بطل العالم في الشطرنج غاري كاسباروف وكيفية بناء الثقة بالنفس

ترجمة بتصرف لمقال: (World Chess Champion Garry Kasparov on How to Build Confidence
by James Clear)

تدقيق: عفاف علي

 

جلسا غاري كاسباروف” و منافسهُ القديم “أناتولي كابروف” – اثنان من أعظم لاعبي الشطرنج على الإطلاق –على مقاعدهم الخاصة حول رقعة الشطرنج في بطولة العالم للشطرنج عام ١٩٩٠م  التي كانت على وشك البدء.

كان من المقرر أن يلعب الرجلان ٢٤ مباراة لتحديد البطل وهو اللاعب الذي سيحصد نقاط أعلى والذي سيُعلن بأنه الفائز بلقب بطل العالم في الشطرنج. وفي المجمل ستمتد المباراة لثلاثة أشهر حيث تقام أول 12 جولة في نيويورك و تكون الـ 12 الأخرى من النصف النهائي في مدينة ليون في فرنسا.

كانت بداية كاسباروف جيدة لكنه سرعان ما بدأ يرتكب الأخطاء, فلقد خسر في الجولة السابعة و سمح لعدة انتصارات بأن تنفلت منه خلال النصف الأول من البطولة, وبعد إنتهاء  الـ ١٢ جولة الأولى بتعادل 6-6 غادر الرجلان مدينة نيويورك. وقد ذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن “السيد كاسباروف فقد الثقة و بدى متوتراً في نيويورك”.

إذا كان كاسباروف سيحتفظ بلقبه كأفضل لاعب شطرنج في العالم، فذلك سيتطلب بذل كل ما يملك.

 

“لعب كاسباروف للشطرنج”

كان جوش ويتزكن طفل عبقري في الشطرنج وفاز بعدد من بطولات الناشئين الولايات المتحدة قبل بلوغه سن العاشرة, وخلال ذلك الوقت سنحت الفرصة لويتزكن و والده للتواصل مع غاري كاسباروف و مناقشة استراتيجية لعبة الشطرنج معه, و تعلموا بالتحديد كيف كان يتعامل كاسباروف مع المباريات الصعبة مثل تلك التي خاضها ضد كابروف في بطولة العالم للشطرنج عام ١٩٩٠.

 

ذكر ويتزكن القصة في كتابه، فن التعلم ( كتاب مسموع ).

كاسباروف هو لاعب شطرنج ذو أسلوب شرس وعنيف اعتمد في نجاحاته على القوة والثقة بالنفس. و ألّف والدي كتاباً بعنوان الألعاب المُهلكة يتحدث فيه عن غاري، فلقد قضينا معه وقتاً كثيراَ خلال السنوات القريبة لمباراة 1990 م بين كاسباروف و كابروف.

وفي وقت ما بعد أن خسر كاسباروف في مباراة كبيرة و كان  يشعر بالحزن و الضعف، سأله والدي كيف سيتعامل مع فقدانه للثقة في الجولة القادمة, و أجاب غاري أنه سيحاول لعب الشطرنج مثلما يلعبها وهو يشعر بثقة عالية, سوف يتظاهر بذلك أملاً بأن يثير ثقته بنفسه لتعود مجدداً.

كاسباروف كان مرعباً حول رقعة الشطرنج, و كل من كان في عالم الشطرنج كان يخاف غاري و هو بدوره  استفاد من هذا الواقع. فعندما كان غاري يُظهر موقف عند رقعة الشطرنج, كان خصمه يذوي أمامه,  وعندما يشعر أن لعبه سيء ينتفخ صدره غضباً و يجعل حركاته عنيفة باللعبة ويصبح أمام الجميع وكأنما هو الثقة بذاتها و يصير خصمه بعد ذلك مضطرب ومشوش, خطوة بخطوة أصبح غاري يعتمد في نجاحاته على حركاته الخاصة في الشطرنج و على الوضع الموجود هو فيه وكذلك على خوف خصمه المتزايد، إلى أن تصبح الثقة أمراً حقيقياً بما يكفي و ينسجم غاري نفسه مع ذلك.

وهو لم يكن متصنعاً, فلقد كان يستدعي كامل تركيزه من خلال لعب الشطرنج بطريقة كاسباروف.

 

– جوش ويتزكن، فن التعلم.

 

عندما بدأ النصف الثاني لبطولة العالم للشطرنج بمدينة ليون في فرنسا، أجبر كاسباروف نفسه أن يلعب بقوّة, و فاز بالمركز الأول في الجولة السادسة عشر, و حقق انتصارات حاسمة في الجولتين الثامنة عشر والعشرين بثقة عالية, و في النهاية خسر كاسباروف في جولتين فقط من  الـ12 مباراة النهائية واحتفظ بلقب بطل العالم في الشطرنج. و لقد استمر بحمل اللقب لعشر سنوات أخرى.

 

“تظاهر بما تريد حتى تصبح ما تريد”

من السهل أن نرى الأداء على أنه طريق ذو اتجاه واحد, فكثيراً ما نسمع عن رياضي موهوب ذو لياقة جسدية لكن أداءه ضعيف في الملعب أو طالب ذكي متعثر في الصف الدراسي. وتقول الحكاية التقليدية حول المقصرون في الأداء: “لو أنهم يفكرون جيداً” و يطورون “التوجه الذهني” الصحيح لديهم لقدموا أداء في القمة.

لا شك أن عقليتك و أدائك مرتبطان ببعضهما البعض بطريقة ما ولكن هذا الارتباط يعمل بكلى الاتجاهين, فمن الممكن أن يكون كلاً من الثقة و العقلية الإيجابية سبب لتصرفاتك وما ينتج منها. إن الرابط بين الأداء البدني و التوجه الذهني هو طريق ذو اتجاهان.

الثقة تنتج غالباً عن عرض قدراتك, و كان هذا هو أسلوب غاري كاسباروف في الشطرنج حيث كان يظن أن الشعور بالثقة أثناء اللعب بإمكانه أن يؤدي إلى اكتساب الثقة الفعلية. كان كاسباروف يدع تصرفاته هي مصدر يلهم إعتقاداته.

هذه ليست مجرد نظريات تبث الشعور بالسعادة أو أفكار سطحية في مساعدة الذات, فهناك علوم بحتة تثبت وجود علاقة بين السلوك و الثقة. لقد أظهرت باحثة في جامعة هارفارد تدرس لغة الجسد إيمي كودي من خلال أبحاثها المتطورة أن مجرد الوقوف وقفة واثقة يمكن أن يزيد الثقة بالنفس وتقلل القلق.

خضعت العينة المشاركة في بحث كودي لتغيرات بيولوجية حقيقية في إفراز أجسامهم للهرمونات وشمل ذلك ارتفاع مستوى هرمون التستوستيرون )المرتبط بالثقة) و انخفاض مستوى هرمون الكورتيزول (المرتبط بالتوتر و القلق), فهذه النتائج تتجاوز الفلسفة المشهورة “تظاهر بما تريد حتى تصبح ما تريد”, و وفقاً لأبحاث كودي تستطيع أن”تتظاهر بما تريد حتى تصبح ما تريد” .

 

“كيف تبني الثقة بالنفس”

عندما بدأت صديقتي بيك تنتش رحلة خسارة الوزن، كانت تسأل نفسها باستمرار “ما الذي سيفعله شخص يتمتع بجسم صحي وسليم في هذه الحالة؟”

وكانت تسأل نفسها عندما تختار طلبها من المطعم: ما الذي سيطلبه الإنسان الصحي؟ و كذلك عندما تتسكع في صباح كل يوم سبت: ما الذي سيفعله الإنسان الصحي بكل هذا الوقت؟” فلم تشعر بيك أنها شخص صحي في البداية، لكن في نهاية الأمر اكتشفت أنها لو تتصرف كإنسان ذو جسم صحي فهي حتماً ستصبح كذلك, وفعلاً فقدت أكثر من ١٠٠ باوند من وزنها خلال سنوات قليلة.

من الرائع أن تمتلك الثقة بالنفس، لكن إذا وجدت نفسك قد غلبها الخوف أو عدم الثقة بالنفس أو الشك فدع سلوكك هو ما يقود معتقداتك, العب كما لو كنت في أفضل أحوالك, و اعمل كما لو أنك في الطليعة. تكلم مع الأشخاص كما لو أنك تشعر بالثقة. يمكنك أن تقوم بتصرفات جريئة لتحفز شجاعة عقليتك وتفكيرك.

 

بإختصار، فكر بما سيفعله الشخص الشجاع؟

 

المصدر

أحدث المقالات
أحدث التعليقات
الأرشيف