنني من وجهة نظر النظرية الكلاسيكية مجرد عالم اجتماع. وبالمناسبة، لقد عدت إلى جامعة شيكاغو لسنة إضافية حتى أتعلم أكثر عن العلوم الاجتماعية، وكان سيدني ذا تأثير كبير على تفكيري.”

يقول ليفي أن البيئة خلال أيام عمله في كيلوغ كانت تمتاز (بطابع عائلي) ملحوظ، “فلم نعاني من الانقسامات العاطفية التي كانت لدى المفكرين الحزبيين في بعض المدارس الأخرى. وأن جميع طاقمنا من المحللين النوعين و الكميين والأدريين كانوا ودودين في تعاملهم  مع بعضهم البعض ويتناقشون بطريقة صريحة لكن مهذبة. وكنا جميعاً نذهب في نزهة إلى البحيرة في كل ربيع وكنا نحتفل في بيت ليفي في كل خريف. ولقد رفعنا بتعاوننا مع بعضنا البعض مكانة وسمعة قسم التسويق بمدرسة كيلوغ.”

عندما يتحدث كوتلر عن عصر مدرسة كيلوغ الذهبي وعمله مع ليفي في توسيع تعريف التسويق تغمره المشاعر فيطيل التفكير ويتوقف للحظات.

يقول كوتلر ضاحكًا: “أتعلمون … دعوني أطلعكم على حقيقة أدركتها للتو أنا أيضاً: ربما كنا نشعر أن مجال التسويق محدود لأن نطاق اهتماماتنا واسع، ولذلك كان يجب علينا تطويره وتوسيعه وبعبارة أخرى إنه لمن المضحك أننا فعلنا ذلك أساساً لمصلحتنا فقط، فلقد أردنا التفكير بقضايا أكبر ولكن المجال كان محدوداً فكان الحل هو توسعة ذلك المجال.”

يبتسم كل من كوتلر وليفي عند تذكر أيامهما في توسيع مجال التسويق وحتى رغم المسافة بينهما إلا أن ليفي وهو في أريزونا يقول لأحد معارفه: “إذا لم أتأخر فمن فضلك عند اجتماعك مع فيليب أبلغه تحياتي”، فيضحك كوتلر عندما تصله تحيات صديقه وشريكه الذي يبعد عنه١.٧٠٠ ميلًا ويقول: “سيدني رجل عظيم وأنا أتطلع لرؤيته عندما يأتي.”

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *