ما الذي يمكن أن نتعلمه من خمسة من المدارس الأكثر تقدماً في العالم؟!

ترجمة بتصرف لمقال: What We Can Learn From 5 of the Most Innovative Schools in the World. By Jennifer Lachs

تدقيق: نوف عبد العزيز

مراجعة: محمد المهندس

بينما العالم يتغير بوتيرة لم يسبق لها مثيل، بقي نظام التعليم في معظم الدول ومنذ زمن طويل ثابتًا دون تطوير، حيث أن المدارس مازالت تشبه تلك التي درس فيها آباؤنا وأجدادنا. وفي ظل التغيير في المشهد الوظيفي والأتمتة والتكنولوجيا فهناك حاجة للطلاب إلى أن يكونوا مُعدّين لوظائف قد لا تكون موجودة الآن، ولذلك تكافح أغلب المدارس من أجل أن تواكب التطورات الحديثة.

لكن بعض المدارس ترفع توقعاتها بإستمرار عندما يتعلق الأمر بالإبتكار، منها مدرسة محايدة الجنس في السويد، ومنها مدرسة عامة في أوهايو، وبعض المدارس الأخرى التي تعد من أكثر المدارس ابتكارًا في العالم والتي تكسر القوانين التعليمة التقليدية وتحقق نتائج لا تُصدق.

سنلقي نظرة هُنا على بعض من المفاهيم التي تستند عليها هذه المدارس المبتكرة، وما يمكننا أن نتعلم منها:

١. مدرسة ستيڤ جوپز في أمستردام:

تهدف مدرسة ستيف جوپز بأن تكون نموذج عصري ومتجدد. وامتثالاً لمن تحمل اسمه تتبع أسلوب التعلم والاكتشاف لتشجع الأطفال على اكتشاف شغفهم . وقد تأسست هذه المدرسة في أمستردام، ثم توسعت وأصبح لديها فروع في كل من هولندا وبلجيكا وجنوب أفريقيا.

يعتمد التعليم في مدارس ستيف جوپز على (التوجيه الذاتي)، بحيث يستلم كل طفل جهاز آيباد مزوّد بتطبيقات وألعاب تعليمية محملة مسبقًا. وعلى الرغم من إمكانية مشاركة الآباء في توجيه الأطفال، إلا أن المدرسة تشجع الطفل على إختيار ما يرغب في تعلمه في الوقت المناسب له. واتباع هذا النهج أظهر زيادة الاهتمام والتحفيز مما أدى الى تحسين التعلم.

إلا أن التعليم في المدرسة لا يعتمد بشكل كامل على الكمبيوتر والأجهزة الذكية، فهناك الكثير من المشاريع التعاونية بين الطلاب التي تساهم بصقل مهاراتهم الإجتماعية.

وقد قطعت المدرسة على نفسها عشرة وعود لكل طفل ينضم إليها، ووقد عُلِّقت بشكل بارز بحيث يراها الأطفال يومياً، حيث كان أهمها هو “نَعِدُك بأن نستخدم أحدث التقنيات دائمًا حتى نُعِّدُكَ لعالم الغد”.

ومن أكثر الجوانب الرائعة في نظام المدرسة التعليمي هو مساهمة الوالدين بشكل مباشر في العملية التعليمة؛ حيث يجتمع المدرب (في مدرسة ستيڤ جوپز لا يُدعى مدرس) كل ستة أسابيع مع الوالدين من أجل متابعة مستوى الأطفال، وتحديث خطة التعليم الفردية الخاصة بكل طالب على حدة.

ولمتابعة مستوى الطفل أولاً بأول يستطيع الآباء تحميل تطبيق شخصي يزودهم بتفاصيل كثيرة قد لا يستطيعون الإلمام بها والحصول عليها من اجتماع مع المدرب، أو بتقرير دراسي دوري.

٢-مدرسة Egalia في ستوكهولم بالسويد:

تعد المدارس المختلطة بين الجنسين نموذجًا سائدًا في معظم دول أوروبا لقرون ، إلا أن حضانة إغاليا في ستوكهولم اتبعت هذا المفهوم بطريقة مختلفة ونقلته لمستوى آخر.

ويستند نظام هذه المدرسة الثورية على مبدأ المساواة والذي يهدف لمنع أي نوع من العنصرية أو التمييز سواء في العمر أو المهارات أو الطبقة الإجتماعية أو العرق أو العجز أو الجنس.

وتتجنب المدرسة الأسماء المذكرة أو المؤنثة، وتتجنب أيضاً التصنيف المبني على نوع الجنس، فبدلاً من استخدام “فتيات” و”أولاد” و”هي” و”هو” للإشارة إلى الأطفال يستخدم المعلمون اسماء المجموعات أو اسم الطفل الأول.

وعند قراءة الكتب أو سرد القصص يقوم المعلمون عادةً بتغيير الأدوار فيجعل الأميرة تنقذ الأمير أو يستخدم المعلمون شخصيات ذات جنس محايد كأبطال للقصة.

والهدف من هذا النظام هو تعليم الأطفال الحكم على بعضهم البعض بناءً على أفعالهم وشخصياتهم بدلاً من التصور المسبق عن أدوار كل من الجنسين.

٣.مدارس Carpe Diem في أوهايو والهند وأريزونا:

مدارس كارب ديم تشبه إلى حد كبير المكاتب المفتوحة مزودة بزاوية مكتبية صغيرة ولا تشبه الفصول الدراسية التقليدية.

وتستخدم هذه المدارس المجانية العامة نموذج التعليم المختلط لطلاب المرحلة المتوسطة والثانوية، وهذا يعني أن التعليم القائم على المشاريع يسير جنبًا إلى جنب مع التعليم الذاتي بواسطة أجهزة الكمبيوتر.

وبدلاً من توزيع الطلاب في فصول مختلفة وفصلهم بناءً على مهاراتهم، يلتقي الطلاب في نفس الفصل الدراسي وكل منهم يتلقى المستوى الخاص المناسب له.

وكل طالب يتعلم بطريقته الخاصة باستخدام جهاز الكمبيوتر الخاص به بناءً على خطة مفتوحة للفصل الدراسي، وهذا يعني أن الطالب بإمكانه اختيار سرعة تعلمه تعلمه دون أن يتراجع أو يخفق.

وبالإضافة إلى المنهج القائم على البرمجيات يعمل الطلاب أيضاً على مشاريع جماعية مع بعضهم البعض، أو مع معلمين المدرسة في فصول دراسية تقليدية. ويعتمد الكثير من التعليم فيها على البحوث، حيث شجعت هذه الطريقة الطالب على المحاولة والتعلم من الأخطاء في كل يوم.

ويحصل الطالب على فرص للعمل بشكل مباشر مع الكليات المحلية أو المنظمات المجتمعية أو أعمال تجارية حقيقية من أجل حل مشاكل حقيقة في العالم.

وقد صُممت هذه المدارس في ولاية أريزونا بشكل متطور يناسب طلاب الألفية الذين يفضلون التقنية عن الطرق التقليدية

وتفوقت هذه المدارس على مدارس المنطقة بمتوسط كفاءة بلغ ٩٢٪ على مدارس المنطقة التي بلغ متوسط كفائتها ٦٥٪.

٤.مدرسةGreen  في بالي:

الإبتكار لا يعني دائماً التقنية العالية.

تخيل مدرسة بدون جدران تقع بين غابات ممطرة و حقول الأرز، وقد بُنيت من الخيزران وتستمد طاقتها من الشمس. المدرسة الخضراء (The Green School) في بالي تأسست لتكون مهمتها الأساسية تعليم الطلاب من أجل التنمية المستدامة بإستخدام نهج شامل.

بعد مشاهدة “An Inconvenient Truth” قرر الزوجان الأمريكيان جون و سينثا هاردي المقيمان في جزيرة بالي الإندونيسية بيع محل المجوهرات الخاص بهما وبناء مدرسة خضراء متكاملة لتدريس الأجيال القادمة العيش باستدامة. ومنذ إفتتاح المدرسة سنة ٢٠٠٨ فقد توسعت المدرسة الخضراء حتى بلغ عدد الطلاب ٤٠٠ طالب في مراحل مختلفة ابتداءً من رياض الأطفال وحتى المرحلة الثانوية حتى أنهم وفروا خيار الطيران لمن يود الإلتحاق بهذه المدرسة.

وتم دمج المواد الدراسية التقليدية مثل الرياضيات واللغات مع مواد وحصص عملية تتضمن الطبخ والعناية بالحدائق. وتشمل الحصص أيضاً المصارعة التقليدية بالطين. والمعلمون مختلفون ومتنوعون تماماً كالطلاب، فقد قدِموا من أنحاء مختلفة من العالم من أجل التدريس في المدرسة والتعلم من خلال رسالتها وقيمها.

وقد تحولت المدرسة الخضراء إلى مجتمع متكامل أكثر من كونها مجرد مدرسة، حيث تحولت إلى مجتمع متكامل، فالكثير والكثير من الآباء قاموا ببناء منازلهم بجوار حرم المدرسة الخضراء وبطريقة مستدامة وذلك بإستخدام المبادئ التي تعلمها أطفالهم من المدرسة.

وبالرغم من أن الطلاب المحليين يمثلون ٢٠٪ من مجموع الطلبة إلا أن المدرسة تعرضت لإنتقادات بسبب عدم تنوع جنسيات الطلاب الأجانب بالإضافة إلى ارتفاع الرسوم الدراسية التي تتراوح بين سبعة وستة عشر ألف دولار أمريكي سنوياً.

وعلى الرغم من رسوم القسط فهدف المدرسة هو تمثيل نموذج حديث لبالي والعالم وتربية الجيل الجديد لأجل أن يصبحوا قادة مهتمين بالأرض والبيئة. ويستند هذا المفهوم على ثلاثة مبادئ بسيطة: كن محليّاً واسمح للبيئة بأن تكون هي القائد وفكر في مستقبل أحفادك.

وبعد زيارة الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون للمدرسة الخضراء في سنة ٢٠١٥، فقد قال عنها: “لقد كانت أكثر  مدرسة فريدة ومدهشة قمت بزيارتها”.

٥. مدرسة Waldorf في شبه الجزيرة سان فرانسيسكو:

على الرغم من أن مدرسة والدروف تقع في قلب وادي السيليكون مركز التقنية العالية في العالم، إلا أنها لا تعتمد على التقنية العالية في منهج تعليمها.

وهذه هي الحقيقة! فموظفي شركات التقنية مثل آبل وإي باي وقوقل وياهو أرسلوا أبنائهم إلى مدارس لا تحتوي على شاشات أو حاسوب لوحي أو أجهزة ذكية.

وتُسمي المدرسة منهجها الغير معتمد على التكنولوجيا “تعليم النهضة”. لكن لماذا يصر الكثير من قادة التكنولوجيا على تعليم أطفالهم بدون إستخدام التقنية في الفصول الدراسية أو حتى في المنزل؟!

الفكرة وراء ذلك هي الحد من تشتت الإنتباه الناشئ من وسائل الإعلام الحديثة، وخلق مساحة عقلية وفضاء مادي للإبتكار والإبداع، حيث أن هذه المهارات هي التي تقدر بشكل كبير من قبل الشركات الناشئة في مجال التقنية.

وتؤمن المدرسة بطريقة المعلم التقليدية التي تعتني بالفصل الدراسي وتهتم بكل طالب على حدة بدلًا من الاعتماد على البرمجيات لتقديم الدروس.

كل المواد تُدرس بإستخدام الإبداع والفنون والألعاب والمشاريع والبحث والإكتشاف. فمثلاً يتم تدريس بعض المبادئ الحسابية من خلال الحياكة وتدريس اللغات من خلال الألعاب ويلعب سرد القصص دور محوري في التعلم.

ولا يقلق المعلمون ولا حتى الآباء حيال تأخر الطلاب عن التكنولوجيا، حيث أن تعلمها سهل جداً، كما أنه يتطور سنوياً بحيث يصبح أكثر سهولة، ويمكن للطلاب تعلمه واللحاق بالركب الإلكتروني بيسر.

ويقول بيفيرلي آميكو مدير قسم التوعية في المدرسة: “ما الذي  تتذكره من طفولتك حول فصول الدراسة؟ غالباً ماستكون عن الرحلات المدرسية ويدك المتسخة في المختبر أو موقف جميل حدث لك … فهذه الأشياء هي التي تبقى بذاكرتك لمدة خمسين سنة”.

وبالنظر إلى إندفاع الكثير من المدارس نحو استخدام التكنولوجيا قدر الإمكان في الفصول الدراسية، فإن مدرسة والدروف تسلك نهجاً مختلفاً تماماً ومثيراً للاهتمام.

وفي حين أن كل هذه المدارس تسلك منهج مختلف في ابتكار الفصول الدراسية، إلا أن جميعها يهدف إلى تزويد الطلاب بالمهارات اللازمة من أجل قيادة مستقبل سريع التطور والتغير. ومنهجية التعلم الشخصي جعل للطلاب دور أساسي وفعّال في مسيرتهم التعليمة الخاصة.

ويتيح لهم التعليم القائم على المشاريع و التعلم الجماعي تطبيق مهاراتهم على أدوار وظيفية جديدة ومتطورة في المستقبل. ونأمل أن تحذوا باقي المدارس حذوها لتأخذ هذه الابتكارات لتيارها الصحيح .

فما رأيكم إذاً في هذه المدارس المبتكرة حول العالم؟

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *