يختارُ النّخبة أنفسهم

ترجمة بتصرف لمقال: The “Chosen Ones” Choose Themselves
By James Clear.

تدقيق: هداية اخضير

تقدمت شابة في عام 1994 بطلب أمر طلاق من زوجها، وبما أنَّها بلا عمل ولديها القليل من المال لتعيش منه فقد سجلت اسمها للحصول على إعانة الرعاية الاجتماعية كي تستطيع من خلالها العناية بابنتها الصغيرة، كما أنّها وحيدة بعد وفاة أمها التي كانت أيضاً على علاقة سيئة مع زوجها الذي يكون والد هذه الشابة، وإضافة إلى وحدتها فقد كانت تعاني من الإكتئاب وعلى وشك الإنتحار، وأشارت عدة مرات بأنها “أكثر شخص فاشل عرفته”، لكن خلالَ الخمس سنوات التي تلت طلاقها حاربت الخوف والإحباط وأصبحت -بعد أن كانت تعيش على إعانات الرعاية- تملك أموالاً طائلة وهي التي بدأت للتو، تُدعى هذه الشابة (كان جوان) المعروفة باسم (جي كي رولينغ).

بزوغ نجم جي كي رولينغ

جي كي رولنيغ كاتبةُ سلسلة كتب هاري بوتر والتي قد بيع منها أكثر من أربعمائة مليون نسخة لتكون من سلسلة الكتب الأكثر مبيعاً على مرّ التَّاريخ، مُثلت هذه القصة لاحقاً في سلسلة أفلام حتى أصبحت سريعاً أكثر سلسلة أفلام ربحاً على الإطلاق، و وفقاً لمجلة (فوربس) فإن رولينغ هي أول كاتبة في التَّاريخ تجني أكثر من مليار دولار من تأليف الكتب.

سيُدهشك نجاح رولينغ أكثر حينما تأخذُ ماضيها في عين الإعتبار، فقد كانت تعيش على الإعانات الإجتماعية حينما قدمت مسودة روايتها الأولى، فكيف استطاعت الخروج من وطأة الفقر لتصل إلى قمة عالم الأدب؟ نلاحظ أنَّ هناك الكثير من الأمور المُحيِّرة بالطبع لكنني أؤمن بأنَّ ثمة أمر واحد قد أثر بشكل كبير على مسيرة نجاحها وهو أن رولينغ رأت نفسها مسؤولة عن أي أمر يحدث في حياتها ومن واجبها اتخاذ تدبير حياله.

ليس خطؤك إنَّما مسؤوليتك

بالتأكيد أنَّ رولينغ لم تختر لنفسها أن تكونَ ضمن علاقة فاشلة مع زوجها لتنتهي بالطلاق ولم تحلم بتربية ابنتها في وضع مادي سيّء، وبينما أنَّها لم تكن على خطأ أدى لحدوث كل تلك الأمور فإنَّها اختارت أن تكون مسؤولة عن التصرف في هذا الشأن.

فحينما فشل زواجها أخذت ابنتها وانتقلت إلى دولة أخرى، وحينما لم تحصل على عمل بدأت بكتابة كتابها، وحينما رفض 12 ناشراً رواية هاري بوتر ذهبت بها إلى الناشر الثالث عشر، وحينما صَعبت عليها الحياة أذِنت لنفسها بكل محاولة لتحسينها.

وهنا تصف رولينغ كيف تعاملت مع الأمور الصعبة في حياتها:

إنَّ الفشل يعني التجرد من كل ماهو غير ضروري، ولذلك كانت تقول أنّها توقفت عن التظاهر أمام نفسها بأنّها أي شيء بخلافِ ما هي عليه في الحقيقة، وكرست جهدها كلَّه لإنهاء العمل الوحيد الذي يهمها، وكانت تقول أيضاً “ربما لم أكن لأعثر على العزم للوصول إلى النجاح في المكان الذي أنتمي إليه حقاً؛ إن كنت قد نجحت في أي أمر آخر عداه، تحررت من خوفي عندما حدث ما كنت أخشاه؛ كنت لا أزال على قيد الحياة، ولدي ابنة أحبها، وآلة كاتبة قديمة، وفكرة عظيمة، وهكذا أصبحت العقبة الكبيرة(الفشل) أساساً متيناً أعدتُ بناء حياتي عليه.

-جي كي رولينغ، خطاب التَّخرج في جامعة هارفارد 2008

لم أمُر ولو بجزء بسيط من المشقة التي عانت منها رولينغ؛ ولكنِّي أدركت قوة المسؤولية الشخصية من خلال معاركي المحدودة، قد لا تكون ظروف الحياة طَوع يديك ولكنك تستطيع التحكم بالجهد والحماس الذي تواجه به هذه الظروف.

يختار النخبة أنفسهم

نفترض دائماً أنَّ الناجحين وصلوا إلى ما هم عليه بسبب التحاقهم بجامعة مناسبة أو معرفتهم بالشخص المناسب أو امتلاكهم لجينات جيدة أو التحاقهم بوظيفة مناسبة في الوقت المناسب، ومن السَّهل التَّفكير بالنَّجاح بهذه الطَّريقة لأنَّك تستطيع القول من خلالها بأنَّ أولئك الناجحين محظوظون بامتلاكهم مزايا معينة لا تملكها أنت وهذا هو ما يصنع الفرق، وفي الحقيقة نعم فالحظ يلعب دوراً في الحياة لكنَّه فرصة فحسب، فهو باب مفتوح وبيدك قرار عبوره وصناعة شيء منه.

وبالنَّظر الآن إلى ما مضى من حياة رولنيغ، فقد تُشير إلى مئات الظروف التي لعب الحظ فيها دوراً في نجاحها، لكن كلّ تلك الأبواب المفتوحة ما كانت لتكون ذات قيمة لو لم تختر رولينغ عبورها، فقد راهنت هي على نفسها قبل أن يراهن العالم عليها.

إنَّ الأشخاص الذين انتهى بهم الحال ليكونوا من “النخبة” -كَكُتاب الكتب الأكثر مبيعاً أو أصحاب الأعمال الناجحة أو النخبة من الرياضيين أو حتى أصحاب الفن والمواهب- قد نجحوا أولاً وأخيراً بسبب أنَّهم اختاروا أنفسهم قبل أن يكون لديهم أدنى مقياس للنجاح، والرضى بذلك القدر من النجاح ليس بالأمر الهين؛ فهو يعني غالباً أن تراهنَ على نفسك حينما تشعر بالفشل.

من أي نقطة تبدأ ؟

نحبُ أن نحكي قصص النَّجاح والشُّهرة، و نحب التَّحدث عن المال والثّراء، و نحب الثّناء على الرّابحين والأبطال ومؤلفي الكتب الأكثر مبيعاً، وهي حقيقة لاسيما عندما تتضمن قصة انتقال من الفقر إلى الثراء كقصة جي كي رولينغ، لكن ليس هناك أمر مغرٍ حول التصدي للفشل و الشك، وليس بالأمر السهل اختيارك لنفسك حينما تشعر بالمعاناة.

لازلت أتذكر أول ستة شهور لي كرائد أعمال، لقد كانت أياماً قاسية، فقد ارتكبت بالعديد من الأخطاء ولم أربح المال، ولكن حين أعيد النظر إلى ما مضى الآن، فإنِّي ممتن لمواصلتي الرهان على نفسي حتى وإن كنت قد شعرت في كل يوم منها بأنّي فاشل.

يوجد العديد من الأهداف في الحياة التي تتطلب هذا النوع من المعاناة، كما كان وضع جي كي رولينغ التي اختارت أن تكون كاتبة حينما كانت فقيرة، وأم عزباء بلا عمل، وهذا يعني أن تختار نفسك عندما…

لا تملك أية علاقات

تكون عديم الخبرة والجدارة

تكون فقيراً وبلا موارد

تكون بديناً و بلا لياقة

فالنَّاجحون لا ينتظرون حتى يُختاروا، أو يُعيّنوا، أو يُرشّحوا، بل يبدؤون قبل أن يشعروا بأنّهم على استعداد، ويقولون لأنفسهم “لا يهم إن كان حالي هذا نتيجة خطأ منّي أم لا، فهذا ما أنا عليه الآن ومن واجبي فعل شيء حيال هذا الأمر”.

والنُّخبة هم من يختارون أنفسهم.

المصدر.