الاحتِراق الإبداعي: عندما يتوقف تدفق الإبداع.

ترجمة بتصرّف لمقال: (Creative burnout: when the creativity tap runs dry By Anne-Laure Le Cunff)
مصدر الصورة:(Unplash, @pavement_special)

كتابة: آن لوري لو كونف.
ترجمة: رزان الصليهم. TRArazan@
تدقيق ومراجعة: مها العتيبي.
المراجعة النهائية: أسامة خان.

الإبداع سريع العَطَب: إنه يحتاج لتغذيةٍ كافية من الإلهام، ولكن ليس كثيرًا، فاستهلاك كمياتٍ مبالغٍ فيها من المعلومات قد تهدمُ توازنهُ الدقيق. الإبداع يحتاج حيزًا للنمو، لذلك حذارِ من الإكراه، فقد تؤدي الأعمال الآلية إلى نتائج لا روحَ فيها. وعلى الرغم من كل اهتمامنا، فهو يختفي بين حين وآخر: أي أن صنبور الإبداعِ قد توقفَ عن التدفق. وهنا نواجه الاحتِراق الإبداعي الذي يهابه الجميع.

سواءً علموا ذلك أم لا، فأيُّ مصمم أو فنان أو كاتب أو رائد أعمال أو مصوِّر أو منشئ محتوى من أي نوعٍ قد واجهوا هذا الاحتِراق مرة واحدة على أقلِ تقديرٍ. فهو حالة من الاستنزافِ العاطفي و الجسدي و الذهني حول العمل الإبداعي. قد يصعب تحديد أعراضه بدقة، و أسبابه المحتملة عديدة.

أعراض الاِحتِراق الإبداعي

لأنه من الطبيعي ألّا يستمر الإبداع على رتمٍ واحد بسبب عوامل كالنوم و مستويات التوتر، فالاحتِراق الإبداعي قد يتوارى عن الأنظار، وقد يبدو كتسويفٍ مؤقت أو إرهاق أو افتقار للدافع. لكن بالنسبة للأشخاص الذين يهتمون لأعمالهم بصدق، وللأشخاص الذين يستندون على نتاجِ فكرهم كمنفذٍ عاطفي، فإن الاحتِراق الإبداعي قد يحمل أثرًا مدمرًا على صحتهم العقلية.

قبل أن تعود الأمور لنصابها، عليك أن تلاحظ أن هنالك خطبًا ما في المقامِ الأول. خذ بعين الاعتبار علامات الاحتِراق الإبداعي التالية. وعلى حدة، معظم هذه العلامات غير مؤذية. لكن إن كانت لديك أكثر من عرضين منها، فقد حان الوقت لتصويب الأمور.

  1. التسويف: تأجيل أعمالك لبضعة أيام لأنك لا تملك مايكفي من الطاقة الذهنية أمرٌ لا يدعو للقلق. لكن إذا سَوفتَ لفترات طويلة، و تجاهلت المواعيد النهائية المهمة فإن ذلك قد يشير إلى احتراق ابداعي.
  2. المجاهدة للقيام بالأعمال الاعتيادية: هل قائمة مهامك تزداد طولًا على طولها لكنك لا تستطيع إرغام نفسك على شطب أيّ منها؟ أأنت متهربٌ من الواقع و مهملٌ الجبل النامي من الأشياء البسيطة التي عليك التخلص من عبئها؟ قد يكون هذا عرضًا آخر.
  3. الإرهاق المستمر: أحيانًا لا يتمتع الإنسان بقسط كافٍ من النوم، مما يجعله يتّسم بالكسل في اليومِ التالي، وهذا أمر لا بأس فيه. ولكن إذا دام الإرهاق الجسدي لفترة طويلة من الزمن رغم أخذ قسط كافٍ من النوم، لربما أنت في مرحلة الاحتِراق.
  4. إجهاد نفسي غير مبرر: يمكن للعمل الإبداعي أن يكون مرهقًا. مواعيدٌ نهائية، و مشاريعٌ معقدة كثيرة الأجزاء المتحركة، و عميلٌ لحوح… هذه العوامل تسبب توترًا وإجهادًا ضمن منحنى الإعتدال «Goldilocks»، بمعنى أنها مازالت تحت السيطرة. لكن الاحتِراق الإبداعي قد يجعلك تشعر بالإجهاد المستمر دون القدرةِ على تحديدِ السبب الحقيقي.
  5. مقارنات غير صحية: نحن متواصلون ببعضنا أكثر من أي وقت مضى، والكثير من منشئي المحتوى يتابعون أعمال زملائهم في المجالِ عبر الإنترنت. وبعض هؤلاء المنشؤون هم أكثر إنتاجية من غيرهم، و إنتاجيتهم متقلّبة، تصعد تارة وتنخفض تارة أخرى. إذا لم تستطع النظر إلى نتاجهم دون مقارنته مع إنتاجيتك بصورة سلبية، فربما أنت تعاني من أحد أعراض الاحتِراق الإبداعي.
  6. استهلاك غير متوازن للمحتوى: بصفتك منشئًا للمحتوى، فمن الضروري أن توازن بين مستويات المدخلات الإبداعية و الناتج الإبداعي. عندما نجهد أنفسنا أكثر من اللازم، كثيرًا ما نجد أننا نتصفح الإنترنت دون توقف و نشاهد المسلسلات التلفزيونية بإفراط، لا أن ننجز أعمالنا الخاصة.
  7. خشية الصباح: هل واجهت قبلًا ذلك الشعور بالذعر وكأن النهاية اقتربت، حيث يسارع عقلك بالتفكير بالمستقبل وكل شيء يبدو بائسًا؟ الأوقات العصيبة قد تجعلنا نخشى الاستيقاظ من النوم. وما إذا استمر هذا الشعور، فقد يكون هذا علامة على احتراق إبداعي، أو أمر أكثر خطورة.
  8. عادات مؤذية: تناول الغذاء غير الصحي أو الإفراط في تناولِ الطعام أكثر من العادة أو ترك روتين التمارين، أو شرب المزيد من الكحول… إذا كنت تمر باحتراق إبداعي، فلربما تتعامل معه من خلال آليات مضرة تزيد من شعورك بالسوء. 
  9. سرعة الإنفعال: لربما شعرت بخيبةِ أمل من زملائك أو بالانزعاج من شريكِ حياتك أو بسرعةِ الغضب على أطفالك. لو لاحظت أنك أكثر مزاجية عن العادة، فقد يكون هذا أحد أعراض الاحتِراق الإبداعي.
  10. التشكيك بالذات: أخيرًا، ربما تعتقد أنه من المحالِ أن تكون جيدًا على نحوٍ كافٍ، أنّ عملك لا معنى له، أو أنك تفتقر للمخيلة المطلوبة— رغم أنك قد أنتجت أعمالًا إبداعية خلاقة في السابقِ وتلقيت الثناء عليها.

وينبغي التطرق لاثنين من المحاذيرِ الهامةِ المتعلقة بقائمة العلامات المذكورة. أولًا هنالك فرق بين الاحتِراق الإبداعي و العجز الإبداعي المتعارف عليه. فمن الطبيعي أن تكون عاجزًا عن الإبداع بين حينٍ لحين، وقد يدوم عجزك عنه لفترة طويلة. ومن شأنه كذلك أن يسبب توترًا وإجهادًا، لكنه لا يتقاسم نفس الأعراض التي تجدها في الاحتِراق الإبداعي.

ثانيًا، إذا كنت تعاني من عدد من هذه العلامات، أو حتى واحدة منها لفترة طويلة، فقد يكون ذلك بسبب أمر أكثر خطورة من الاحتِراق الإبداعي. نجد كثيرا من هذه العلامات في اعتلالات الصحة النفسية، كالاكتئاب و الاضطرابات الناجمة عن القلق و الاضطرابات العاطفية الموسمية أو ربما تكون ناجمة عن مشكلات في النوم. واذا انتابك الريب، فالأمر دومًا يستحق استشارة مختص.

كيف تسترد نفسك من الاحتِراق الإبداعي:

قد يجعلنا الاحتِراق الإبداعي نشعر بالعجز، وكأنما ليس هنالك من شيء يمكننا القيام به حياله. لكننا نملك سبُلاً و يمكننا استعمال استراتيجيات بسيطة لنكسر الدوّامة. وبالطبع، البساطة لا تعني السهولة، لكن إزالة التعقيد الذي لا داعي له من طريقتنا للمعالجة يجعلها أكثر قابلية للنجاح.

  • اُنْشُدْ الدعم: لأن الاحتِراق الإبداعي يؤثر على عملنا، فقد تُملي علينا غريزتنا الأولى إخفاء صِراعنا عن زملائنا. لكن مجرد اللجوء لشخص ما وإخباره: «أشعر بأنني مرهقٌ ومستنزفٌ في الآونة الأخيرة» من الممكن أن يُعينك على نحوٍ كبير. وستجد أن أغلب الناس سيُساعدونك ببالغ السرور، سواء عن طريقِ معاونتك على مشروعٍ ما، أو مساعدتك بالعصف الذهني عن أفكارٍ جديدة، أو عن طريقِ مجرد الإستماع لك. الإعراب عن معاناتك تعد خطوة أولى رائعة للتعافي من الاحتِراق الإبداعي.
  • خُذْ فترة راحة: ولا نعني بذلك المشي لفترة قصيرة الذي قد يُعينك في التغلب على العجز الإبداعي؛ فهو ليس كافيًا للتغلب على الاحتِراق الإبداعي. خذ فترة لائقة من الراحة، مثل إجازة لبضعة أيام، وقم بتشغيل المجيب الآلي الذي يوضح أنك خارج نطاق مكان عملك، وبذلك لن ينتظر منك أحد أي خدمة. القلق الناشئ من معرفة أنه عليك العمل لكنك لست قادرًا على إجبار نفسك على فعله يعد كالدوامة المُفزعة. أخذ فترة من الراحة يعد وسيلة للهرب من هذه الدوامة حتى تتمكن من فتحِ صفحة جديدة. استغل وقتك لفعل أشياء لا علاقة لها بعملك دون أن تشعر بالذنب: اقض وقتًا مع أحبائك، واقرأ الكتب، وخذ غفوات من النوم، وأعد الطعام، وشاهد المرئيات، و اِسْتَغِلَّ عطلة نهاية الأسبوع في الذهابِ في رحلة إلى الريف، واهتم بنباتِك… أو لا تفعل شيئًا، فلا بأس بذلك.
  • خَصّصْ وقتًا للتأمل الذاتي: اسْتَبدِلْ قلقك الوجودي المُهلك بالتأمل الذاتي الهادف. من الممكن أن يتخذ هذا شكل التدوين في مفكرة يومية، أو مناقشة مشكلاتك مع صديق، أو إعادة النظر في بيئتك الحالية و جدولك اليومي، أو القيام بجلسة تدريب تحفيزية، أو مجرد التحدث مع نفسك بصوتٍ عالٍ. يصعب التحكم بالاحتِراق عندما لا نتمكن من تمييز المصدر. حوّل نفسك إلى عالمٍ ذاتي التجارب و حاول الكشف عن جذور المشكلة.
  • ألقْ نظرة على أعمالك السابقة: عادة ما يصاحب الاحتِراق الإبداعي تشكيكٌ بالذات، لذلك فإنه من السهل أن تنسى كل إنجازاتك السابقة وتركّز على التحدياتِ التي تواجهها حاليًا. تصفح أعمالك السابقة، الذي يسرك منها والذي يسوؤك. إن كان العمل من أعمالك الرائعة، فتذكر كيف أن صنعه لم يكن بتلك السهولة. وإن لم يكن بتلك الروعة، فتمعّن في مدى التقدم الذي أحرزته. استجمع المشاعر التي تنتابك بينما تُمعن النظر في أعمالك واستخدمها في التغلب على تشكيك الذات.
  • ابْدَأ بالأساسيات: اخْترْ أبسط ما يمكن اختياره من أعمالك الإبداعية التي يمكنك إنجازها حتى تعاود العمل من جديد. هل تحاول تأليف كتاب؟ اكتب فقرة واحدة إذًا. هل تحاول تصميم موقع؟ اِعْمَلْ على مخطط هيكلي واحد. بدلًا من أن تنظر إلى كومة الأعمال المتراكمة أمامك وتشعر بالعجز، خذ الأمر بروية.

لا تنسَ أن تكون لينًا مع نفسك. الاحتِراق الإبداعي لا يعني أنك لا تلقي بالًا لعملك؛ ولا يعني أنك كسول؛ ولا يعني أنك عديم الموهبة. قد ينشأ الاحتِراق الإبداعي من الهوسِ بالكمال، أو الضغوط الخارجية، أو الآمال العريضة، أو فرط الحساسية. إنه حالة مؤقتة، وليس وضعًا دائمًا.

الوقاية خير من العلاج

بينما تتواجد استراتيجيات بسيطة للتعامل مع الاحتِراق الإبداعي، فأفضل طريقة للتعامل معه هي أن تتجنب الاحتِراق في المقام الأول. ولأن أسباب الاحتِراق الإبداعي متعددة، فصُنع منصة ذهنية لدعم صحتك و إبداعك يمكنه أن يقطع شوطًا طويلًا، بالرغم من أنه قد لا يكون ممكنًا دائمًا.

  • المعرفية: لا تنتظر حتى تسوء الأمور لتبدأ بالتفكير مليًا بحقيقة شعورك ومدى تقدمك وأهدافك ومحفزاتك. المعرفية تعني «التفكير بالتفكير» بما يعني أن تكون على دراية بوعيك حتى تستطيع اتخاذ أفضل الاستراتيجيات للتعليم و لحل المشكلات، بالإضافة إلى معرفة كيفية اتخاذ قرار تطبيقها. وتشتمل على تخطيط ومتابعة وتقييم عملك الإبداعي بصورة مستمرة، حتى تتمكن من رصد أي علامة مبكرة للاحتراق الإبداعي.
  • الإنتاجية المتيقظة: التيقظ والإنتاجية قد يبدوان معاكسان لبعضهما، لكن استعارة بعض مبادئ اليقظة عند مزاولةِ العمل الإبداعي ستساعدك على بناء بيئة عمل ذاتية مستدامة. ويمكننا تعريف الإنتاجية المتيقظة بأن تكون واعيًا وحاضرًا في العملِ الذي تقوم به. وهذا لا صلة له بالتأمل؛ فالأمر هنا عبارة عن الاعترافِ بمشاعرك وأفكارك وتقبلها بروية بينما أنت منخرط في عملك ونشاطاتك الإبداعية. 
  • العادات والروتينات والطقوس: تَأَكَّدْ من فهمك لأساسيات الصحة الجسدية والعقلية. تَملُك كلّ من العادات والروتينات والطقوس مستويات متفاوتة من القصدية أو التعمّدية، وكلها تساعدك على الشعور بالتوازن والصحة. تحكّم في عاداتك، واستمر في روتيناتك، واِصْنَعْ طقوسًا جديدة وهادفة تمكنك من التواصل مع ذاتك الداخلية بصورة أفضل.
  • حمية المعلومات: النهج المتيقظ إزاءَ استهلاك المحتوى هو أن تتحكم في كميةِ و جودةِ المحتوى الذي تستهلكه. هل هذا المحتوى مغذٍّ وملهم ومشجع على الفضولِ و النموِ على المستوى الشخصي؟ أم هو مستنزفٌ و مسببٌ للقلق؟ تحكم بحميتك الخاصة بالمعلومات عن طريق تنظيم محتوى صندوق الوارد و إضافة «أطعمة» ذات جودة عالية لقائمة المحتوى، وجدولة استهلاكك للمحتوى.
  • الإلهاء المنظم: الكثير من منشئي المحتوى تبنّوا فكرة أنهم يحتاجون للتركيز بإفراط على عملهم. لكن أدمغتنا لم تخلق لتُداوم على التركيزِ لفتراتٍ طويلة. نحتاج للتناوب بين التركيز والإلهاء. بدلًا من إرغامِ نفسك على العملِ بينما أنت مرهق و مفتقر للدافعية، تأكد من أخذِ فترات راحة إبداعية. ستساعدك على استعادةِ دافعك وتمنع من ملل القرار و تحسن من صحتك العامة.

تؤثر اختلافاتنا الفردية على تجربتنا مع الاحتِراق الإبداعي. فلربما يسهل التحكم به لدى البعض، وقد يكون أمرًا يتعذر التغلب عليه لدى البعض الآخر. أينما تجد نفسك حاليًا، اِعْلَمْ أنه من الممكنِ أن تكسر الحلقة وتنهض من جديد؛ واِعْلَمْ أن من حولك هم أفضل مصدر للدعم؛ و أن الاحتِراق الإبداعي لا يمثل البتة شغفك وموهبتك وأخلاقيات عملك. لا يوجد علاج دائم للاحتراق الإبداعي: التنبه للعلامات المبكرة و تطبيق بعض العلاجات المنزلية البسيطة هي الطريقة المثلى للتعامل معه.

المصدر
تمت الترجمة بإذن من الكاتب
أحدث المقالات
أحدث التعليقات
الأرشيف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *