“على الطريق الصحيح”

اذا كان للسفر لذّة أكثر من اكتشاف الأماكن الجديدة سيكون السفر بالقطار.   عندما وطأت قدماي في مطنقة بويرتا دي اتوشا للقطارات -المحطة المركزية للسكك الحديدية في مدريد- شعرت في تلك اللحظه بالاثارة والحماس وكأنني قد مررت بهذا الموقف مسبقًا،  أصبح قلبي يرفرف، و تسارعت نبضاتي، و ارتفع مزاجي جدًا كما ترتفع درجة الحرارة عندما […]

اذا كان للسفر لذّة أكثر من اكتشاف الأماكن الجديدة سيكون السفر بالقطار.

 

عندما وطأت قدماي في مطنقة بويرتا دي اتوشا للقطارات -المحطة المركزية للسكك الحديدية في مدريد- شعرت في تلك اللحظه بالاثارة والحماس وكأنني قد مررت بهذا الموقف مسبقًا،  أصبح قلبي يرفرف، و تسارعت نبضاتي، و ارتفع مزاجي جدًا كما ترتفع درجة الحرارة عندما تتنحى الشمس عن الغيوم. أنا لست هنا من أجل أن أحيي صديق قديم، أو لألتقي مع حبيب، ولست هنا للذهاب الى رحلة كنت أخطط لها في قائمتي. أنا هنا لأركب القطار لمدة ساعتين ونصف متجهةً الى برشلونة لأقوم بأداء مهمة عمل، وبالرغم من ذلك أشعر بأنني أسعد مما كنت عليه منذ عدة دقائق، أنا سعيدة لسبب لا أستطيع توضيحه.

اذا كان للسفر لذّة أكثر من اكتشاف الأماكن الجديدة سيكون السفر بالقطار. أتوشا ليست المحطة الوحيدة التي حولتني لطفلة بعمر خمس سنوات كما لو انني ازيل غلافَ هدية.  لقد استقلت العديد من القطارات خلال الأربعين سنة الماضية في طشقند (تاشكنت)، و ميونخ، و بطرسبرغ (في الولايات المتحدة)، و بانكوك، وبوسطن، و حتى يومنا هذا أنا أبتسم في كل مرة أقف على رصيف محطة القطار. عندما أذكر هذه الحقيقة الغريبة الى أصدقائي، يوافقني العديد منهم بهذا الأمر. “نادرًا ما سمعت صوتَ القطار يذهب، ولم أتمنى أن أكون على متنه” كتبها بول تيرو في سكة حديد السوق الكبرى في سنة ١٩٧٥, كانت سلسلة كتبِه مخصصة لرحلات السكك الحديدية، فما هو الشيء الذي يدفعنا للسفر عن طريق القطار؟

بدأت علاقة حُبي بالقطارات عندما كنت في روضة الأطفال. كنت أستقل قطار سوتشي السريع لمسافاتٍ طويلة في كل شهر أغسطس منذ أن كنت في سن الخامسة، كنت أذهب برفقة والداي. كان القطار يغادر موسكو يوميًا في تمام الساعة 11:59 مساءً لرحلة تدوم لمدة ٣٠ ساعة، هذه الرحله تربط ما بين عاصمة الاتحاد السوفياتي السابق الى سوتشي وهي مدينة على ساحل البحر الأسود.  كانت وجهتنا الى توابسي المكان الذي عاش فيه والداي، وهي بلدة صغيرة ومحطة وسيطة على مسار القطار.

بينما كانوا في منزلهم لقضاء عطلة ممتعة لمدة شهر -أيام الإسترخاء على الشاطئ و من أجمَلها كان طبخ جدتي- كان الشيء الوحيد الذي أتطلّع إليه هو القطار. قضيت ليلتين ويوم للتمتع بالاسترخاء حول السرير أثناء تناول الطعام الذي أعدته والدتي، والنظر الى تغيّرات المناظر الطبيعية من النافذة، والإستماع الى قصص الغرباء التي انجذبت اليها حين كنت طفلة صغيرة و لاحقًا في سن المراهقة.

يقول مارك سميث: “اذا كنت تحب السفر، فهو لا يقتصر فقط حول الوجهه بل هو يتعلق بالرحلة نفسها”، عمَل مارك سميث في صناعة السكك الحديدية لعدة سنوات وأنشأ Seat61، وهو موقع على شبكة الانترنت تم اعداده لمساعدة المسافرين للتخطيط لرحلات القطار، وأكمل على ذلك: “إن الرحلة نفسها لها قيمة”. ‘أعتقد أن ما يعادل هذا سيكون الطعام (من وجهة النظر المعاكسه) مثل أن تقول : “أنا لا يهمني كيف يكون ذوق طعامي، أنا فقط أريد أن أحشو بطني”  هل يمكنك تخيل قولك هذا لطاهي شهير؟ حسنًا، اذا قلت لي:”أنا لا أهتم بالرحلة، أنا فقط أريد أن أصل الى المكان الذي أريده” إنه مثل أن تخبرني بذلك.

عندما بدأ سميث في إنشاء الموقع، كان المستخدمين إما أشخاص يعانون من رهاب الطيران أو أولئك الذين هم بالفعل يحبون ركوب القطارات، ومع ذلك لقد تغيرت هذه الفئة السكّانية في السنوات القليلة الماضية. أصبحت هذه المواقع تجذب المزيد والمزيد من المسافرين الذين يشعرون بالإحباط من تجربة الرحلات الجويّة, و خابت ظنونهم من المعاملات الغير انسانية التي تقدمها الخطوط الجوية، واستائوا من التأخير في وقت الرحلات والغائها، والإجرائات الأمنية، لذلك هم يريدون شيئًا أقل جهدًا وأكثر راحة. السهولة والراحة ليست الشيء الوحيد الذي وجدوه. قال سميث: “بمجرد أن يجربّوا ذلك (السفر بالقطار) سيشعرون كما لو أنّهم يملكون بابًا جديدًا مفتوح الى العالم، باب يقودُهم الى عالم جديد كليًا”.

 

اكتشف الناس هذا العالم الجديد تمامًا عندما اندلعت القطارات الى الساحه في بداية القرن التاسع عشر, على الرغم من أنّ تاريخ المواصلات المشابهه بالقطارات كان يعود الى أكثر من ألفي عام. كان الناس يتنقلون في عربات تجرها الخيول والثيران، وقد كانوا أيضًا ينقلون البضائع في مصر وبابل واليونان. عندما لاحظ المهندسون في ذلك العصر بأن الحيوانات عند السفر تكون أبطأ وأقل نشاطًا لأنهم يسيرون في مسارات غير مصممة للسفر، قرّروا أن يبنوا طريق مناسب لمرور العجلات. ولا تزال هذه السكك الحديدية العريقة موجوده في إيطاليا واليونان وتسمى بـالويقون ويز.

مع سقوط الإمبراطورية الرومانية، الويقون ويز لم تعد تستخدم حتى القرن الثامن عشر عندما وضعت جميع المناجم في بريطانيا مسارات لمساعدة الخيول لسحب الفحم الحجري من المناجم الى المصانع. ثم جاء اختراع المُحرك البخاري، و في أواخر سنة ١٨٢٠ بدأت احدى الشركات التجارية للسكك الحديدية بالإنتشار في أنحاء البلاد. وقد سرّعت مسيرة التصنيع والتأمين لبريطانيا وجعلتها مكان القوة الاقتصادية المهيمنة في العالم -لبعض من الوقت- و أخيرًا انتقل المحرك البخاري المحمول بالدخّان الضبابي الى قارة أوروبا، و روسيا، و الهند، و الولايات المتحدة.

كان لإنتشار السكك الحديدية تأثير اجتماعي ملحوظ بالإضافة الى الإزدهار الإقتصادي الذي أنتجته. في البداية كان الأمر مكلفًا للغاية بالنسبة للشخص الذي يعمل بدخل متوسط في انكلترا، ثم أصبح السفر عن طريق السكك الحديدية أمرًا ميسورًا من بعد ظهور قانون تنظيم السكك الحديدية في سنة ١٨٤٤ الذي طلَب من جميع شركات القطارات بتزويد قطار واحد على الأقل في كل يوم بأسعار متوفرة في متناول الجميع. قال كريستيان ولمار: “لا يوجد جانب في حياة القرن التاسع عشر لم يتأثر بالسكك الحديدية”، وهو مُؤرخ للسكك الحديدية و مُؤلف كتاب الطريق الحديدي 2014. أصبح الذهاب لقضاء يوم واحد على شاطئ البحر أمرًا ممكنًا، وكان الناس قادرين على زيارة الأسواق المحليّة في البلد وبعد ذلك أصبح لدينا إنتاجًا و أحداثًا رياضية تم انشاؤوها عن طريق السكك الحديدية. من أحد الأمثلة التي أحببتها هو الحليب, تم انتاج الحليب في لندن عن طريق الأبقار الذين يعيشون في الطوابق السفلية الى أن قاموا بتطوير القطارات الداعمه للتبريد لنقل الحليب والتي يمكنها نقل الأبقار من وسط لندن.

 

قال الشاعر البريطاني جون بيتجيمين : “صُنعت القطارات للتأمُّل”.

 

رأت الولايات المتحدة حصتها من التغيرات الإجتماعية المُتأثرة بالسكك الحديدية وهي مسؤولة بشكل كبير عن التنقل الغربي، حيث أخفَت القطارات الخط الفاصل بين القطاعين العام والخاص. يقول ايمي ريختر: ” السفر بالقطار يتطلب من الناس القيام بأعمالهم الخاصه بشكل علني”، وهو مُؤرخ في جامعة كلارك في ولاية ماساشوستس والمؤلف لـ:Home on the Rails المرأة، السكك الحديدية، ونهوض الألفه العامه (٢٠٠٥) .  “إنّ المُدهش في ذلك هو قُدرتك على مراقبة الغرباء, خصوصُا بالنسبة للنساء الذين لا يتنقلون بين الأماكن الحضارية, فالركوب على متن القطار يعتبر مشابهًا لحصولهم على تجربة التسكع في الحياة الحضارية – حيث يمكنك الجلوس، ويمكنك مشاهدة الناس، ويمكنك التنصُّت على الحوارات”.  أصبحت السكك الحديدية أماكن عامه في القرن التاسع عشر حين طالب النساء في الولايات المتحده بشرعيًة مكانتهم خارج المنزل.

ومع ذلك كان الناس مُرتابين في بداية الأمر. لقد أثارت السكك الحديدية الخوف في قلوبهم، وأُطلق عليها اسم “أداة الشيطان” في الولايات المتحدة حيث استنتجت بريطانيا بأن القطارات أصبحت مصدرًا محتملًا لإلحاق الضرر بالعينين والتنفس. تم بناء أول خط قطار في روسيا في عام 1836، و أصبحت وسائل التنقل بالقطار متقدمةً جدًا فافتقرت لروح التأمل وجعلت سرعة القطار من أولويّاتها.  كتب ليف توليستوي الروسي لزميلة الروائي إيفان تورجنيف رسالة في عام ١٨٥٧:  “صُنع السِكك الحديدية للسفر هو مثل العلاقات العابره بغير حُب، إنه أمر مقنع وبنفس الوقت أمر وَتِيرِيّ” واقناعًا منه بأن هذه التكنولوجيا الجديدة دفعت حبيبته روسيا بعيدًا عن نقاوة الحياة التقليدية الى هاوية السرعة و القسوة والبلادة، و وصفَ القطارات بأنها أُعدَّت للمتاعب والمأساة في آنا كارنينا (١٨٧٨).

قال الشاعر البريطاني جون بيتجيمين : “صُنعت القطارات للتأمُّل”, بعد مرور قرن ونصف أصبحت الرتابة التي مقتها توليستوي كالترياق الذي سيحرز تقدمًا في سرعة هذه القطارات بدلًا من أن تصبح أمرًا ثانويًا.  من أحد أسماء الذين أحبّوا القطارات هو مايكل وليامز، وهو صحفي بريطاني ومُؤلف لكتاب “تمت مغادرة القطارات”The Trains Now Departed: ستة عشر رحلة خالية من المتعة في السكك الحديدية في بريطانيا ٢٠١٥. لقد تحدثتُ الى وليامز بعد أيام قليلة من رحلته من لندن الى هانوفر في ألمانيا مسافرًا عن طريق السكك الحديدية، قام وليامز بتغيير ثلاثة قطارات وقضى ما يقارب يوم كامل في التنقل, ومع ذلك قال بأن الأمر كان يستحق كل هذا و أوضَحَ ذلك قائلًا : “أشعر بشيء غير السَكِينَة في رحلة القطار، هناك نوع من البهجة حيث يمكنك التأمُّل في المناظر الطبيعية بشكل لا يمكن فعله مع وسائل التنقل الأُخرى”.

التأمُّل هو أحد النشاطات المفضلة لدي على متن قطار سوتشي اكسبرس, حتى أنني ذات مرة انجذبت كليًا الى المنظر الخارجي من نافذة المقصورة فقلتُ لجدي “لا تقاطعني، أنا أفكر.” عندما طلب مني شي في وقت غير مناسب،  كنت حينها في سن السادسة. اجتازت رحلتنا السنوية كامل الإتحاد السوفيتي من الشمال الى الجنوب تقريبا، شاهدت الطُرق وأنحاء البلاد وأنا مستلقية على السرير العلوي و رأسي مسنود على الوسادة. لقد ذكرتني الطُرق الريفية التي تمر عبر الحقول بالأغاني الشعبية لبوشكين، و وجود المنازل الخشبية في القرى الصغيرة، و ركض الأطفال الحفاه الى جانب مسار القطار وتلويحهم كما لو أنني أعيش في القصص الخالية. جعلتني رؤيتهم أن أكتشف أجزاءً من روسيا لم أكن على علمٍ بها، وأتاحت لي التفكّر الى أين وكيف سأنسجم في هذا المكان الواسع.

نحن نبني دواخلنا عند التأمّل وكما هوَ الحال مع السفر, فتشرد عنّا تفاصيل الحياة الدقيقة لفترة مؤقته ونجد الوقت للتفكّر والتأمّل, فيوفر لنا هذا المشهد خلفيةً مهمه للإستِبْطَان.  إنّ القطارات تُلهمنا بينما وسائل المواصلات الآخرى تسلب منّا هذه العملية (التأمّل والإستبطان) إما عن طريق الشعور بعدم الراحة (في الطائرات) أو بذل جهد كبير (عند القيادة). كتبَ دورين ماسي البريطاني في كتابة “2005 للمسافات” : “أنت جزء من عملية مستمرة تقوم فيها بكسر وبناء روابطك الداخليه، وهو عنصر في دستورك الشخصي” وهو جغرافي وعالم إجتماع.  هناك رخاء وترف منسي في هذا المجتمع الذي يتحرك بسرعة الفيروس، فإن هذه العملية التي نكوّن أنفسنا فيها لديها القدرة لإثارة ما في دواخلنا, وإبرازه وكشفه بشكل لا يمكن الشعور به إلا على متن القطار.

تلك الروابط التي نبنيها بينما نتنقل كيلوميترات الأرض لا تقتصر فقط على دواخلنا, نحن نرتبط بالأماكن التي نمر بها: إما من خلال إلقاء لمحة سريعة على إحدى محطات السكك الحديدية حيث توضح صلتها بمدينتها من مسافة بعيده, أو عند شرائِنا للوجبات الخفيفة والمشاركة في الحوارات مع السكّان المحليّين في المحطات الوسيطه.  كلما توقفنا في المحطات الصغيرة ونحن على متن سوتشي – وأحيانًا على السكك الحديدية لسيبيريا في الوقت الحالي – يذهب بعض البائعين المحليين من خلال السيارات،  وتذهب السيدات الكبيرات بالسن حاملين معهم السلال المليئة بالبيروزكي الطازجه -فطائر مالحه وحلوه- وينقلونها من مقصورتنا و يليهم  نساءٌ يبيعون التفاح والخوخ في الساحات. اجتاحت رائحة طعامهم كامل القطار وبقيَت لفترة طويلة بعد ما غادرنا المحطة، كانت لهجاتهم وطريقة حديثهم الى العملاء لطيفة -كقولهم “يا ابني” و”يا ابنتي”- .

منذ عدة سنوات، عندما عُدت الى روسيا بعد غيابٍ طويل قمت بحجز رحلة قطار على مدار الـ24 ساعة من سان بطرسبرج الى أوديسا في أوكرانيا لي ولإبنتي البالغة من العمر ثمان سنوات.  كنت أريدها أن تمر بالتجربة التي مررتُ بها: أن نقضي كامل اليوم معًا في رحلة متواصله لساعات مليئة بالأحاديث و بقراءة الكُتب، و الحصول على فرصة لقضاء كامل الوقت لذواتنا ومع ذاتنا.  أردت أن تكون هذه الرحلة تمامًا كرحلتي مع والدتي منذ أكثر من ٣٠ سنة، أخذت البيض المسلوق والطماطم والخيار والخبز والجبن والتفاح، و أكلنا جميع الثلاث وجبات معًا بدون مشاهدة التفاز, و لا استخدام الهاتف أو الإنترنت.  عندما أحضر المسؤول عن القطار البعض من الشاي – ذكرني الموقف تمامًا كما لو انني على متن سوتشي اكسبرس، كنت أشربه مع مكعبين من السُكر في فنجان السكك الحديدية الكلاسيكية- وشربنا الشاي مع الحلوى التي قمنا بشرائها عند نزولنا أحد نقاط التوقف، و قضينا الوقت في التحدث والنظر من خلال النافذة.

تؤدي مدّة ركوب القطار أيضا الى إيجاد مجتمع لا يمكن إنشاءه الا على متن القطار -ستكون غير مقيّد بمقعد معين كما هو الحال مع الحافلة والطائرة-. بعيدًا عن المألوف إنّ هذا التجمع المُصادف للناس يوفر لنا القدرة على إرضاء فضولنا عنهم، وأخذ الخبرات المشتركة، و تكوين الصداقات العابرة. عندما سافرنا على متن سوتشي كانت هذه المحادثات كما لو أنها تعمل بطاقة الرحلة بطريقة لا تختلف عن الكهرباء التي تندفع من القاطرة. عندما صعدنا القطار و حملنا حقائبنا، كان السؤال الأول الذي احتل أذهاننا هو أي شخص منا له الأحقية في أخذ السرير الرابع في المقصورة؟  قمنا بوضع الرهانات على ما اذا كان رجلًا أو امرأة، شخص صغير في السن أو كبير، أو اذا كان رفيق ثرثار أو هاديء. هنا نحن نهتم ببعضنا كالجيران, حيث سنبقى معًا لمدة ٣٠ ساعة كما لو أننا في مجتمع من عالم مُصغر، سواء كانوا زملائُنا المسافرين يصدرون شخيرًا أو لا لم نكن نهتم لهذه الأمور, مايهمنا حقًا هو أي نوع من الأشخاص هم.

تتعافى منّا أجزاء مهملة ومنسيّة عند النظر من النافذة، و بدء محادثة مع شخص غريب أو ببساطة حينما نقرأ ونحن نسمع تأرجح العجلات بتوازن واصطدام الصخور الصغيره فيها.

تم اكتشاف هذه القدرة على التفاعل و التواصل و الإكتشاف في روايات وأفلام لا تُعد ولا تُحصى بل حتى في الإعلانات التجارية.  حددت أجاثا كريستي العمل على متن القطار الفاخر الذي أخذ مخيّلتها كليًا ليكون الإطار الوحيد الخاص لرواية “جريمة قتل في قطار الشرق السريع ١٩٣٤”. استخدم ألفريد هيتشكوك حدود القرن العشرين في رواية الشمال الغربي1959 – لإعداد بعض المواضيع الرئيسية لسكك القطار السريع في وسط مدينة نيويورك كما أوضحت شركة AT&T التجارية كيف التقيا والدا الرئيس المستقبلي بعضهم بالصدفه على متن القطار. إن ركوب الطائرات يزرع في أنفسنا المخاوف وعدم الراحه لإحتمال وقوع حادث تمامًا كما يُذكر في الروايات التي تحدُث على متنها, مثل فيلم “رحلة الطيران ٢٠١٢” و أيضا لا نفضلها بسبب خلوّها من روح التفكّر لسرعتها ووجودها في الفراغ كما في فيلم “فوق الجو ٢٠٠٩” بينما الحكايات التي نسمعها عن القطارات دائما ما تتحدث عن الرومانسيه والصداقات والتواصل.

طرحت سؤالًا لأصدقائي على صفحة الفيس بوك عن ما اذا كانوا يفضلون السفر عن طريق السكك الحديدية، أو الطائرات أو السيارات، طلبت منهم اختيار الوسيلة المفضلة لديهم مع ذكر الأسباب وقال أحد المعلقين: “التقى والداي على متن القطار”, هناك 28 منهم اختاروا السفر بالقطار من بين 33 تعليق. كان سبب اختيارهم للقطار هو الشعور بالراحه ووجود المناظر الطبيعية، والأجواء الرومانسيه والقدرة على التفاعل مع الناس وحصولهم على فرصة للإسترخاء ووقت للتفكير.

 

قال هيربيرت: “السفر المتمهل بالقطار هو التجربة المريحة الوحيدة التي تبقت لنا”  وهو روائي انجليزي وكاتب مسرحي في بداية القرن العشرين. اذا كانت السرعة هي الشيء الذي يثير فتنة الناس مع بداية تطوّر السكك الحديدية فإنّ اليوم ما يجذبنا فعلًا هو بطئ القطار،  كل ما نرغبه الى جانب سرعتها الفعلية هو قدرتها على مضيّ حياتنا ببطئ والسماح لنا بالإستناد والتأمل سواءً مع ذواتنا أو مع الآخرين (بالنسبة للقطارات الحديثة السريعة فهي لا تزال تعتبر بطيئة نوعًا ما).  يقول ريختر: “الأشياء التي بدت كمشكلة في القرن التاسع عشر هي الآن ملوّنة بالحنين -الجلوس بجانب شخص غريب والانجذاب الى محادثته-”  يبدو كأنه “شيءٌ ما قد فُقِد”.

نحن اليوم نعيش في عالم مترابط ومبتذل ومستهين، ومع ذلك فإن قدرتنا على سد هذا الحاجز والوصول الى أي شخص لم تعزز لنا تلك العلاقات العميقة سواءً مع أنفسنا أو مع الآخرين أو مع العالم من حولنا. توفر لنا القطارات فرصةً لتصحيح ذلك، كالمواقف التي نمر بها عند قضاء الوقت للنظر من النافذة، وبدء محادثة مع شخص غريب، والتواصل مع أحد أفراد العائلة أو ببساطه عند قراءة كتاب في حين سماع أصوات تأرجح العجلات، سوف يساعدنا هذا على أن تتعافى منّا أجزاء كانت مهملة ومنسيّة.

أخطط الذهاب لرحلة قطار أخرى عند عودتي من برشلونه وهذه المرة لأشعر بالمتعة فقط، حيث لا نزال أنا و ابنتي نذكر رحلتنا الى أوديسا لذا أنا أتطلّع الى حجز رحلة  قطار خلال الليل من مدريد الى لشبونه. يمكننا استخدام هذا الزمان والمكان لتجديد دواخلنا عندما قضينا معظم أيام مراهقتنا كما لو اننا نُبحر عبر دوامات خطيرة.