من الخوف من تفويت الأحداث إلى المتعة في تفويت الأحداث

ترجمة بتصرّف لمقال: (From FOMO to JOMO: the joy of missing out by Anne-Laure Le Cunff)
مصدر الصورة: Unsplash

بقلم: آن لوري لو كونف (Anne-Laure Le Cunff)

ترجمة: أفراح السنيدي

تدقيق ومراجعة: أبو شامخ

مراجعة نهائية: ندى محمد

 

أنا محظوظة لأنني أعيش في مدينة يحدث فيها الكثير من الأشياء، حيث هناك المؤتمرات، والعروض، واللقاءات الصغيرة. 

إنني لا أجد صعوبة في العثور على شيء لأفعله، حيث أقضي الكثير من الوقت على الإنترنت، بين المحادثات واللقاءات الحية، أيضًا هناك الأصدقاء والعائلة، إنه لمن المذهل أن تتاح لي كل هذه الفرص للتفاعل مع أشخاص رائعين، ولكن أحيانًا لا يمكنني الالتزام أو مواكبة كل هذه الأحداث.

بالطبع نمر جميعًا بهذا الأمر، أن تكون مدعوًا إلى حفل عشاء، أو مناسبة زواج، أو إلى أي حدث؛ لكن لا يمكنك فعل كل ذلك؛ فقد يكون اليوم هو الموعد النهائي في العمل، أو ربما قد يكون لديك مكالمة مع أحد العملاء، أو طفلك في عطلة وتحتاج إلى البقاء معه طوال اليوم، الأمر الذي يقودك إلى أن تتساءل: ما الذي أفوته؟ هل يستمتعون كثيرًا بدوني؟ هل سيرتبطون بمحادثات لا أستطيع الانضمام إليها؟

 

هذه الحالة تسمى فومو «FOMO» -وهي اختصار لجملة «Fear Of Missing Out»- التي تعني: الخوف من أن يفوتنا حدث ما، تشيع هذه الحالة بشكل خاص لدى الأشخاص الذين يقضون وقتًا طويلًا على الإنترنت، حيث يستطيعون رؤية ما يفعله الجميع بسهولة طوال الوقت، وتصيبهم ما يشبه اللعنة على ما قد يفوتهم أو يفقدونه، وهذه الحالة تأتي من التخوف من أن يكون لدى الآخرين تجارب تستحق أن تُعَاش ولم يجربوها.

صاغ هذا المصطلح باتريك ج. ماكجينيس (Patrick J. McGinnis) -وهو مؤلف وصاحب رأس مال مغامر- واستخدمه لأول مرة في مقال أثناء دراسته في كلية هارفارد للأعمال.

قد يصبح الفومو مصدر قلق متكرر بالنسبة للعديد من الأشخاص، من تفويت فرصة تجربة جديدة، أو تفاعل اجتماعي، أو استثمار مربح، أو غيرها من الأشياء التي تمنح الشعور بالرضاء.

في دراسة استقصائية أُجريت في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ظهر أن غالبية الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18  – 34 عامًا يريدون أن يقولوا نعم لكل شيء بسبب خوفهم من الفومو، وقد يشعر الكثيرون أنهم لا يستثمرون ما يكفي من طاقتهم أو وقتهم في استكشاف مواضيع أو اهتمامات جديدة ومناسبة بسبب ذلك.

ولكن لا داعي للقلق فهناك بديل جيد للفومو، لكن أولاً دعونا نحاول فهم الأسباب الجذرية لذلك.

 

ما هي أسباب الخوف من الفومو؟ 

وجدت الأبحاث أن الفومو في جوهره، ناتج عن انخفاض الرضا عن الحياة، مع تدني الحالة المزاجية والشعور بعدم تلبية احتياجاتك، وهناك بعض العوامل المحددة التي لها تأثير مباشر على احتمالية تجربتها:

1-وسائل التواصل الاجتماعي:

أظهرت العديد من الدراسات أن هناك ارتباطًا كبيرًا بين استخدام الشخص لوسائل التواصل الاجتماعي، والفومو، حيث تسمح وسائل التواصل الاجتماعي للأشخاص برؤية كل الأشياء الممتعة التي قام بها أصدقائهم طوال اليوم، مما يتسبب في حدوث الفومو، ثم يتفاقم الخوف بسبب حقيقة أن الناس يميلون إلى مشاركة أمتع وأكثر اللحظات إشراقاً من حياتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، والتي تتمحور غالبًا في الأنشطة الاجتماعية والتجارب الممتعة.

2-الشعور بالوحدة:

كتبت عن فوائد أن تكون وحيدًا من قبل، لكن الفرق الرئيسي بين الوحدة والعزلة هو أن الأخير قرار واعٍ و يمكن أن تكون العزلة بإرادة الشخص مفيدة، بينما الشعور بالوحدة يرتبط بمجموعة من الآثار السلبية، مثل الاكتئاب وأمراض القلب والأوعية الدموية وحتى الانتحار، ومن السهل أن نفهم سبب ارتباط الوحدة بالفومو فكونك وحيدًا أكثر إيلامًا عندما لا تريد أن تكون كذلك، في حين أن الأشخاص الذين تعرفهم يستمتعون بأنفسهم معًا. 

تشير الدراسات إلى أن الكمية المتزايدة من المعلومات في الوقت الفعلي وشفافية الحياة الاجتماعية للآخرين تجعل الأمور أسوأ عندما يتعلق الأمر بإحساس الشخص بالوحدة.

3-القلق:

هذه الحالة من الاضطراب الداخلي، والتي غالبًا ما تأتي مع السلوك العصبي،  هي أيضًا سبب أساسي. وقد تجعل الأمور أسوأ، تستخدم أحيانًا وسائل التواصل الاجتماعي كإستراتيجية للتكيف من قبل الأشخاص الذين يعانون من القلق، مع فكرة أن التمرير الطائش والمتابعة هي وسيلة جيدة لتهدئة العقل، لكن في الواقع له تأثير معاكس! اكتشف الباحثون أن هناك ضريبة لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي وارتباطها بالقلق والفومو الذي قد يعلق به الناس مما يجعل الأمر وكأنها حلقة مفرغة.

تمت إضافة مصطلح فومو إلى قاموس أكسفورد في عام 2013، وتم تعريفه على أنه: «القلق من أن حدثًا مثيرًا للاهتمام قد يحدث حاليًا في مكان آخر، وهو الأمر الذي تثيره المشاركات على وسائل التواصل الاجتماعي».

المثير للاهتمام أن هذا القلق قد يمنعك من القيام بأشياء تستمتع بفعلها حقًا، فقط لأن الآخرين قد يستمتعون حاليًا بدونك. عندما تستسلم للفومو، تصبح مدمنًا على المعرفة، والإشباع الفوري للإعجابات، والاهتمام قصير المدى، والانشغال الذي لا معنى له، وتستمر في العودة لذلك للحصول على المزيد، وقد ينتهي بك الأمر إلى الانضمام إلى أشخاص في أنشطة لا تهتم بها في الواقع، فقط خوفًا من تفويت الفرصة والأحداث، ولكن في النهاية، أنت تُضيع حياتك.

 

فن عمل القليل

بدلًا من الاستسلام للضغوط الاجتماعية لنكون في المكان المناسب مع الأشخاص المناسبين، ومقارنة حياتنا بالآخرين، يجب أن نتدرب على ضبط ضجيج الصوت الداخلي وأن نكون واضحين منضبطين مع وقتنا.

عندما تحرر عقلك من مساحة القلق والتنافس سيمنحك هذا مزيدًا من الوقت والطاقة لمعالجة أولوياتك الحقيقية. فبينما يقضي الأشخاص الآخرون وقتهم في الركض وراء مشاهدة أحدث فيلم، أو تجربة أحدث تمرين، أو حضور المعرض الأخير، فإن التمسك بـالجومو «JOMO» -وهي اختصار لجملة « Joy Of Missing Out»- والتي تعني: متعة تفويت الأحداث، بمعنى الاستمتاع بالبقاء، والاستمتاع بصحبتك، والعمل على مشاريعك، في ظل وجود عالم مفرط بالنشاط والخيارات والمعلومات، حيث يمكن أن يساعدك هذا النهج – تقليص أمور الحياة – في الوصول لتحقيق المزيد.

يحثنا أستاذ علم النفس الدنماركي سفيند برينكمان (Svend Brinkmann) في كتابه المتعة في تفويت الأحداث «The Joy of Missing Out»، على العودة إلى الأفكار القديمة لضبط النفس والاعتدال حيث أنه قال: «الانسحاب وقول لا» هي مهارات نفتقر إليها «كأفراد ومجتمع»، فمن خلال ممارسة هذه المهارات، وغرس ضبط النفس، يمكننا تطوير طريقة لحياة أكثر إرضاءً وإثراءً لأنفسنا وباقي البشر، بالإضافة لفائدة إضافية وهي حماية كوكبنا الذي نتشاركه جميعًا.

الجومو في جوهرها هي طريقة لعيش حياة لها معنى، وهو إدراك أن الفومو يصرفك عن هدف حياتك، حيث أنك لست بحاجة إلى مزيد من الوقت، بل تحتاج فقط إلى استخدام وقتك بطريقة تسمح لك بالتصرف وفقًا لأفكارك ونواياك، مثل المشاريع الإبداعية أو قضاء الوقت مع الأشخاص الذين تهتم لأمرهم أكثر من غيرهم.



كيف تتقبل فكرة المتعة في تفويت الأحداث؟

من الصعب أن تعيش حياتك في مسار بطيء في وقت يتجول ويستمتع الجميع فيه، مما يعني أيضًا قضاء المزيد من الوقت بمفردنا مع أفكارنا، الأمر الذي قد يكون مرعبًا في البداية. لكن يمكن للجومو مساعدتنا في أن نكون ما نحن عليه حقًا، بدلاً من التصرف بناءً على ضغوط خارجية قد تمنحنا إرضاءً قصير المدى ولكن ندمًا على المدى الطويل.

فيما يلي بعض الطرق لجلب المزيد من الجومو إلى حياتك:

1-تبصر وفكر:

راجع كيف تقضي وقتك حاليًا، ما هي الأنشطة التي يسعى لها الجميع؟ هل تتعارض مع الأهداف المنشودة؟ كتابة اليوميات طريقة رائعة للحصول على الوضوح، والتأكد من قضاء وقتك في أشياء لها معنى بالنسبة لك، ومبنية على أولوياتك بعيدة المدى. 

2-قطع الاتصال:

اغتنم الوقت الذي تكون فيه منقطع عن الاتصال والتواصل، كما ناقشنا سابقًا تعد وسائل التواصل الاجتماعي أحد الأسباب الرئيسية للفومو، خذ وقتاً لإطفاء هاتفك وقضاء بعض الوقت بمفردك مع أفكارك، اقرأ كتابًا، اذهب في نزهة على الأقدام، ومارس الرياضة، مهما يكن ستشعر بالرضا.

3-أعد الاتصال:

سواءً مع نفسك أو مع الأشخاص الذين تهتم بهم، اجعل وقتك هو أولويتك، قم بجدولة الأشياء التي تهمك أكثر وتأكد من عملها، مهما كانت الالتزامات الخارجية التي قد تكون لديك، قضاء الوقت بطريقة هادفة سيساعدك على التوقف عن القلق بشأن الطريقة التي يقضي بها الآخرون وقتهم.

الناس على فراش الموت لا يندمون على تفويت فعاليات العمل، أو عدم الذهاب إلى تلك الحفلة، بل يندمون على عدم قضاء وقت كافٍ مع عائلاتهم، أو عدم العمل بجد لتحقيق هدف حياتهم، أو عدم التزامهم بحياتهم. لذلك بدلًا من أن تملأ عقلك بالندم، حاول أن تملأه بالذكريات الطيبة والإنجازات العظيمة. 

 

المصدر

إذن الكاتبة بترجمة ونشر المقال 

 

أحدث المقالات
أحدث التعليقات
الأرشيف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *