فهم الاِسْتَمالَة الاِسْتِشْفائية للهوايات المنزلية

ترجمة بتصرّف لمقال: (Understanding the Therapeutic Appeal of Domestic Hobbies by Jean Kim)

لماذا أصبح الطبخ، والبستنة، وما إلى ذلك من الآليات المفضلة للتكيف مع الوباء؟

ترجمة: ربى الهاجري @Rubaalha1
تدقيق ومراجعة: لمى الجريّد
مراجعة نهائية: أسامة خان

من المثير للاهتمام رؤية التوجهات التي تطورت خلال الوباء، والتفكير في كيفية ظهورها. مع بقاء كثير من الناس في منازلهم، أصبحت الأنشطة التي تركز على الحياة المنزلية آلية تكيُّف هائلة. فالطبخ، والخَبز، والبستنة، وكل المهارات الأساسية للبقاء على قيد الحياة منذ زمن سحيق أصبحت الآن تخدمُ واجبًا مزدوجًا على الصعيد العملي والنفسي. وبعودتنا إلى المهارات التي استخدمها المستوطنون الغربيون في البراري للحفاظ على منازلهم المعزولة، عدنا أيضا إلى نوع من عقلية البقاء الأولية بقلقنا بشأن توريد الغذاء والمناديل، ومن التعرض للفيروس.

ولكن لأن الاعتماد على المنزل المنعزل ليس بالضرورة المطلقة، بالنظر إلى جميع وسائل الراحة الحديثة الأخرى التي لا تزال لدينا الآن في المقارنة، مثل الكهرباء، وتسليم البريد «كما نأمل»، والشبكة، وما إلى ذلك، أضافت أنشطة البقاء هذه بُعدًا جديدًا يضفي شعورًا مريحًا بضروريتها. 

فمالذي يجعل هذه الأنشطة اِستشفائية؟

ثمة بعض المقارنات للتحركات الأخيرة في مجتمعنا الحديث تعكس قلقًا بشأن الاعتماد المفرط على التقنية، والتدمير البيئي، والتركيز الرأسمالي على الإفراط في العمل و المكاسب المادية.

وحتى قبل انتشار الوباء، اختار بعض الناس طواعية العيش في «بيوت صغيرة جدًا» في الطبيعة لتقليل بصمتهم الكربونية، والبدء في البحث عن خضروات جذرية للأكل في الطبيعة، أو التحول إلى هواياتٍ حرفية عصرية مثل تخليل الأطعمة، وتربية الدجاج، وتخمير البيرة. ثمة تزايد في الرغبة بالشعور بالاتصال والقرب من الأرض والتعايشِ مع هذا الكوكب.

على عكس الأحاسيس المجردة المتزايدة للواقع الافتراضي، وللسيارات ذاتية القيادة، وللعب دورِ في الأفاتار، وإلى تفكك التجارة التقليدية حتى أصبح الذهاب للتسوق غير ضروري. وللتوجه إلى إحساسٍ بالتوازن البشري، والانسجام مع الطبيعة قبل جنون الثورة الصناعية وتركيزنا الذي يتبعها على المال والآلات والراحة المادية باسم زيادة العمل والربح والإنتاجية. 

والآن مع عمليات الحظر الضرورية، أصبحنا نعتمد على التقنية أكثر من قبل للحفاظ على اقتصادنا وعلى وظائفنا بالعمل عن بعد عندما يتاح ذلك. ولكن من ناحية أخرى، وقفنا قليلًا للنظر في كيفية التأقلم مع العزلة ومع وجودنا المحاصَر بلا سفر أو أحداث اجتماعية كبيرة وغيرها.

من خلال التركيز على الأنشطة الصغيرة الأساسية التي توفر أغراضًا متعددة —التي تلبي الاحتياجات العملية لإطعام أنفسنا وعائلاتنا وتوفير القوت عندما يكون تناول الطعام في الخارج أقل توافرًا، والاستمتاع باللذة الفورية للطعام، وتقدير الجمال المهدئ للزهور والبستان — يمكننا كذلك تخفيف القلق الشديد من هذا الحدث العالمي المزعج.

حتى قبل الوباء، كانت هذه الهوايات ذات شيوع من وجهة نظر الحركات العلاجية الحديثة القائمة على الذهن مثل حركة «المرح» في الدنمارك، والتي تركز على تواضع مصدر الابتهاج «مثل الابتهاج بالشموع المعطرة والبطانيات المحبوكة» لتعزيز الراحة في المنزل خلال شتاء بارد طويل «وشعور مماثل بالعزلة المفروضة».

والفكرة هي توفير شعور أساسي بالإنجاز والتَمَكُّن‬ عن طريق شيء يوفر إرضاءً بَنّاء وحقيقي دون الشعور بالإلحاح أو الاستعجال أو الحاجة إلى تقديرٍ من مصدر خارجيّ. الاستمتاع بالعيش ببساطة.

أظهرت العديد من الدراسات «كما لوحظ في مقال مراجعة لـ فارمر، توشتون-ليونارد، وروس، ٢٠١٨ للطهي، ولـ سوغار إم، وغاستون كي جي، وياماورا واي ٢٠١٧ للبستنة» أن هذه الأنواع من الأنشطة توفر مزيجًا صحيحًا من المشاركة المعرفية والجسدية والعاطفية لتعزيز المزاج، والإبداع، والرفاهية. هذا التركيز على التوازن اللطيف والفرح الناجم عن أمور متواضعة يرتبط بهوايات تأملية أخرى مثل كتب التلوين العلاجية التي راجت مؤخرا، والحياكة، والرسم، وأكثر من ذلك.

إنّ عملية عجن وخبز رغيف الخبز حرفةٌ من الأيام الأولى للحضارة الإنسانية، فالمكونات التي تكون متاحة بسهولة وتنتج شيئا يملأ ويتخلل الحواس مع الشعور بدفئ الموقد؛ تلهينا عن الأخبار السيئة حولنا. رعاية وسقي النباتات وجني الثمار والأعشاب من جهودك هي وسيلة مهدئة لتشعر أنك تعطي وتتلقى على حد سواء  بالطريقة الأكثر جوهرية وتفاؤلًا.

ليست الفكرة وراء التوجه إلى هذه الأنشطة إنكارًا أو تجاهلًا لعوامل الإجهاد الاجتماعية والاقتصادية والصحية والنفسية الحقيقية التي سببتها هذه الجائحة المأساوية، أو محاولةً أنانيةً للهروب من الواقع.

ولكن مع المخاوف الوجيهة من جائحةِ صحةٍ عقليةٍ ثانويةٍ تنجمُ عن الخسائر النفسية الشديدة الناتجة عن كوفيد ١٩، إذا توافرت طرق إيجابية مفيدة لنلجأ إليها فنَحُدَّ من الاكتئاب والقلق المتزايدين، بالإضافةِ إلى النشاط الاجتماعي والسياسي لمعالجة مشاكل الدمار المالي والطبي الضخمة التي تحدث، فبجانب طلب المساعدة من المختصين إذا أصبحت مشاكل المزاج أو القلق لديك منهِكة بشكل خطير، أعتقد أن التوجه إلى هذه الأساليب المتواضعة لتحقيق الذات قد يقودنا لتقدير الحياة أكثر. 

المصدر

أحدث المقالات
أحدث التعليقات
الأرشيف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *