الوحدة التي لا نتحدث عنها

ترجمة بتصرف لمقال:( Lonely In a Way We Don’t Talk About by medium)

الترجمة: هناء القحطاني

التدقيق: رهف الفرج.

المراجعة: أسامة خان.

لكنّي لا أريدكم أن تقولوا بأني لست وحيدة.

لم أرد كتابة هذه القصة تقريبًا لأني فكرت أنه بمجرد أن تُنشر فسيقرأها الناس وبعدها سيعلمون، وعندما يعلمون حقيقة شعوري سيروني بشكلٍ مختلف، ويقرؤون كلماتي بشكلٍ مختلف، سيقرأها بعض الأشخاص في فراغهم معتقدين «هذا كل ما لديها؟» طبعًا ربما لن يقرأها إلا القلة، وإذا كانت هذه هي الحالة فسيكون الأمر جيدًا وسيئًا في ذات الوقت، أعني بربكم إذا كنت سأقوم بكشف سريرتي فربما سأقوم بهذا أمام الجميع، أو على الأقل هذا ما أشعر به.

الأمر هو أنِّي مؤخرا أشعر أني وحيدة جدًا، فضلاً تجاهل تلك الجملة. أعني أنا وحيدة بشكل يفطر القلب، أيضًا تجاهل تلك الجملة، وحيدةً طبيًا؟

هذه المشاعر البغيضة تُشبه المرض، الأمر لا يعود للعلاقات الغرامية والرومانسية، فأنا بخيرٍ دون ذلك النوع من العلاقات في حياتي حاليًا، إن هذا الشعور بالوحدة شيءٌ مختلف تمامًا، فهو مرتبط بشكل أكبر بالتواصل الإنساني،

إنه مرتبط بأمور الأمهات العازبات.

إنه مرتبط ربما بـ(إنها أنا).

هُنا في هذه المساحة سأكون صادقة جدًا فإنني أجد نفسي وحيدة تلك الوحدة التي يبدو أن قلة من البشر قادرين على فهمها، فأنا أعمل من المنزل ككاتبة وأعتني بطفلتي ذات الأربع سنوات ونحن نعيش في منطقة في ولاية تينيسي حيث المواصلات السيئة ولا وجود لأرصفة الطريق، ولذلك نقضي الكثير من الوقت لوحدنا.

حتى عندما تذهب طفلتي إلى منزل والدها لبضعة أيام فإنني أبقى في المنزل وأعمل ولا أعلم حقًا متى يجب علّي التوقف عن العمل حيث إنني كنت أكتب قبل تقاضي أجري وقبل أن أعرف إذا ما كنت قادرة على دفع فواتير كل شهرٍ في وقتها أم لا.

صدقًا، لم أكن بمثل هذه الحالة أبدًا، فحياتي لم تكن متمحورة حول العمل، لكن هذا ما أنا عليه الآن، وليس لدي علاقات اجتماعية أيضًا، في الواقع لم أحظى بعلاقة منذ خمسة سنوات (منذ بداية فترة حملي) وأستطيع أن أقول بأن خمس سنوات هي حقًا مدة طويلة لتعيش عدة تجارب إجتماعية، إنه لوقتٌ طويل، طويل بشكلٍ صادم، ليس لدي أصدقاء هنا يمكنهم قضاء الوقت معي، فلدي صديقة واحدة هنا وهي صريحة معي وليس لديها الوقت الكافي لنتقابل ولكنيّ ممتنة أنه باستطاعتنا قضاء الوقت معًا كأمهات مع أطفالنا أحيانًا، بالإضافة إلى ذلك فأني لا أعطي نفسي وقت فراغ فليس لدي وقتًا فارغًا، فأيامي مليئة بالأمومة والكتابة، ومع ذلك فأنا أشعر بالوحدة كل يوم.

إنني في هذا العالم المُنعزل الذي يبدو فيه كل شيء كبيرًا وصغيرًا في الوقت نفسه، ذلك العالم المليء بالجمال والألم، على الأقل هذا ما أخبرت به نفسي مرارًا وتكرارًا.

ولهذا السبب، وجدت نفسي في هذا النمط المتكرر نمط الدموع المُريرة والصراخ الصامت والكلمات الصاخبة. انتظر وانتظر وانتظر لأن لدي بعض الأمل بأن كل شيء سيكون أفضل يومًا مـا.

وعلى الرغم من نشأتي وحيدة في عائلة مُتفككة إلا أني اعتدت على أن أكوّن العلاقات بشكلٍ أفضل، كان ذلك عندما كُنت في المدرسة، عندما كنت صغيرة ومتألقة، لكنّي الآن مُتعبة وأكبر سنًا، أنا الآن أكثر سئامةً وجرأةً في كتاباتي، وأكثر هدوءًا في أقوالي، أنا مُختلفة وأشبه نفسي القديمة، تخرجت وأدركت متلازمة الأسبرجر في نفسي. ولكني وحيدة وخاوية أكثر من أي وقتٍ مضى.

أشعر بالذنب عندما أعترف بمقدار وحدتي في حين أن لدي ابنتي لأفكر فيها وأخجل لأن وحدتي تأتي بكلفة، بعار. لذلك أرغب في الصراخ، وإخراج كل هذه الوحدة كما أنشر الغسيل القذر، لأرى ما إذا كان العار سيزعزع كل هذا العفن. أنا لست جاهلة، فأنا أعلم بأنه من الجنون أن أكون في الـ36 من عمري دون علاقات، أو أشخاص، أو أماكن أذهب إليها، ففي هذا الزمن أن تكون وحيدًا أسوأ من أن تكون أعزبًا، ولكن في كلتا الحالتين سيحكم عليك الناس، سيبدؤون بالتساؤل: ما الخطب! ربما لهذا السبب أردت أن ارمي كل هذه الأفكار في الفراغ، أردت أن يسمعها أحد ويعرف حقيقة شعوري، فالوحدة وحشٍ ضارٍ، أريد أن يعرف الآخرين كيف يقودني لشفير الهاوية.

 

كم يجعلني ذلك أنزف.

بشكلٍ ما أريد أن أكتب عن حقيقة الوحدة، أريد أن أعطي ذلك الوحش وجهًا وملامحًا، فهو لايشبه كونك وحيدًا في غرفة مزدحمة بالناس.، فمن الواضح أن هذا الشعور بالوحدة حقيقي، ولكن ليس هذا ما أتحدث عنه، ما أتحدث عنه هو نوع الوحدة الأساسي حيث تعيش وحيدًا مع طفلتك، وتعمل وحيدًا في منزلك، وتتحمل مسؤولية حياتك وحياة صغيرتك، فليس هناك قبيلة أو مجتمعٌ حولك يساندك، ومع مرور الوقت ستعلم بأن هذه الوحدة سيئة بالنسبة لك.

 

ولكن مع ذلك ستظل الوحدة.

 

هذه الوحدة المريعة التي تجتاحني عندما يحل موسم الأعياد شتاءً، وأبدا بالشعور بالاختناق لأن تجمع العيد الوحيد بالنسبة لي هو ذاك التجمع المحرج مع والد طفلتي وعائلته، حيث لا يرغب أحد منهم في تواجدي لأني العشيقة السابقة ووالدة طفلتهم التي لا تملك حياة خارج عملها وطفلتها.

وبينما يتزوج الآخرون مجددًا وينجبون أطفالًا مرة آخرى، أنا أبدو كغريبة الأطوار التي لا تستطيع أن تتجاوز خيبتها، لقد تجاوزتها بالقدر الذي يمكن لأي شخص آخر أن يفعل عندما يكون وحيدًا حقًا.

يحدث أن يكون هذا النوع الغريب من الوحدة الذي لا نتحدث عنه عادةً، هذا النوع من الوحدة الذي يخبرني فيه الآخرين بإنني لست وحيدة، وأنه يجب أن أتواصل مع عائلتي وأصدقائي، ولا يعلمون بأني في الواقع لا أمتلك عائلة ولا أصدقاء.

أحيانًا عندما أشاهد صفحتي في الفيسبوك، لا أرى حقيقةً إلا الإمتيازات، أرى أُناسًا لا يملكون أدنى فكرة عن مدى حظهم بامتلاك أهل وأقارب، وأصدقاء طفولة، لا يملكون فقط جذورًا، بل جذورًا عميقة.

أكتب عن هذه الوحدة، هذه الوحدة الثقيلة والملموسة، التي تجعلني أشعر كاليتيمة التي بلغت من العمر سنًا لا يصح اعتبارها فيه يتيمة، أشعر بأني غير معروفة، فلا أحد يعرف حقيقتي فلا يعرفون كم أحب السفر، والمُدن الكبرى، وكم أحب الخروج ومشاهدة الأفلام، والاستمتاع بالعروض الموسيقية الحية، وكم أحب الاحتفالات والشُرب، ولا يعرفون كم أنا فراشة اجتماعية منطوية.

ولا يعلمون كيف أن أجزاءً من تلك الخمس سنوات كانت حزينة جدًا، فكيف يمكنك أن تُخبر الناس عن كل ذلك؟ كيف أن أعظم شيء حدث في حياتك كان له تأثيرٌ كبيرٌ عليك، كيف أنك لم تندم، ولكن ببساطة تنتظر اليوم الذي تستطيع أن تقول فيه «لهذا السبب انتظرت»، أو أن هذه الوحدة ليست أبدية.

لا أعرف كيف أقول هذه الأمور وكيف أجعلها تُسمع، هذا سببٌ من الأسباب الذي جعلني أكتب، لا أعرف كيف أُعطي نفسي صوتًا يرغب الآخرون في سماعه لذلك أكتب، وأدعو الله بأن يكون ما أكتب مفهومًا ويُشعر به، ويُشجع القراء على التعليق الذي أتمنى أن لا يحتوي على كلماتٍ تدل على تعاطفٍ معي أو أني لست وحيدة. لأني أريد فقط أن أجعل الناس يشعرون بأن الوحدة ليست مجرد مشاعر فقط فهي أعمق من ذلك.

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *