تغير المناخ يحول ظاهرة الجفاف إلى وباء مميت

ترجمة بتصرف لمقال: Climate change is turning dehydration into a deadly epidemic. By Jane Palmer

ترجمة: Rahaf Zelee Hussain AL Ali‏

تعرض العمال حول العالم للإصابة بمرض الكلى الغامض، وتغير المناخ يزيد من حدته وتأثيره السيئ عليهم. “جين بالمر” تلتقي بالأطباء الذين يحاولون إدراك الموقف والتغلب عليه

العاشرة صباحًا –  مزارع قصب السكر بمدينة تيرا بلانكا في السلفادور – درجة الحرارة: 31 درجة مئوية

كان العمال – رجالاً ونساءً، صغارًا وكبارًا –  قد وصلوا إلى تلك المزارع عند الفجر، وهم مرتدون سراويل الجينز السميكه، والقمصان ذات الأكمام الطويلة، وأوشحة الوجه التي تقيهم التعرض لأشعة الشمس الحارقة. وبدات حركتهم السريعة والنشيطة واضحة بين صفوف أعواد القصب، حيث كانوا يمسكون بتلك الأعواد ويقلمونها ويجهزونها لحصاد المحصول في الأسابيع المقبلة. وفي وجود القليل من الظلال، كانت هناك زجاجات مياه غازية مليئة بالمياه تتأرجح بين فروع الأشجار، ولكن لم يقترب أحد منها. ويقومون باستنشاق نسمات الهواء الرطب، لم يكن العمال على استعداد للتوقف عن عملهم إلا بعد فترة الظهيرة عندما تنتهي نوبتهم.

كان من بين هؤلاء العمال، شاب يدعى “جيسيس لينارس” يبلغ من العمر خمسة وعشرين عامًا. كان حلمه على حد قوله وتوضيحه باللغة الإنجليزية  أن يصبح معلم لغة إنجليزية. ولكنه مثله مثل الكثير من أطفال السلفادور، يجب أن يعمل ليساعد والديه وأشقائه في الحياة. فعندما بلغ الثامنة من عمره، تعلم كيف يختبئ في أعواد القصب المرتفعة بينما كانت الشرطة تبحث عن العمال القصر. ومنذ ذلك الوقت، وهو يعمل في مزارع قصب السكر من الفجر وحتى الظهيرة، ثم يرعى الخنازير حتى وقت الغروب. أما في المساء، كان يحاول أن يستمع إلى برامج اللغة الإنجليزية في الراديو، أو يقرأ أي كتاب لتعلم اللغة. لكنه في آخر عشر سنوات، كان يشعر بالتعب الشديد؛ حيث لم يعد قادرًا على التركيز. لذا، قرر منذ أشهر قليله في واقع الأمر أن يتوجه إلى عيادة تيرا بلانكا.  و كشفت تحاليل الدم التي أجريت له أنه ما يزال في المراحل الأولى للإصابة بمرض الكلى المزمن.

تبدو هذه القصة مألوفة هنا في منطقة باجو ليمبا؛ حيث تشير الدراسات الحديثة أن ما يقارب من 25 في المائة من سكانها – من إجمالي 20000 نسمة – يعانون من الإصابة بأمراض الكلى المزمنة. الجدير بالذكر أن الفشل الكلوي في جميع أنحاء السلفادور يعتبر هو السبب الرئيسي وراء وفيات البالغين داخل المستشفيات. ولكن، بينما يعد كل من ارتفاع ضغط الدم ومرض السكر من الأسباب الأكثر شيوعًا للإصابة بالفشل الكلوي، فإن ثلثي المرضى المصابين بالفشل الكلوي في باجو ليمبا لايعانون من أي من هذين المرضين المسببين على الإطلاق، ومن ثم لا يزال السبب وراء إصابتهم غير مؤكد.

تمكن العلماء من تحديد عوامل رئيسية للمشكلة. فقد كان معظم الأشخاص المصابين بهذا المرض مجهول السبب من الرجال، حيث كان يصيبهم في الغالب في المناطق الحارة والرطبة التي كان يمارس بها هؤلاء الأشخاص أعمالاً شاقة في الهواء الطلق؛ مثل الزراعة أو الصيد أو أعمال البناء.  فمن المعروف أن الجفاف – الذي يبدو عاملاً واضحًا للإصابة – يعد سببًا للإصابة بمرض الكلى الحاد والذي يمكن التغلب عليه بشرب المياه، وهذا على عكس الشكل المزمن للمرض الذي أصاب الكثير من هؤلاء. لذلك، ساهم الأمر في إثارة سؤالين ملحين هما: ما أسباب الإصابة بهذا الشكل الجديد لمرض الكلى، وهل من المحتمل أن تنتشر الإصابة به وخاصةً مع ازدياد ارتفاع درجات الحرارة في كل أنحاء العالم؟

في الوقت نفسه، ازداد عدد المرضى في السلفادور المترددين على العيادات والمستشفيات على مدار العقدين الماضيين؛ حيث كانت غالبًا ما تفرض عليهم الضرائب بما لا يطيقونه.  ومن ثم، لم يستطع الكثير من الأشخاص الحصول على علاج، ليعودوا أدراجهم إلى منازلهم ببساطة منتظرين موتهم.

يقول “رامون جراسيا ترابانينو” – أخصائي أمراض الكلى بالسلفادور: “إن ما يحدث يعد حقًا مذبحة صامتة.

فأنت لا تشعر بأي ألم؛ ولكنك تشعر وكأنك تحتضر ببطء.

لقد تكررت القصة نفسها لدى جميع المرضى بمستشفي ناسيونال روزاليس في سان سلفادور؛ حيث قبل ثلاثة أشهر كان جميعهم على ما يرام.

فمعظمهم لم يكن مطلقًا يتردد على أي طبيب في حياته قبل ذلك الوقت، فضلاً عن تجاهلهم لأي علامات أولية تدل على اعتلال صحتهم وقتئذ. ولم تظهر نقطة التحول تلك في حياتهم إلا عندما شعر جميعهم بتعب شديد منعهم عن ممارسة عملهم.

من المعروف أن ثقافة العمل الشاق تتأصل في فكر الشعب السلفادوري فخلال فترة الحرب الأهلية 1980-1982، نفذت القوات المسلحة استراتيجية حرق الأرض التي استهدفت السكان المدنيين في الريف للتخلص من أي قاعدة دعم ممكنة للمتمردين. وبالتالي، لقي عشرات الآلاف من الأشخاص مصرعهم، وفر ربع السكان من هذه الأرض. وعندما ساد السلام في النهاية، استطاعت المجتمعات الريفية العودة إلى أرضها حيث تم تقسيمها فيما بين إنشاء الجمعيات التعاونية والمشروعات الصناعية والمزارعين المستقلين. ولم يكن أمام الناجيين من الحرب طريق سوى العمل، بل والعمل الشاق والجاد للتغلب على التحديات والمشكلات الأخرى التي لم يستطع السلام حلها.

تعد السلفادور – والتي تبلغ مساحتها 8124 ميل مربع – إحدى أصغر دول العالم من حيث المساحة، ولكنها تضم بين حدودها امتدادًا لا نهائيًا من السواحل وسلاسل الجبال ومساحات كبيرة من الأراضي الزراعية المنخفضة والتي ترجع خصوبتها للتربة البركانية الخصبة . حيث يوجد في السلفادور 23 بركانًا تنتشر على حواف المدن والهضاب الرئيسية وكأنها جنود تحرسها. ففي عام 2013، ترك سكان إقليم سان مجيل منازلهم عندما بدأ بركان تسابارستيك يقذف الرماد الساخن والدخان في الهواء.

ولا تعد البراكين هي الخطر الطبيعي الوحيد في السلفادور. فأرض السلفادور تمتد حيث يوجد الجزء الغربي من الفالق الجيولوجي الكاريبي وقد تجاوز مستوى فالق كوكوس، وهو ما يجعلها إحدى أخطر المناطق الجيولوجية نشاطًا لحدوث الزلازل على وجه الأرض. ففي عام 2001، حدث زلزالان في جنوب غرب سان مجيل ولقي 1000 شخص على الأقل مصرعهم، ناهيك عن تدمير وتحطم ما يقرب من 300000 منزل.

لم تسهم مثل هذه التحديات إلا بإضافة المزيد إلى عزيمة سكان السلفادور وتصميمهم على ممارسة العمل الجاد والشاق، حتى أن الكثير من العاملين في الزراعة لا يعترفون أبدًا بمرضهم – وفقًا لهذه الاعتبارات الثقافية المتعلقة بالعمل – ولو لأنفسهم.  لكن مرض الكلى لا يعد يسيرًا بل إنه مخادع وخطير؛ حيث يمكن أن يدمر إحدى الكليتين كليةً بينما يظل الشخص غير واعٍ للموقف برمته. ومن ثم، لا يتنبه العمال إلى خطورة الحالة سوى في المراحل النهائية للمرض، وعند وصولهم إلى قسم الطوارئ بالمستشفى لتلقي العلاج، تكون حالتهم قد تدهورت ويكون الموت في انتظارهم.

بدأ “جراسيا ترابانينو” زمالة مستشفى روزاليس كطبيب شاب في عام 1998، حيث تعرض لمواقف تشبه تلك المشاهد المأخوذة من ساحات المعارك. وقد كان من المتوقع أن يكون طبيبًا لعلاج أمراض القلب والمرضى المصابين بالأمراض العصبية وأمراض الرمد والعيون – مجموعة كاملة من الحالات المرضية.  ولكنه بدلاً من ذلك، استوقفته حالة رجال يحتضرون – أحيانًا يحتضرون ببطء، وعادةً ما يحتضرون بسرعة – نتيجة إصابتهم بالفشل الكلوي. وقد كان هؤلاء الرجال يأتون بأعداد تتجاوز أعداد الأسرة المتاحة كما كانوا يفترشون ممرات المستشفى مسببين زحامًا شديدًا.

لقد كنا في بعض الأحيان ننجح في أن نساعد بعضًا من هؤلاء من البقاء على قيد الحياة ليلة واحدةاو  يوم واحد أو اسبوع  ،في ظل وجود تقنيات غسيل الكلى العقيمة المتاحة بالمستشفى .  كان معظم المرضى يموتون خلال شهر واحد، ولم يكن هناك أحد يهتم بالبحث عن السبب أو حتى حصر عدد الحالات الموجودة بالمستشفى لذلك، بدأ “جراسيا ترابانينو” وأحد زملائه في حصر أعداد المرضى واحدًا تلو الآخر، حيث وصل عددهم في قسم الطوارئ بعد عدة أشهر قليلة أكثر من 200 شخص.  لم تكن وزارة الصحة في السلفادور متابعة لتلك الأعداد والنتائج، ولكنها منحت الأطباء وسامًا حظي باهتمام وسائل الإعلام .

يتذكر “جراسيا ترابانينو” ما كان حدث قائلاً: “لقد زارنا في الشهر التالي أشخاص من المؤسسات اجتماعية الممتدة على الأراضي الساحلية”  حيث أخبره هؤلاء الزوار بقصص عاشوا فيها سنوات وانتهت بوفيات مجهولة الأسباب بين الكثير من الشباب الذين كانوا يتمتعون بوافر الصحة. وكانوا يضطرون كل أسبوع لحرق جثث الموتى.

يستكمل هؤلاء الزوار حديثهم قائلين: “لقد اكتشفت أيها الطبيب ما كنا نعيش فيه لسنوات.  والآن هل تستطيع أن تخبرنا ما العلاج؟  لم يتمكن من الإجابة عن هذا السؤال.

واليوم، أصبحت المستشفى تستوعب 1000 حالة من حالات أمراض الكلى المزمنة، مع إمكانية استقبال أكثر من 30 مريض جديد كل شهر. ويقول “ريكاردو ليفي” – رئيس وحدة أمراض الكلى: “ليس لدينا من الموارد سوى ما نستطيع أن نقدمه لنصف هذا العدد فقط. فبمجرد وصول ضحية جديدة للمرض، يكون في حاجة ماسة للغسيل الكلوي، إلا أنه يضطر لانتظار دوره في قائمة طويلة وأحيانًا ما يضطر أخصائيو أمراض الكلى إلى توفير تقنيات غسيل الكلى البريتوني لأكبر عدد ممكن بوضع أنبوب من البلاستيك الصلب يتم وضعها في البطن عن طريق الجراحة.  ويقول “ريكاردو ليفي”: بالطبع تعد هذه التقنية قديمة للغاية حيث لم تعد مستخدمة في أي مكان على مستوى العالم، ولكننا نحتاج إليها.

وبالعودة إلى تيرا بلانكا، يتحدث “جوان بابلو بانياجوا” – البالغ من العمر ستين عامًا – وهو يبتسم ابتسامة عريضة، حول كيفية إصابته بالمرض فجأةً. لقد كان يعمل في حقول الذرة منذ أن كان صبيًا، ثم عمل كصياد، وكانت صحته على ما يرام قبل السبع سنوات الأخيرة في عمره. ثم يبدأ جسمك بشعور ، شيء غريب . لا تعرف ماهو ، كما يقول : لن تشعر بأي نوع من الألم، ولكنك ستشعر أنك تحتضر ببطء.

استطاع “جوان بابلو بانياجوا” أن يجري غسيلاً للكلى ثلاث مرات في الأسبوع لمدة عامين ونصف. لكنه بعد ذلك لم يكن قادرًا على دفع تكاليف غسيل الكلى، حيث كان يتكلف في الجلسة الواحدة حوالي 120 دولار. لذا، شرح له الأطباء كيفية العناية بالقسطرة الموجودة في بطنه، وأرشدوه عن كيفية إتمام الغسيل البريتوني في المنزل. يقول “جوان بابلو بانياجوا”: “لقد كانت أصارع لحظات من الموت المحقق تقريبًا، ولكنني بمجرد أن أبدأ في غسيل الكلى، أشعر بمدى التحسن في كل جسمي.

لقد أدركنا أن المشكلة كانت تجتاح جميع أنحاء أمريكا الوسطى وجنوب المكسيك.

في أوائل عام 2016، بدأ “جوزيه لويس موراليس” – البالغ من العمر 32 عامًا – وهو رجل يتمتع بمظهر صحي ولياقة بدنية تتوفر لدى لاعبي كرة القدم، يشعر بشد عضلي في ساقيه، كما أصبح ضعيفًا جدًا لدرجة أنه لم يكن يستطيع الإمساك بكوب من الماء.  كان “موارليس” يعمل كسائق شاحنة في تشالاتينانجوـ وهي منطقة منخفضة تنتشر بها معدلات الرطوبة في شمال السلفادور، فضلاً عن أنها كانت تمثل إحدى البقاع المليئة بالمصابين بأمراض الكلى المزمنة.  توجه “موراليس” وهو غير قادر على ممارسة عمله – إلى مستشفى سان سلفادور لروية الطبيب “جراسيا ترابانينو.

يقول الطبيب “جراسيا ترابانينو”: “كان موراليس مصابًا بالنوع المعروف والمعتاد لهذا المرض.   لم يكن في الأصل مصابًا بالسكر، كما لم يكن يعاني من ارتفاع ضغط الدم.  كان شابًا طبيعيًا لا يعاني من أي تاريخ مرضي سابق كشفت تحاليل الدم التي أجريت له عن انخفاض مستوى البوتاسيوم في الدم وارتفاع حمض اليوريك، حيث استطاع “ترابانينو” أن يقدم له علاجًا للسيطرة على تلك المعدلات. ولكن، يعاني “موراليس” حاليًا من المرحلة الثانية من المرض، وهو يحتاج إلى تلقي علاج لبقية حياته.  يقول الطبيب “ترابانينو”: “إننا لا نستطيع أن نحيي تلك الأنسجة التالفة بالكلى أو نعيد إليها الحياة مرة أخرى، إلا أنه ما يزال بإمكاننا العناية بما تبقى من الكلى.

من المعروف أن مرض الكلى المزمن يدمر أنسجة الكلى حتى لا يعد بإمكانها تنقية الدم من الشوائب. فبدون إجراء غسيل للكلى، يمكن أن يرتفع ضغط الدم لدى المريض، وتظهر عليه علامات الضعف والدوار ومجموعة أخرى من الأعراض.  ففي الوقت الذي يتسبب فيه مرض الكلى لدى الشخص المصاب بالسكر في تدمير كبيبات الكلى (Glomeruli) .وهي عبارة عن تلك الوحدات الصغيرة التي تنقي الدم، فإن الشكل الجديد للمرض يدمر الأنابيب الكلوية التي ينتقل خلالها البول، كما يدمر النسيج الخلالي المحيط بالأجزاء الأخرى للكلى والذي يحفظ التوازن السليم للسوائل بها.

الجدير بالذكر أن هذا هو نفس التأثير الناجم عن تناول بعض أنواع من السموم. ونظرًا لأن هذا المرض الجديد قد اجتاح المجتمعات الزراعية بشكل كبير، فإن الطبيب “ترابانينو” يشتبه في أن تكون أسباب الإصابة به هو التعرض لمبيدات الأعشاب والحشرات.

وللبحث في أسباب الإصابة، تعاون الطبيب “ترابانينو” مع الصندوق الاجتماعي للطوارئ الصحية في تيرا بلانكا، وشكل فريقًا مع “إيمانويل جاركين” مستشار الصحة والسلامة المهنية، حيث قاموا بالبحث والتحقيق في حالات الإصابة بأمراض الكلى المزمنة لدى العاملين في الزراعة في تلك الأراضي المنخفضة، وتم إجراء مقارنات مع عاملين مماثلين لهم في المجال نفسه ولكن في منطقة ترتفع 500 متر عن سطح البحر. ومن خلال النتائج، اتضح أنه لا يوجد تقريبًا أي حالات للإصابة بهذا المرض الغامض بين العاملين في المنطقة المرتفعة عن سطح البحر. يقول “ترابانينو”: “لقد كانوا يزرعون نفس المحاصيل، ويستخدمون نفس المواد الكيماوية، ولكنهم لم يصابوا بأي مرض. لقد شعرنا بالحيرة والجهل.

بدأ الأطباء يتساءلون ما إذا كان هذا المرض لا يمثل سوى مشكلة محلية فقط لأن معظم المرضى في مستشفى روزاليس يعيشون في منطقة باجو ليمبا. لذا، قرر “جيسيس دومينجيز” – وهو طبيب أسباني متطوع في تيرا بلانكا – أن يذهب في مهمة للبحث عن السبب. قام بتأجير سيارة وأخذ معه معداته وتوجه من المكسيك إلى نيكاراجوا، وقرر أن يتوقف عند الحقول لأخذ عينات بول من العاملين في الهواء الطلق تحت أشعة الشمس.  وأظهرت دراسته أن الكثير من العاملين كانوا بالفعل ما يزالوا في المراحل الأولى للإصابة بمرض الكلى المزمن.

وبعيدًا عن كون المرض مشكلة محلية، يقول الطبيب “ترابانينو”: “لقد أدركنا أن المشكلة أكبر مما كنا نظن، فقد اجتاح هذا المرض جميع أنحاء أمريكا الوسطى وجنوب المكسيك.

إننا نفقد شخصًا أو شخصين في هذه المنطقة كل أسبوع. انه الفقر الذي قتلهم وليس للمرض شأن.

ساهم “ريكاردو جونسون” – أخصائي أمراض الكلى في جامعة كولورادوا – في تنظيم المؤتمر العالمي لأمراض الكلى في كندا عام 2011. هناك، أدرك “ريكاردو” وجود مجموعة جديدة من أمراض الكلى المزمنة المنتشرة في أمريكا الوسطى.  لذلك، اجتمع الباحثون من مختلف الدول وبدأوا مناقشة الأدلة المتاحة وبدأ “ريكاردو” مثل الآخرين البحث والتفكير في الأسباب المحتملة للإصابة.

لقد ركزت أبحاث “ريكاردو جونسون” على سكر الفركتوز وتحديد دوره في الإصابة بالسمنة وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب. فعندما يتناول الشخص سكر الفركتوز، يتحمل الكبد معظم عبء حرقه، إلا أن بعض السكر ينتهي الحال به ليتركز في الكلى.  وعند تناول طعام كل وجبة، يدخل سكر الفركتوز في أنابيب الكلى حيث يتم امتصاصه في حمض اليوريك مسببًا الأكسدة، وكلا الأمرين يضران حقًا بالكلى

اعتقد “ريكاردو جونسون” في البداية أن الأشخاص العاملين في مزارع قصب السكر يأكلون الكثير من هذا النبات نفسه لدرجة جعلتهم يعانون من مستويات عالية من حمض اليوريك والأكسدة داخل الكلى. ولكن مع إجرائه لبعض الحسابات، وجد أنه حتى مع تناول قصب السكر طوال اليوم لا يمكن أبدًا الوصول إلى كميات من سكر الفركتوز التي تسبب الإصابة بالمرض.  ومن ثم، اكتشف أن الجسم يتعامل مع بعض الكربوهيدرات المعتادة – في ظل توافر بعض الظروف – لتصنيع سكر الفركتوز الخاص به ويعد الجفاف هو أحد الأسباب المؤدية إلى حدوث تلك التفاعلات الكيميائية القاتلة.

من منطلق هذا التفسير، اعتقد أخصائيو أمراض الكلى أن الجفاف يمكن أن يسبب بمفرده الإصابة بأمراض الكلى الحادة، لكن نتائج وأبحاث “ريكاردو جونسون” طرحت تساؤلات جديدة حول تأثير عدم تناول قدر كافٍ من الماء على الإصابة. فهل يمكن للجفاف – في أي يوم يتم قضاؤه سواء داخل المنزل أو في الهواء الطلق – أن يسبب استمرارًا في إنتاج سكر الفركتوز داخل الجسم وهو ما يؤدي بدوره إلى تلف الكلى على المدى الطويل؟

أخذ “ريكاردو جونسون” نظريته إلى المعمل، حيث وضع فريقه الفئران في غرف وتم تعريضها إلى الإجهاد الحراري لساعات وفترات. وتم السماح لمجموعة واحدة من الفئران لشرب كميات غير محدودة من الماء خلال التعرض للحرارة، في حين تم إعطاء المجموعة الثانية الماء في فترات المساء فقط.  وخلال خمس أسابيع، أصيبت مجموعة الفئران التي تم إعطاؤها كميات محدودة من الماء بمرض الكلى المزمن. فعلى مدار اليوم، تسبب فقدان الملح والماء في ارتفاع مستويات الفركتوز لدى الفئران، كما تكونت لديها بلورات حمض اليوريك نتيجة انخفاض كميات المياه في البول.  الجدير بالذكر أنه عندما أوقف العلماء عمل الجين المسئول عن هضم وامتصاص الفركتوز وقاموا بتكرار التجربة، لم تصاب أي مجموعة بمرض الكلى المزمن.

عرض “ريكاردو جونسون” هذه النتائج في اجتماع البرنامج المعني بالصحة والعمل في أمريكا الوسطى (SALTRA) بمدينة كوستاريكا في عام 2012، حيث حازت تلك النتائج على اهتمام الطبيب “جراسيا ترابانينو” الذي صرح قائلا  “لقد كنت مندهشًا لأن نماذج الحيوانات كانت متطابقة تمامًا مع النتائج التي توصلنا إليها.”

تعاون الاثنان معًا لبحث الآثار الكيميائية والحيوية للجفاف على العاملين في حقول السلفادور. فقد كانت مستويات حمض اليوريك ترتفع في الصباح وتزداد على مدار اليوم. وفي هذا الصدد يقول “ريكاردو جونسون”: “لقد وجدنا في بول بعض المرضى كميات كبيرة للغاية من بلورات حمض اليوريك

اعتقد “ريكاردو جونسون” – وفقًا لهذه الدراسات – أن الحرارة بجانب الجفاف يؤديان إلى إنتاج الفركتوز والفاسوبريسين – وهو الهرمون الذي يرفع ضغط الدم ويدمر الكلى أيضًا.  وعلى الرغم من ذلك، اعتقد “جونسون” في وجود آلية أخرى قد يكون لها دورها أيضًا في الإصابة بالمرض: مثل تعويض السوائل باستخدام مشروبات سكرية. ففي الكثير من الأحيان، لم تكن هناك ثقة في جودة مياه الشرب المحلية، حيث يلجأ العاملون إلى تناول المشروبات الغازية، وهو ما أثبتت الأدلة أنها تؤدي إلى مزيد من الضرر للكلى.

يقول “جونسون”: “في هذه المرحلة، ما يزال يتم اعتبار كل من الإجهاد الحراري والجفاف المسببين لهذه المشكلة بمثابة فرضيات بالرغم من قوتهما في نطاق التجربة والنتائج

لقد أقبلوا على الخروج في هذه الموجة الحارة، واعتبروا اليوم يومًا عاديًا نسبيًا، فترتب على ذلك إصابتهم بالمرض.

الجدير بالذكر أنه في ظل ارتفاع درجات الحرارة وقت الظهيرة، كان الرجال يرتدون قبعات رعاة البقر ولاعبي البيسبول، وكانت النساء يرتدين مآزر قصيرة فوق فساتينهن، وكان جميعهم يتجمعون شهريًا في المركز الثقافي سنترو مونسينور روميرو في تيرا بلانكا. وكانوا يجلسون في مناطق ظليلة بجوار حديقة ينمو بها العديد من النباتات الاستوائية، وكان يتم توفير أكثر من 40 زجاجة من المياه خصيصًا لهذه المناسبة.

وعلى إحدى الطاولات، كانت تقف إحدى الممرضات المتطوعات بقياس ضغط الدم لجميع المجتمعين؛ فكانت تقيس الضغط لجميع الفئات والأعمار على اختلاف أطيافهم – فكان منهم من يملك ذراعًا سمينًا، ومنهم من كان ذراعه نحيلاً،  ومنهم من كان ذراعه متعبًا من سنوات العمل الطويلة، ومنهم من كانت تجاعيد الشيخوخة واضحة على ذراعه. وفي وسط كل هذه الأحداث، يرتفع صوت وسط ضحكات وضجيج الأطفال الذين يتعلمون الرقص الشعبي بالجوار؛ إنه صوت “جوليو ميراندا” – رئيس الصندوق الاجتماعي للطوارئ الصحية –  “إذا أراد أي منك أن يخبرنا بخبرته وتجربته مع المرض، فسوف يفيد المجتمع بأكمله.

وقف كل من الرجال والنساء واحدًا تلو الآخر ليروا قصصهم مع مرضهم. وفي أثناء حديثهم، كان البعض يقابل كلامهم بالاستحسان، وكان البعض الآخر يطرح عليهم التساؤلات.  وعلى الرغم من جدية وجاذبية طريقة رواية الأشخاص لتجاربهم مع المرض، لم يكد الأمر يخلو من بعض الدعابات اللطيفة – على طريقة شعب السلفادور –  والتي سادت بجانب بعض مشاعر التعاطف معهم.

كان سانتوس كورياس – وهو رجل هزيل يبلغ من العمر 57 عامًا – يعمل في الحقول منذ سنوات مراهقته، وكانت الأموال التي يتلقاها من أبنائه العاملين بالولايات المتحدة الأمريكية تمثل فارقًا بالنسبة له بين الحياة والموت. فكان يسدد منها ثمن غسيل الكلى أسبوعيًا، على الرغم من أن هذا أقل من النظام الذي يوصى بغسيل الكلى ثلاث مرات في الأسبوع. وفي هذا الصدد تصرح زوجته قائلةً: لا يمكننا تحمل التكاليف المادية للمزيد من جلسات غسيل الكلى، فهذا هو كل ما نستطيع فعله.”

في السلفادور، تغطي مزايا الضمان الاجتماعي تكاليف الرعاية الصحية لربع السكان فقط. وتغطي البرامج الخاصة والعسكرية وبرامج المعلمين نسبة 5 في المائة أخرى، وتقدم وزارة الصحة الرعاية الصحية لنسبة 70 في المائة المتبقية – وهذا وفقًا ما لصرح به “جراسيا ترابانينو”  ففي الفترة الممتدة ما بين 2004 إلى 2013، في هذه المنطقة، بلغ عدد المرضى الذين كانوا في مراحل متأخرة من مرض الكلى 217 مريضًا؛ حيث لم يكن أمامهم سوى خيار غسيل الكلى أو الموت المحقق.  ولكن، لم يتسنى سوى لثلث هؤلاء الحصول على جلسات الغسيل الكلوي، حيث اعتمد ربع عدد هؤلاء على أكبر مصدر للدخل في السلفادور والمتمثل في وجود أقارب يرسلون الأموال من الخارج إلى ذويهم المرضى في السلفادور.

فمن بين 235 مريضًا كانوا يعتمدون على برامج الصحة العامة، لم يستطع الكثير منهم الحصول على جلسات الغسيل الكلوى، أو كانوا يخشون الطرق القديمة التي ترتبط بارتفاع عدد الوفيات.  كذلك، كانت تكاليف الانتقال من وإلى المدينة لتلقي العلاج باهظة للغاية أيضًا. ولم يستطع سوى 12 شخص من كل هؤلاء أن يتمكنوا من البقاء على قيد الحياة لمدة عام واحد بعد تشخيص المرض.

يتحدث الطبيب “جراسيا ترابانينو” مع أحد المرضى قائلاً: “ستحتاج إلى غسيل كلوي أو عملية زرع كلى وإلا ستموت. إننا نفقد شخصًا أو شخصين في هذه المنطقة كل أسبوع.   إنه الفقر الذي قتلهم وليس للمرض شأن.

ولكن، لم يكن الغسيل الكلوي بمثابة خط الدفاع الوحيد ضد المرض إذا أردت التدخل مبكرًا لتلقي العلاج. فبالنسبة لـ”روجيليو سانشيز”، أدت نوبات التهاب المعدة والأمعاء التي أصابته منذ أكثر من 10 أعوام إلى إنقاذ حياته بشكل غير مباشر.  فقد كشفت تحاليل الدم التي أجريت له أن كليته ما تزال في المراحل الأولى من الإصابة بالمرض المزمن، ومنذ ذلك الحين، استطاع العلاج أن يوقف تطور المرض لديه.

لقد حضر “شانشيز” لقاء اليوم مع أحد أبنائه الأربعة – “هنري” الذي بدت علامات الصحة على مظهره وعينيه، فضلاً عن أنه ظهر أصغر سنًا من عمره الفعلي 23 عامًا  الجدير بالذكر أنه منذ خمسة أعوام مضت، بدأ “هنري” يشعر بالمرض والتعب، فأجرى بعض تحاليل الدم التي كشفت عن إصابته هو أيضًا بنوع جديد من مرض الكلى المزمن.  لذا، فقد وصف “جراسيا ترابانينو” – والذي كان طبيبًا متطوعًا في هذه اللقاءات لـ”هنري” أدوية لرفع مستويات البوتاسيوم باستخدام الأقراص التكميلية المحتوية على البوتاسيوم والكالسيوم،   ونصحه بتقليل ممارسته لرياضة كرة القدم وتجنب التعرض لأشعة الشمس مع مراعاة شرب الكثير من الماء. والآن، أصبح مرض “هنري” تحت السيطرة تمامًا مثل والده

في عام 2006، بدأ الصندوق الاجتماعي للطوارئ الصحية في أخذ عينات دم من جميع السكان المحليين.  ومن بين 6000 عينة، تم اكتشاف 1500 شخص في مراحل متنوعة من الإصابة بالمرض،  كما توفي 100 عامل كانوا بالفعل في مرحلة متأخرة من المرض.  بالنسبة للأشخاص الآخرين، ساهم التشخيص المبكر مع تناول العلاج في المحافظة على استقرار حالتهم لعقود.  وعلى الرغم من ذلك، فقد كان الأمر يتطلب توفير المزيد من التمويل. ومن ثم، اعتمد هذا الصندوق على التبرعات بسبب عدم دعم الحكومة له؛ حيث ازداد عدد الأشخاص المحتاجين لهذا العلاج مؤخرًا.

نتوقع أن يزداد تأثر الكلى سلبًا مع الاستمرار في ارتفاع درجات الحرارة. بالنسبة لـ”جونسون”، ارتبط السبب وراء تفشي الوباء بتلك الأمور المزعجة التي رصدها خلال بحثه مع “جراسيا ترابانينو”.

فذات يوم، عندما كان الباحثون الميدانيون يقيسون مستويات حمض اليوريك لدى العمال، لم يهتم بالذهاب وقتئذ إلى العمل سوى سبعة أفراد فقط.  ويقول “جونسون”: “لقد كان لدى جميع العمال مستويات عالية من حمض اليوريك في البول كلهم دون استثناء  ولكن لم يكن الأمر سيئًا إلا لدى هؤلاء السبعة أفراد فقط.

فاتصل “جونسون” – وقد سيطر عليه هذا الشعور بالانزعاج – بالباحث الرئيسي المسئول عن الدراسة الذي شعر بأنه يتعين على فريق البحث تجاهل النتيجة نظرًا لأن عدد قليل جدًا من العمال تمكن من الذهاب إلى العمل هذا الصباح.  يقول “جونسون”: “ولكنني قلت ربما تكون هذه المجموعة هي الأكثر أهمية في هذا الصدد لأن 100 في المائة من العمال تمكنوا من إدراك خطورة الموقف في ذلك اليوم.

مقبرة في سان ماركوس ليمبا – السلفادور. بريت جوندلوك/بوريال كوليتكتيف

عندما نظر “جونسون” إلى طبيعة الطقس وقتئذٍ، اكتشف أن حرارة هذا اليوم قد سجلت في واقع الأمر أعلى معدلاتها في مكان الدراسة. فيصرح قائلاً: “لقد كانت هناك موجة حارة في هذا اليوم على غير العادة، ولم يكن العمال مستعدين لها.  لقد أقبلوا على الخروج في هذه الموجة الحارة، واعتبروا اليوم يومًا عاديًا نسبيًا، فترتب على ذلك إصابتهم بالمرض.

وبدلاً من اهتمامه المعتاد بأبحاث أمراض الكلى والسكر، بدأ “جونسون” في دراسة الخرائط العالمية للمناخ والإشعاع الشمسي.  فقد لوحظ ازدياد ارتفاع درجات الحرارة على مدار السنوات القليلة الماضية في أمريكا الوسطى، مع ازدياد عدد من الأحداث المتطرفة على نحو غير ملائم. فيقول “جونسون”: “يا إلهي! لقد ساد الأوبئة تلك المناطق التي سجلت أعلى معدلات من الإشعاع الشمسي والموجات الحرارية.

فاتصل “جونسون” بخبراء علم المناخ والأرصاد الجوية بالإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي في بولدر بولاية كولورادو  فقام هؤلاء الخبراء على الفور بالتحقق من اكتشافات “جونسون”، ونشر فريق العمل تقريرًا تقييميًا في مايو 2016 أظهر وجود علاقة بين تغير المناخ وتفشي هذا الوباء.  يقول “جونسون”: “قد يكون هذا الوباء أحد الأوبئة الأولى التي تسببها ظاهرة الاحتباس الحراري للكرة الأرضية.”

لقد أعرب “جونسون” عن أن تغير المناخ كفيل بأن يجلب الكثير من التنبؤات التشاؤمية بصدد الظواهر الجوية القاسية وارتفاع مستوى سطح البحر مستقبلاً، ناهيك عن تأثيره السلبي القاسي على السكان الأكثر فقرًا وضعفًا على مستوى العالم الآن.  فعلى الرغم من تأثر الجسم نتيجة التعرض للحرارة بالعديد من الطرق، فإن الكلى تكون على رأس الأعضاء المتأثرة سلبًا بدرجة كبيرة لأن دورها يكمن في الحفاظ على استقرار كميات الدم بالجسم والمستوى الطبيعي للإليكتروليات (Electrolytes). يقول “جونسون” نتوقع أن يزداد تأثر الكلى سلبًا مع الاستمرار في ارتفاع درجات الحرارة.”.

عكف الباحثون حاليًا على تصنيف الشكل الجديد لمرض الكلى المزمن تحت مسمى “حساسيته للمناخ”، وهو ما يعني أن للمناخ دورًا رئيسيًا للإصابة بالمرض. فمع استمرار درجات الحرارة في الارتفاع، سترتبط الكثير من هذه الأمراض بالأرصاد الجوية والمناخ السائد، وهو ما يزيد من اهتمامنا ومتابعتنا لها بشكل أكبر.

سيبدأ المرض وكأنه مشكلة صغيرة، ليتفاقم بعد ذلك بشكل رهيب.

صرح “إيمانويل جاركين” – والذي لاحظ تأثير ارتفاع درجات الحرارة على المزارعين في السلفادور – قائلاً: “إن تغير المناخ ليس بالشيء الجديد علينا، فقد ظل المناخ يتغير ويتغير لفترات طويلة.  لقد شهدت البلاد فصول صيف أعلى حرارةً، وفصول شتاء أكثر جفافًا.  كذلك، فقد قلت مساحات زراعة البن أعلى سفوح الجبال – والتي تحتاج إلى ارتفاع ما بين 600 و1000 متر فوق مستوى سطح البحر حيث توجد تلك الظروف الباردة المثالية لنمو المحصول.  كما ساهمت الحرارة العالية في زيادة عدد الآفات وارتفاع معدلات الجفاف، حتى بدأ بعض المزارعين في استبدال زراعة البن بزراعة أشجار الكاكاو.

فبينما لا يعد تغير المناخ هو السبب الجذري للإصابة بمرض الكلى المزمن الجديد، فإنه يسهم في زيادة حدته وتأثيره السيئ؛ حيث يقول “جاركين”  ستصبح مهاجمة المرض للفقراء أكثر شراسة،  وسيبدأ المرض وكأنه مشكلة صغيرة، ليتفاقم بعد ذلك بشكل رهيب.

ومن ثم، يعد هذا المرض بالنسبة لسكان السلفادور عقبة أخرى تهدد حياتهم

ففي ظل حياتهم دومًا تحت تهديد الزلازل والبراكين، وعنف العصابات والقلاقل السياسية والفقر، استطاع سكان السلفادور أن يضعوا لأنفسهم آلية دفاع قوية يتمثل قوامها في الاهتمام بالانتماء للأسرة والمجتمع والزملاء  وفي هذا الصدد، يقول “جاركين”: “حتى مع مراعاة الظروف التي نعيش فيها، ما زلنا نؤمن بالأشياء الجيدة ونتفاءل بوجودها، فنحن مقاتلون، ونحاول دائمًا أن تفعل أمورًا جيدة في مواجهة كل الصعاب.”

بالنسبة لـ”جراسيا ترابانينو”، أصبحت البراكين شاهقة الارتفاع رمزًا لما يمكن أن يكون عليه شعب السلفادور  فيقول: “كنت أعتقد أننا لم نكن أذكياء عندما كنت صغيرًا وأرى اهتمامنا بالبناء تحت سفح البركان. ولكنني أدركت بعد ذلك أن البراكين توجد في كل مكان في السلفادور.  لقد ساهم العيش تحت البراكين في تقدير الشعب لقيمة الحياة – لأنهم من الممكن أن يلقوا مصرعهم في أي يوم، كما منحهم الشعور بالقوة.

لقد استطعنا تجاوز محنة الحرب الأهلية، والنجاة من الزلازل والبراكين؛ فشعبنا – شعب السلفادور – مقاتل بطبعه، وسيظل دائمًا.

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *