أفكارك تبرمجك.

ترجمة بتصرف لمقال: How Your Thoughts Change Your Brain, Cells and Genes by Debbie Hampton

تدقيق: شوق فهد.

جسدك في حالة تفاعل فيزيائي مستمر، في حالة تغير حقيقي إستجابة للأفكار التي تدور في عقلك.

ثبت مراراً أن محض التفكير في شيءٍ ما يرسل إشارة إلى دماغك لإفراز ناقلات عصبية و هي موصلات كيميائية لتتواصل مراكز الدماغ مع بعضها ومع بقية الجهاز العصبي. تتحكم الناقلات العصبية بكل وظائف جسدك تقريباً، من هرمونات وهضم وشعور بالسعادة أو الحزن أو القلق.

أثبتت الدراسات أن الأفكار وحدها قادرة على تحسين الرؤية واللياقة والتحمل. فإنما تعمل العلاجات الإيحائية (بلاسيبو) -على سبيل المثال- بفعل قوة الفكرة كما في العمليات الوهمية والعقاقير المزيفة.

ثبت أن التهيؤ لحدوث الأشياء ، وفلسفة السلوك (إحدى نظريات التعلم التي فسرها بافلوف: المترجم) قادر على تغيير كيمياء الدماغ ودائرة عمله مما يؤدي إلى نتائج فسيولوجية وإدراكية حقيقية ملموسة، كتحسن النشاط والجهاز المناعي، و اتزان الهرمونات و انخفاض مستوى القلق. 

كتب ليان ماك في تجربته “تجربة النية: إستعمال أفكارك لتغيير حياتك والعالم” :

أثبت عدد معتبر من الأبحاث المقامة على مدى ثلاثين عاماً ، فيما يعنى بطبيعة الوعي الإنساني ، أن الأفكار قادرة على التأثير في كل شيء ، من الآلات الأبسط حتى الكيانات الأعقد. وهذا الإثبات ينوه بأن الأفكار والنوايا البشرية هي أشياء “فيزيائية” تحمل قوة خارقة لتغيير العالم، كل فكرة تخطر ببالنا تمثل في حقيقتها طاقة ملموسة لها القدرة على التحول من شكل لآخر. الفكرة ليست شيئاً وحسب، إنما شيء يؤثر على أشياء أخرى. 

أفكارك تنحت دماغك

كل فكرة تطرأ على بالك تسبب تغيرات كيميائية عصبية، بعضها مؤقت وبعضها الآخر دائم. فعلى سبيل المثال: عندما يمارس الأشخاص الإمتنان بصورة واعية، يتدفق في أدمغتهم موصل كيميائي يعطي شعوراً بالمكافأة، كالدوبامين المرتبط عادة بالنورإيبينيفرين مما يوقظ أدمغتهم وينشطها.

في إحدى الدراسات عُرضت على طلاب عاشقين في الجامعة صور حبيباتهم فتنشط مركز الشعور بالمكافأة في دماغهم المسمى بالنواة الذنبية مما يشعرهم بسحر الحب، وعندما توقفوا عن النظر إلى الصور عاد مركز المكافأة إلى سباته ثانية.

ما يتدفق داخل عقلك ينحت دماغك بصورة أبدية، تخيل دماغك كطوفان من المعلومات الجارية في جهازك العصبي الذي يمثل في طبيعته كل السيالات العصبية الكهربائية التي تتمشى فيه ذهاباً وإياباً دون إدراكك.

فبينما تسافر الفكرة في دماغك تشتعل الخلايا العصبية دفعة واحدة بدرجات متفاوتة بناء على المعلومات التي يتناولها دماغك. ودرجات الإشتعال العصبي هذه تغير بنية دماغك العصبية.

المناطق النشطة من دماغك تبدأ بصنع روابط جديدة بين بعضها البعض، وبينها وبين روابط متواجدة مسبقاً. الروابط التي تنشأ بين الخلايا العصبية الأنشط تزداد متانة وحساسية فتبدأ بإنشاء مستقبلات أكثر، بينما تنشأ وصلات جديدة أخرى.

من الأمثلة المشهورة على ذلك، الدراسات عن سائقي أجرة لندن ، إذ تبين أنه كلما طالت الفترة التي يقود فيها شخص سيارة أجرة  تضخمت الحصين (هيبوكامباس) -الجزء المسؤول عن الذاكرة المعنية بالقدرات المكانية والمساحات في الدماغ- ، فأدمغتهم تضخمت حرفياً لتلبي المتطلبات المعرفية المتعلقة بشوارع لندن. 

كما أثبتت الدراسات المنافع العديدة لممارسة التأمل، وأنه يأتي بنتائج ملموسة يمكن قياسها. كتغيرات في حجم المادة الرمادية، وانخفاض النشاط في مركز “الأنا” في الدماغ، وتحسين الإتصال بين مناطق الدماغ المختلفة. 

أفكارك تبرمج خلاياك

الفكرة حدث كهروكيميائي يحدث في خلاياك العصبية ، ينتج عنه سلسلة من التغيرات الفسيولوجية. 

يشرحه هذا المقال بعنوان” كيف تبرمج أفكارك خلاياك” :

“توجد ألوف مؤلفة من المستقبلات على كل خلية من خلايا جسمنا، يختص كل مستقبل بالتعرف على بروتين أو ببتيد معين. فحين تنتابنا مشاعر غضب أو حزن أو ذنب أو حماسة أو سعادة أو توتر ، يطلق كل شعور زوبعته الخاصة من البيبتيدات العصبية، وتعصف هذه البيبتيدات في الجسم وتتصل بتلك المستقبلات المختصة التي تغير بدورها بناء كل خلية على حدة.

يصبح المفهوم مثيراً حقاً عندما تنقسم الخلايا، فإذا تعرضت الخلية الأم لبيبتيد معين أكثر من دونها من الخلايا فسينتج عن انقسامها خلية عليها مستقبلات أكثر اختصاصاً بذلك البيبتبد. وعلى غرار ذلك، سينتج عن انقسام الخلية الأم التي لم تتعرض بشكل كبير إلى بيبتيد معين، خلية عليها مستقبلات أقل اختصاصاً بذلك اليبتيد”.

فإذا كنت تشبع خلاياك بالبيبتيدات الناتجة عن أفكار سلبية فإنك تبرمج خلاياك حرفياً لمزيد من التشرب بتلك البيبتيدات السلبية في المستقبل. والأدهى أنك تقلل -في الوقت نفسه- عدد المستقبلات للببتيدات الإيجابية، مما يجعلك تنزع إلى السلبية.

يتم إستبدال كل خلية في جسمك كل شهرين تقريباً، الجيد أنك تستطيع إعادة برمجة الخلايا السوداوية لتصبح أكثر تفاؤلاً عن طريق تمارين الأفكار الإيجابية، كفن الإستغراق العقلي (الوعي الآني)، والإمتنان للحصول على نتائج طويلة المدى. 

أفكارك تُفعّل جيناتك

أنت في حوار مع جيناتك عبر كل فكرة تراودك. يوضح علم الجينات المتسارع النمو أن الشخص الذي أنت عليه اليوم هو محصلة الأمور التي حدثت لك في حياتك، مما يغير الطريقة التي تشتغل بها جيناتك.

في واقع الأمر تنطفئ الجينات وتشتغل حسب تجارب حياتك. جيناتك و اسلوب حياتك يُنشِئان حلقة مفرغة و حالة متكررة من النتائج. حياتك لا تغير الجينات التي خلقت بها بل إن ما يتغير هو نشاطك الجيني. أي: المئات من البروتينات والإنزيمات والعناصر الكيميائية التي تنظم خلاياك. 

يُعتقد أن ٥ بالمئة فقط من التغيرات الجينية يمثل سبباً مباشراً رئيسياً للمشاكل الصحية. يعني أن ٩٥ بالمئة من الجينات المرتبطة بالأمراض تعد جينات مؤثرة، والتي بدورها تكون متأثرة بطريقة أو بأخرى بعوامل الحياة. 

مؤكد أن الكثير من المؤثرات تكمن خارج سيطرتك، كأحداث طفولتك، لكن بعضها تحت سيطرتك المطلقة، كالحمية وممارسة الرياضة وإدارة القلق والحالة العاطفية. العاملان الأخيران يعتمدان بصورة مباشرة على أفكارك.

تركيبك العضوي لا يتحكم بقدرك، كما أنك لست رهن خلطتك الجينية بل على العكس نشاطك الجيني يتشكل تحت وطأة أفكارك ومبادئك وآرائك. 

يبين علم الجينات أن أفكارك ومعارفك تتحكم بتركيبك العضوي، وهذا يضعك خلف المقود. تستطيع من خلال تغيير أفكارك أن تؤثر على شفرتك الجينية برمتها.

تملك الخيار في تحديد التأثير الذي تستقبله جيناتك، وكلما كان التأثير إيجابياً كلما كان المرجوع إيجابياً. 

يسمح لنا علم الجينات بتعقب نتائج أسلوب الحياة الذي نختاره على المستوى الجيني. مثبتاً التلاحم العميق بين العقل والجسد. تندد الأبحاث في مجال علم الجينات كذلك بأهمية الإعتناء بالنفس على الصعيد الذهني، الذي يؤثر بشكل مباشر على الصحة الجسمانية.

التأمل و الإستغراق الذهني (الوعي الآني) يبقيك على تواصل مع النظام الذهني الجسدي، فيفتح لأفكارك باب نشاط جيني فعال، الذي يؤثر بدوره على الجودة الوظيفية لخلاياك من خلال النشاط الجيني داخل الخلية. 

سخر أفكارك لنفسك

تملك بين يديك قوة أكبر بكثير من كل التصور، سلطة على واقعك المحسوس والذهني على حد سواء.

عقليتك تترجم بعمق على جسمك، وصولاً إلى المستوى الجيني. وكلما طورت من عاداتك الذهنية المفيدة كلما زادت فائدة رد فعل جسمك نحوها. لا تملك السيطرة على أحداث الماضي التي نحتت شكل عقلك اليوم وبرمجت خلاياك وفعّلت جينات معينة، لكنك حتماً تملك العمر من الآن فصاعداً، لتختار منظورك وأسلوبك الذي سيغير دماغك وخلاياك وجيناتك.

المصدر.