ذكريات الاساءة في مرحلة الطفولة

ترجمة بتصرف لمقال: Memories of Childhood Abuse المنشور في موقع apa.org

 

هل يمكن لذكرى أن تنسى ثم تستعاد فيما بعد؟! وهل يمكن لذكرى كانت مقترحة من الإنسان أن تذكر فيما بعد على أنها الذكرى الحقيقية؟!

تكمن هذه الأسئلة في أعماق قضية تذكر الإساءة في مرحلة الطفولة. قد يستطيع الخبراء في مجال الذاكرة والصدمة النفسية تقديم بعض الإجابات ولكن كما هو واضح سيتطلب هذا الموضوع المزيد من الأبحاث والدراسات. ما نعرفه هو أن كلا من الباحثين في قضايا الذاكرة والأطباء المعالجين الذين تعاملوا مع ضحايا الصدمة النفسية اتفقوا على إمكانية حدوث الظاهرتين. إلا أن أخصائيين علم النفس السريري صرحوا بأن ظاهرة استعادة الذكرى (وعلى سبيل المثال، فقد أفاد طبيب ذو خبرة عن وجود حالة استعادة ذكرى ظهرت مرة واحدة خلال عشرين سنة من المحاولة). بالرغم من أن الأبحاث العملية قد أظهرت أن الذاكرة غالبا غير دقيقة وقد تتأثر بالعوامل الخارجية، فإن البحث المتخصص بالذاكرة إما أن يعقد في مختبر أو في إطار الأماكن المعتادة يوميا. ولأسباب أخلاقية وإنسانية فلا يعرض الباحثين في قضايا الذاكرة الأشخاص لحدث صادم بهدف فحص ذكرياتهم عنه. لأن هذه القضية لم تدرس بشكل مباشر، فنحن لا ندري إن كانت ذكرى حدث صادم سوف ترمز وتحفظ بطرقة مختلفة عن تلك التي تكون عن حدث غير صادم.

يصدر بعض الأطباء المعالجين نظرية أن الأطفال يدركون ويستجيبون الصدمات النفسية بطريقة مختلفة عن الراشدين. يعتقد البعض علاوة على ذلك أن صدمات الطفولة قد تؤدي إلى مشاكل في ذاكرة التخزين واستعادة الذكريات. يعتقد هؤلاء المعالجون أن العملية الذهنية التي تسمى ” الخاطرة الكاذبة” تعد تفسيرا محتملا لفقدان ذكرى وعودتها فيما بعد. لا تعني هذه العملية فقدان الذكرى بشكل فعلي ولكن تعني عدم توفر استعادة الذكرى في الوقت الحالي، وهذا يعني أنها في الذاكرة التخزينية، ولكن في الواقع لا يمكن استعادتها لفترة من الزمن.

يعتقد بعض من الأطباء المعالجين أن الحالات الشديدة من الاعتداء الجنسي على الأطفال يساعد وبشكل خاص على حدوث اضطرابات سيئة في الذاكرة، مثل “الخاطرة الكاذبة” أو التأخر في استجابة الذاكرة. ويعتقد العديد من الأطباء المعالجين ممن عملوا مع ضحايا الصدمات النفسية “الخاطرة الكاذبة” هي طريقة شخصية ليحمي المصاب/ة نفسه/ها من ألم الذكرى. وقد اعترض العديد من الباحثين حيث أن الدعم العملي قليل أو معدوم لنظرية مثل هذه.

ما هو الحد الأدنى؟!

أولا، إنه لمن المهم استعراض أن هناك إجماع بين الباحثين في قضايا الذاكرة والأطباء المعالجين أن الأشخاص الذين تعرضوا لاعتداء جنسي في طفولتهم فإنهم يتذكرون بعض أو كل ما حدث لهم، حتى وإن لم يستوعبوا ما يحدث أو يكتشفوه. وفيما يتعلق بقضية التفريق بين استعادة ذكرى بالمقارنة مع “الخاطرة الكاذبة”-هي عبارة عن تذكر مالم يحدث أي تذكر الأحداث بشكل خاطئ التي ينتجها العقل للتخفيف من حدة الموقف وحماية الشخص من ألم الصدمة-   فإن الحال مشابه لحال العديد من الأسئلة المتعلقة بالمجال العلمي … فالجواب الأخير لم يعرف بعد. ولكن أغلب علماء المجال اتفقوا على أن بالرغم من ندرة حدوثه إلا أن ذكرى إساءة قد حدثت في مرحلة الطفولة المبكرة وقد نسيت فإنه من الممكن استعادتها فيما بعد. إلا أن هؤلاء العلماء اتفقوا أيضًا على احتمالية بناء ذكريات لم تحدث لكنها مقنعة وهذه العملية تسمى “الخاطرة الكاذبة”.

آلية/آليات حدوث كلا من هاتين الظاهرتين لم تفهم جيدا بعد، وفي هذه المرحلة إنه لمن المستحيل-وخصوصا عند عدم وجود أدلة مؤكدة أخرى –التمييز بين ذكرى صحيحة و”خاطرة كاذبة”.

هل من دراسات إضافية مطلوبة؟!

قد أثار الجدل حول صحة ذكريات الإساءة في مرحلة الطفولة العديد من القضايا الهامة للمجتمع النفسي. العديد من الأسئلة حتى الآن لم يجاب عليها. وهذا الجدل قد أوضح أن هناك مجالات من البحث التي ينبغي متابعتها، ومنهم ما يلي:

**بحث لتوفير إدراك أفضل لآلية تكوين الذكريات الدقيقة (الصحيحة)وغير الدقيقة (الخاطرة الكاذبة) عن الأحداث.

**بحث لتأكيد أي التقنيات السريرية من الغالب أن تؤدي إلى تكوين” الخاطرة الكاذبة” عن الأحداث، وأي من التقنيات هي الأكثر فعالية في خلق الظروف التي تعين على تذكر الأحداث الحقيقية للإساءات في مرحلة الطفولة بدقة.

**بحث لتأكيد كيف أن الصدمات النفسية و ردات الفعل المؤذية أو الصادمة تؤثر على عملية التذكر!

**بحث لتأكيد إذا كان بعض الأشخاص يتأثرون أكثر من غيرهم بالذكريات المقترحة أو البديلة، وإن كان صحيح، فلماذا؟!

جزء كبير من هذه البحوث ممكن أن يحقق من خلال الجهود التعاونية بين علماء النفس المتخصصين في أبحاث الذاكرة والأطباء المعالجين الذين يختصون في العمل مع ضحايا الصدمات النفسية وسوء العاملة.

إذا كان ما زال هناك الكثير من الجدل حول ذكريات الإساءة في مرحلة الطفولة، فهل ما زال ينبغي علي طلب المساعدة من متخصص الصحة العقلية؟

نعم، مشكلة الذكريات المقترحة أو المكبوتة تم التهويل فيها والتحدث كثيرا عنها عبر وسائل الإعلام. وقد نجحت وسائل الإعلام والترفيه فيما يخص مشاكل الذاكرة في جعل السيناريو الأقل احتمالا (وهو أن يتم فقدان الذاكرة الإجمالية لحدث في مرحلة الطفولة) كأنه الأكثر احتمالا للحدوث. وفي الواقع أغلب من كانوا ضحايا الاعتداء الجنسي في مرحلة الطفولة يتذكرون كلا أو جزءا مما حدث لهم. ولكن يوجد الآلاف من الناس يراجعون الأخصائي النفسي بصورة يومية وساعدهم ذلك على التعامل مع مواضيع مثل: التعديل الشخصي، الاكتتاب، تعاطي المخدرات، المشاكل في العلاقات. قضايا الإساءة في مرحلة الطفولة أو تقنيات استرجاع الذكريات المشكوك فيها في الغالبية العظمى لا تدخل أبدأ ضمن المعادلة في العلاقات العلاجية.

ما الذي يتوجب عليّ معرفته عن اختيار المعالج النفسي ليساعدني في التعامل مع ذكريات الطفولة أو القضايا الأخرى؟!

أصدرت الجمعية الأمريكية لعلم النفس النصيحة التالية للعامة لوضعها في عين الاعتبار عند التماس خدمات العلاج النفسي.

أولا، اعلم أنه لا توجد مجموعة موحدة من الأعراض التي تشير بشكل تلقائي أن شخص ما كان ضحية لسوء المعاملة في مرحلة الطفولة. وكانت هناك تقارير من وسائل الإعلام لمعالجين استعرضا فيها أن الأشخاص (خاصة النساء) الذين يعانون من مجموعة محددة من المشاكل أو الأعراض لابد أنهم كانوا ضحايا للاعتداء الجنسي في مرحلة الطفولة. لا يوجد دليل علمي يدعم هذا الاستنتاج.

ثانيا، ينبغي النظر من منطلق محايد لجميع المسائل المتعلقة بذكريات الإساءة في مرحلة الطفولة المحتمل كونها استعدت. لا ينبغي للطبيب المعالج أن يتعامل مع الذكريات المستعادة بتصور مسبق أن الإساءة يجب أن تكون قد حدثت أو حتى أنه ليس من الممكن أن تكون الإساءة قد حدثت.

ثالثا، عندما نضع في عين الاعتبار المشاكل الحالية، خذ حذر من أولئك المعالجين الذين يقدمون تفسيرا فوريا بأن هذه المشاكل هي بسبب التعرض الإساءة في مرحلة الطفولة، وأيضا خذ حذرك من المعالجين الذين يتجاهلون الادعاءات أو التقارير عن وجود اعتداء جنسي في مرحلة الطفولة دون أي فحص.

رابعا، عند السعي للعلاج النفسي، ينصح لك أن تراجع طبيبا مرخصا ومدربا وذو خبرة في المسألة التي تسعى لمعالجتها. اسأل الطبيب/ة المعالج/ة عن أنواع العلاج الذي يستخدمها/ تستخدمها وكيف يمكن لهذه التقنيات أن تساعدك.

ما هي ردة الفعل المتوقعة من طبيب كفؤ تجاه ذكرى مستعادة؟!

**المعالج النفسي الكفؤ سيحاول التمسك بالحقائق كما أخبرت عنها أنت. سيحرص المعالج/ ة النفسي/ ة  الكفؤ على ترك المعلومة تتطور كما ترويها ذاكرتك، وليس أن يوجهك نحو تفسير أو استنتاج معين.

**من المرجح أن يقر المعالج النفسي الكفؤ بأن المعرفة الحالية لا تمنح استنتاجا مؤكدا بأن الذكرى حقيقية أو كاذبة بدون وجود أدلة مؤكدة أخرى.

ما هي الشهادات المعتمدة التي يجب أن ابحث عنها عند اختيار مقدم للرعاية الصحية العقلية؟!

يتوجب عليك أن تختار المختص في الصحة العقلية بعناية كما تفعل عند اختيار من يهتم بصحتك الجسدية. على سبيل المثال، أخصائيون علم النفس المرخصون على شهادة البكالوريوس وأكملوا من 5_7 سنوات من الدراسات العليا وتوجهوها بدرجة الدكتوراه، ويتضمن ذلك سنة من التدريب بدوام كامل. يطلب من جميع أخصائيون أن يكونوا مرخصين (معتمدين) من قبل الدولة حيث يعملون، والعديد من الدول تطالب أن يبقى تدريبهم مستمرا عن طريق فصول تعليمية مستمرة وسنوية. يلزم أيضا أعضاء جمعية علم النفس الأمريكية بقوانين صارمة للمعايير الأخلاقية.

حالما يتم انشاء الترخيص لأخصائيين علم النفس، خبرته/خبرتها في التعامل مع القضايا التي تريد المساعدة في حلها، يعتبر امرا مهما. وأيضا من الأشياء المهمة، درجة راحتك مع مقدم هذه الرعاية. يعتبر العلاج النفسي مجهود تعاوني بين كلا من المعالج والمريض، ولهذا فمستوى عالي من الثقة والراحة يعتبر مهما. ومن ناحية أخرى، يجب أن تقلق إذا أخبرك معالجك أن عدد كبير من مرضاه/ها استعادوا ذكريات الإساءة في مرحلة الطفولة أثناء العلاج.

هناك عدد من الطرق الجيدة للحصول على الإحالة المختص في الصحة العقلية. الجمعية النفسية الخاصة بدولتك ستكون قادرة على إحالتك لأخصائي علم نفس في دولتك، العديد من منظمات الدولة تقع في عاصمة الدولة ذاتها. وأيضا لأن العديد من الأمراض العضوية لها مكون نفسي، فإن معظم أطباء الأسرة لديهم علاقة عمل مع أخصائي علم نفس، أسأل طبيبك عن الإحالة، وأيضا من المعتاد أن يحتفظ كلا من  البرنامج الإرشادي في الكنيسة، الكنيس(معبد يهودي)، المدرسة الخاصين بك أو مركز الاستشارات الجامعية بقوائم للتواصل مع مقدمين للصحة النفسية الذين يتواجدون في المجتمع المحيط.

وقد نشرت الجمعية الأمريكية لعلم النفس كتيب إرشادات حول اختيار مقدم للرعاية الصحية العقلية، وكان الكتيب بعنوان” كيفية اختيار أخصائي علم النفس”

ملاحظة المحرر: تم إصدار هذه الوثيقة حسب توجيهات مجلس إدارة الجمعية الأمريكية لعلم النفس، وهو مبني على تقارير ووثائق عديدة. ويتضمن ذلك، ولكن ليس على سبيل الحصر، جهود فريق عمل الجمعية في التحقيقات الخاصة بالذكريات حول الإساءة في مرحلة الطفولة.

المصدر.