حمية التركيز

ترجمة بتصرف لمقال (THE ATTENTION DIET BY Mark Manson)

الترجمة:

  • داليا المري
  • منيره الدريويش
  • أثير الطويلعي
  • عبير حماد
  • نورة المشجري
  • مباركة العلي
  • نوال محمد

التدقيق والمراجعة:

  • وسام المهوس
  • انجاد الطريري

مراجعة شاملة ونهائية:

  • أسامة خان

 أثناء كتابتي لمسودّة هذا المقال تصفحت تطبيق تويتر ثلاث مرات وبريدي الالكتروني مرتين ورددت على أربعة رسائل فيه، وأيضًا تصفحت تطبيق سلاك (Slack) مرة واحدة وأرسلت فيه رسائل نصية لشخصين، بل تفاقم الوضع إلى مشاهدة مقاطع فيديو على اليوتيوب حيث ضيَّعت من وقتي ما يقارب ثلاثين دقيقة، وربما تصفحت تقييمات كتبي في أمازون حوالي ٣١٧٢ مرة.

كان المفترض أن أنهي عملي في ٢٠ دقيقة إلا أنني شتَّتُ تركيزي على الأقل تسع مرات، والأمرّ من ذلك، أن الوقت المهدر على تلك المشتتات يضاهي المدّة المجدولة لإنهاء هذا العمل، وتلك المشتتات في الغالب تقطع حبل أفكاري وتقلل من جودة كتاباتي وبالتالي أضطر إلى إجراء تعديلات كثيرة ومراجعة ما كتبت لعدة مرات، بالإضافة إلى أنها تسبب لي حالة من القلق وذلك لأنني لا أكف عن التفكير أثناء انشغالي عن أداء عملي أنني لم أنهيه!

 وفي الوقت ذاته إن عملت أظل أفكر بتلك الرسائل النصية ورسائل البريد الإلكتروني والمنشورات و الأخبار الجديدة التي فاتتني ولم أقرأها، وبالتالي ذلك يجعلني أفقد المتعة التي تتجلى في الكتابة وأتصورها على أنها مهمة شاقة ومرهقة، تلك المشتتات لا تعطلك عن أداء عملك فقط، بل تمنعك من إنجازه! وتزيد أعبَاء العملِ. ومن المحتمل أنك عادةً تغوص في تلك الدوامة، أمّا حالتي كانت غريبةً نوعًا ما، حيث تفاقم الوضع مع كِبَر سني فلم يزدد مدى اهتمامي وتركيزي معه كما تعتقد.

بدأت الكتابة في مدونتي عام ٢٠٠٧م وأتذكر أن الجلوس بأريحية وكتابة مسودة تتضمن ١٠٠٠ كلمة كانت مهمة سهلة، فكنت أستيقظ وأكتب وبعد ذلك أتناول وجبة الإفطار، لكن لاحظت تقريبًا في عام ٢٠١٣م أنني أشتت تركيزي كثيرًا بتصفحي للفيس بوك والبريد الالكتروني وبعدها في عام ٢٠١٥م أدركت أنها أصبحت مشكلة، ويجدر بي أن أعطي المزيد من الاهتمام لتركيزي، لكن كان التعامل مع تلك المشكلة أمرًا جديدًا علي، فلم يخطر على بالي منذ أن كنت صغيرًا التفكير بذلك الموضوع حتّى. زادت حدة تلك المشتتات في العام الماضي حيث أنني لم أدرِ كيف أمنع تشتت تركيزي وواجهت العديد من المصاعب لتحقيق ذلك، شعرت أنني نوعًا ما غارق في جحيمٍ رقميّ وأن إنجاز أي شيء بالغ الأهمية ليس فقط ممل، بل مستحيل!

كيف نُصاب بالخمول والضعف العقلي؟

لقد تغير العالم منذ الخمسينات والستينات فالاقتصاد الحديث نقل الأفراد من المصانع والحقول إلى مكاتب داخل المباني.

في الماضي كان عليك الوقوف طيلة اليوم وحمل أشياء ثقيلة سعيًا وراء لقمة العيش، أمّا في الحاضر أفضل الوظائف ذات الرواتب المجزية تطلُب إنجاز المهام بجلوسك على كرسيِّ المكتب لأطول مدة ممكنة ودون وقوف أبدًا.

إن أجسامنا غير متكيفة خصوصًا مع نمطِ الحياة الخامل، في الحقيقة جلوسك طيلة اليوم وتناولك للكعك المحلى وشربك للمشروب الغازي يضر صحتك الجسدية ونتيجة لذلك ينتشر وباء السمنة والسكر والأمراض القلبية، بينما حصل الجميع على وظائف مكتبية مريحة؛ إذ تدهورت حالة الأجسام الصحية وأصبحت حساسة أكثر وأعضائها لا تؤدي وظائفها جيدًا! 

 ولتغيير ذلك النمط الخامل يجب أن نتعاضد جميعًا ونتبنى ثقافة صحية للقضاء على هذه الأزمة الصحية، لذلك توصل الأفراد إلى أنه إذا أجبرتك الحياة العصرية على الجلوس طيلة اليوم لمشاهدة شاشة ما فإنك تحتاج لتخصيص وقتٍ مّا في يومك لحمل شيءٍ ثقيل أو الركض لمسافة قصيرة؛ لأن ذلك يحافظ على صحة وتوزان وقوة جسمك.

كانت أيام الثمانينات رائعة حيث بدأ الاهتمام بالهرولة وأصبحت هنالك عضويات لنوادي رياضية، وفي أشرطة الفيديو عدد من المشاهد تُظهر الأفراد وهم يرتدون ملابس رياضية ويبدون مضحكين وهم يقفزون.

طبيعة أجسامنا تحتاج إلى مواجهة التحديات وبذل المجهود إلى حد ما، وإلا فإنها ستضعف وسيصبح إنجاز أقل المهام -كالصعود إلى سلم الطائرة وحمل حقيبة مشتريات البقالة- متعبًا أو مستحيلًا ففي النهاية تلك الجهود القليلة المبذولة لإرهاق أجسامنا ما هي إلا طريقة للمحافظة على صحتها.

تحدثت في كتابي بعنوان (Everything is Fucked: A Book About Hope) عن مدى تضاؤل تركيزنا وازدياد إصابتنا بالقلق والاكتئاب، وكيف أصبحنا أقل تقبلًا لوجهات نظر الآخرين المغايرة وأقل صبرًا عند عدمِ تحقق رغباتنا -وذلك بسبب التأثير المرهق والمستمر لشبكات التواصل الاجتماعي-. وما يصيب أجسامنا من هزل وضعف عندما لا نبذل أي مجهود أو نرهقها يصيب عقولنا أيضًا.

وأعتقد أننا على مشارِف اكتشاف طريقة تنعش عقولنا كما اكتشفنا أنه لكي نعيش وننعم بصحة جيدة في نمط حياة خامل في القرن العشرين، يجب علينا بذلُ مجهودٍ جسدي وممارسة الرياضة، فنحن نحتاج أيضًا إلى الخروج من منطقة راحتنا ونجبر عقولنا على بذلِ قصارى جهدها للحصول على المعلومات وذلك لصرف اِنتباهها عما يحفز تشتتها.

ومثلما دعانا اقتصاد الاستهلاك في القرن العشرين لاتباع حمية غذائية، أعتقد أن اقتصاد التركيز في القرن الحادي والعشرين يدعونا إلى اتباع حمية التركيز. كان هذا الموضوع من المحاور المهمة أثناء جولتي كمتحدث هذا العام لذلك أريد أن أتحدث هنا عن برنامج حمية التركيز بالتفصيل.

 

أهداف حمية التركيز

هناك عدد من الجهات التي ينصرِف تركيزنا إليها، أولًا: هناك كمّ هائل من الأشياء التي نصرِف تركيزنا إليها، وكلما زادت الأمور التّافهة التي تشد انتباهنا، زادت صعوبة اختيار ما يجبّ التركيز عليه، علاوة على التركيز عليه. لذلك يجب أن يكون الهدف الأول والأهم لحمية التركيز هو: الحد من الملهيات التي نتعرض لها. فكما أنّ الحمية الغذائية تبدأ بالحدّ من استهلاك الطّعام، فحمية التركيز تبدأ بالحدّ من استهلاك المعلومات.

والآن، يُثار هذا السّؤال: «ما هي الأشياء التي تستحق الانتباه؟» وما الذي يجب علينا أن نركز عليه فعلًا؟. إنّ انتشار المعلومات الخاطئة يضرّ عقولنا ومشاعرنا في القرن الحادي والعشرين، كما ضرَّ انتشار الأطعمة السريعة أجسادنا في القرن العشرين. لذلك نرى أن الهدف الثاني من حمية التركيز هو: إيجاد مصادر معلوماتٍ مغذّية وعلاقات الصحيّة ثم تعزيز حياتنا بها.

ببساطة: أساس الحمية هو تقديم الجودة على الكمّية. ولأننا نعيش في عالم فيه كمٌّ هائل من المعلومات والفرص فإننا بالتالي لا ننمو بالمعرفة ولا بفِعل المزيد، بل بحصرِ تركيزنا على الأهم.

طريقة حمية التركيز تشابه الحمية الغذائية من ناحية الابتعاد عن استهلاك فئات بأكملِها من الأطعمة لفترة من الوقت حتى يتأقلم جسمك أو عقلك ويصبح صحيًا، وبعد فترة لن تعود إلى الأطعمة الغير صحية.

(ومن الجدير بالذكر أن الحميات الغذائية تفشَل غالبًا لكن من خلال تجربتي الشخصية استنتجت أن حمية التركيز فعالة جدًا. لكن لا زالت مجهولة النتائج، لكن لنرَ كيف تسير الأمور).

 

 ثلاث خطوات لحمية التركيز:

١. تحديد المعلومات المغذّية والعلاقات الصحية.

٢. الابتعاد عن المعلومات التافهة والعلاقات السطحية.

٣. تنمية عادات التركيز العميق والانتباه المطوَّل.

 إذًا، كيف نُعرّف المعلومات «التافهة» والعلاقات «السطحية» والمعلومات المغذية والعلاقات الصحية؟

  • المعلومات التافهة: هي معلومات غير موثوقة وغير مفيدة (أي تؤثر على قلَّةٍ من الناس أو لا تؤثر أبدًا)، وهذه المعلومات مختصرة ومبهرجة وعاطفية وتحفز الشخص على إدمان الأنماط الاستهلاكية.
  • المعلومات المغذِّية: هي معلومات موثوقة ومفيدة وغالبًا مهمة (أي تؤثر عليك وعلى الآخرين بطريقة ملحوظة)، وهذه المعلومات طويلة المحتوى وتحليلية وتشجع على التفكير العميق المطوّل.
  • العلاقات السطحية: هي العلاقات التي تكون مع أشخاص أو مجموعة لا تتواصل معهم وجهًا لوجه وليس بينكم ثقة متبادلة ويقلقونك وغالبًا ما يشعرونك بالاستياء من نفسك أو من العالم.
  • العلاقات الصحيّة: هي العلاقات التي تكون مع أشخاص أو مجموعة تتواصل معهم دائم وجهًا لوجه وبينكم ثقة متبادلة ويجعلونك تشعر بتحسن ويساعدونك على النمو.

ملاحظة على الرياضة والترفيه: جميعنا بحاجة إلى شيء ما يساعدنا على الاسترخاء بأوقات فراغنا ولهذا دومًا هناك وقت للرياضة والترفيه عند اتباع حمية.

 فأنا شخصيًا أحب ألعاب الفيديو ولكني أدركت أني أفتح برنامج (Reddit) أو (Twitch) لعشرين مرة في اليوم وهذه عادة غير صحية على الإطلاق! لذلك فإن الهواية هذه تعود علي بالضرر بدلًا من النفع! وعلينا جعلُ هواياتنا داعمةً لنا لا مُضرَّة، وسأذكر كيفية فعل ذلك.

ملاحظة أخيرة

تطبيق حمية التركيز سيكون صعبًا عاطفيًا، لكوننا ننجذب للمعلومات التافهة لأنها ممتعة وسهلة. إدماننا عليها جعلها تخدِّر مشاعِر الإجهاد والقلق اليوميّ. ولذا فالابتعاد عنها سيشعرنا خلال الأيام الأولى بعدمِ الرّاحة والاستياء، ويجعلنا نفتقدها، ويكشف سلوكنا القهريّ تجاهها.

الهدف هنا هو الاجتهاد لحصرِ التركيز على ما يضيف لحياتك قيمة. إن كان تطبيق الحمية سهلًا، فأنت لم تبتعد عن المعلومات التافهة والعلاقات السطحية بشكلٍ كافٍ.



أخيرًا، أود أن أذكر كال نيوبورت (Cal Newport) ونير إيال (Nir Eyal) لأنهم في رأيي كانوا من مهووسيّ التقنية في الثمانينات ولعبوا دورًا مشابهًا لفرح فاوست (Farrah Fawcett) وأرنولد شوارزنيجر (Arnold Schwarzenegger).

إذًا، ربما هذه مقارنة غريبة لكن الفكرة أنهم قادوا القرن الحادي والعشرين من ناحية التغذية العقلية. نشر كال (Cal) كتابًا بعنوان الاقتصار الرقمي (Digital Minimalism) وأصبح من الكتب المشهورة وكتبَ نير (Nir) كتابًا جميلًا سيصدر في سبتمبر القادم بعنوان كيف تتحكم في تركيزك وتختار حياتك (Indistractable: How to Control Your Attention and Choose Your Life).

نير (Nir) صديق جيّد وأنا أثق أنه أكثر شخص منضبط، وقد فعل الكثير!

 وفي هذا المقال طرحت النظام الذي طورته لنفسي، وأفكار نير (Nir) كانت ملهمة. إن كنت تعاني من مشاكل التركيز يجب عليك طلب كتابِه مسبقًا.

 

الخطوة الأولى: تنظيف وسائل التواصل الاجتماعي.

  • طبق قانون «إما نعم أو لا» على كل علاقاتك في وسائل التواصل الاجتماعي.

راجِع قوائم الأصدقاء والمتابعين واسأل نفسك سؤالين: «هل تواصلي مع هذا الشخص يضيف قيمةً لحياتي؟» و«هل ساعدني هذا الشخص أو هذه المجموعة على النمو (أي التغلب على الخوف والقلق) أم على الانهيار (أي مضاعفة المخاوف والقلق)؟».

في حال لم تكن الإجابات نعم بالتأكيد، إذا فأنت بحاجة إلى إلغاء الصداقة أو المتابعة.

إذا ترددت وتساءلت عما إذا كان شخص أو شيء ما جدير بالبقاء، ففي الواقع توقفك وتساؤلك عن مدى استحقاقهم للمتابعة هو بحد ذاته إشارة على عدم جدارتهم لذلك، كن بلا رحمة، فنحن نتحدث عن صحة تركيزك هنا.

  • ألغِ متابعة جميع وسائل الأخبار والإعلام (بما في ذلك الرياضية والترفيهية).

لا يمكننا إنكار مدرى شُح محتوى الإعلام وقِصر نظره ودِقته، ومعظم المقالات تُكتب لجذب الانتباه لا لصحتها وفائدتها.

لعِبَت وسائل التواصل الإجتماعي دور المحفز الأسوأ في الإعلام فهي تناضل من أجل نقرة زر بإثارة غضبك وتحريضك في القضايا الرائجة كما لو أنها مهمة! لكنها ليست كذلك. إنّها تنشِئُ منظومةَ إدمان على الغضب لا تفشل فقط في إخبارك ما أنت بحاجته؛ بل تجعلك أكثر مقاومةً للحقائق.

كمواطنين، من واجبنا الانسحاب من هذا النظام السام، والطريقة الأولى والأبسط لفعل ذلك هي ببساطة إلغاء الاشتراك والمتابعة عن جميع مصادر الأخبار على وسائل التواصل الاجتماعي، لا حاجة للقلق بشأن الأخبار؛ سأناقش طرقًا أفضل للبقاء على اطلاع والحصول على الأخبار لاحقًا.

  • ألغِ تثبيت التطبيقات التي تَشعرُ بعدم جدواها بعد ما سبق.

 إذا قمت بالخطوتين السابقتين بشكل صحيح فمن المفترض أن تكون حسابات التواصل الاجتماعي التي تتابعها أقل وفي بعض الحالات تصبح قائمتك خالية وهذا جيد.

جمالية إلغاء المتابعة أو الصداقة للعلاقات، لا تكمن فقط في التخلص من المعلومات التافهة والغير صحية التي تستحوذ على اهتمامك، ولكن قد تحصل على محتوى أكثر بـ ١٠٪؜ عند الدخول.

تمرر صفحة الأخبار الخاصة بك لبرهة، فإذا بك تنظر إلى نفس الأخبار السيئة التي رأيتها بالأمس، حان الوقت لوضع هاتفك جانبًا والقيام بشيء مفيد. ولكن قبل ذلك ألقِ نظرة على حساباتك في مواقع التواصل الاجتماعي، محتملٌ أن تجد أحدها على الأقل بائسًا لدرجة أنه لا شيء يدعو لفتحه مجددًا. الجمال في تبسيط حساباتك بهذا الشكل يكشِف لك أيها يوفر لك المتعة وأيها موجودٌ فقط لإحساسك بأنه لابد من التواجد به. بالنسبة لي، فقد تبين أنني أستمتع بتويتر ثمّ إنستقرام، أما الفيسبوك هو الموقع المزعج الذي لابد أن أتواجد به؛ لذلك حذفته.

بدا الأمر غريبًا في البداية ولكنني أدركت أنني كنت أتفحصه دون داعٍ أكثر من خمس مرات كل يوم، وحذفه حررني من ذلك.

 

الخطوة الثانية: اختر مصادر جيدة للمعلومات والعلاقات

الأحداث الراهنة

جرب الاطلاع على الأخبار من صفحة الأحداث الراهنة في ويكيبيديا، كل لغة على الموقع لديها صفحة رئيسية حيث تدرج قائمة بالأحداث الجارية والأحداث التاريخية البارزة، سيعطيك هذا القدر الكافي إذا أردت أن تبقى على إطلاع يوميًا (وهو أمر قابل للنقاش)، وإذا أردت التعمق فيما يحدث لأي سبب من الأسباب، يمكنك الضغط على المقال للحصول على القدر الكافي من المعلومات.

موقع ويكيبيديا منسّق لإزالة التحيز والميول السياسية والبيانات الكاذبة، وهذا مفقودٌ تمامًا؜ هذه الأيام في معظم مصادر الأخبار.

والحصول على الأخبار من ويكيبيديا يعني:

١- استنشاق هواء نقي.

٢- وممل للغاية.

 

إنه كاستنشاق هواء نقي؛ لأنك تعلم ما يجري بالفعل، دعني أعطيك مثالًا: رأيت عددًا من العناوين الرئيسية على مدى أيام حول الهجوم على ناقلات نفط في خليج عمان، وإلى حد كبير كل العناوين الرئيسة التي رأيتها تركز على لوم ترامب (Trump) لإيران سواء كان محقًا أو متجاوزًا في ذلك أم لا. لكن في الحقيقة منذ ٢٠١٦ فإن كل شيء في وسائل الإعلام الأمريكية يُرى من عدسة ترامب (Trump).

 وذلك مزعج وغير مفيد إطلاقًا؛ فهو يبرِز عددًا من القضايا بشكل غير عادل.

ألقيت نظرة في ويكيبيديا وفي ثلاث جمل عرفت عن الحادثة أكثر مما عرفته من المقالات الإخبارية التي قرأتها.

 

ويكيبيديا ممل وهذا أمر جيد إلى حد ما؛ لأن الحقائق تميل لكونها مملة.

 لكن أيضًا لأن الملل ليس له تحيز، إذا أغضبتك مقالة ما أو جعلتك متحمسًا فستكون متحيزا بشأن محتواها، ومن جهة أخرى إذا كانت قراءتها تبدو كقراءة دليل إصلاح التلفاز فعلى الأرجح أنك تحصل على حقائق مجرّدة.

ولكن الأهم من ذلك كله إن جعل الأخبار مملة مرة أخرى يشجعك فقط على قراءة ما هو فعلًا مهم أو مؤثِّر.

في الواقع معظم ما يعتبره البعض «أخبار» هو عبارة عن ترفيه متخفّي -معلومات مهمة ومؤثرة فقط لقلَّةٍ من الناس- أو بعيدة كل البعد عن دائرة تأثيرك، ومبالغٌ فيها لجعلك تشعر بالغضب أو الإنفعال استنادًا على هوية مجموعتك. الوسيلة الوحيدة للفوز في هذه اللعبة تكمن في عدم الاشتراك، باستخدامك لويكيبيديا كمصدر للأحداث الراهنة فأنت تقرر الانسحاب من هذه اللعبة.

 

لكن ماذا عن القضايا المهمة طويلة الأجل كالتغيرات المناخية والحقوق المدنية والتباين الاقتصادي، والتي تتطلب معلومات وافرة وتفكيرًا نقديًا؟ حسنًا، سعيدٌ بسؤالك…

 

المحتوى المطول

يجب أن يكون المحتوى المطول مصدرك الأساسي للأخبار للجزء الأكبر من المحتوى الترفيهي الذي تستمتع به. يشمل المحتوى المطول أي شكل أو صياغة: الكتب، المقاطع الصوتية، المقالات الطويلة، الوثائقيات، وميزتها الأساسية فيها أنها تستغرق وقتًا طويلًا.

هناك فائدتان لقصْر نفسك على المحتوى المطول، أولهما: أنه (عادةً) يجعلك تتوسع في البحث أكثر، وتفكّر بعمق ولو بفارق بسيط عنِ المحتوى القصير. قد يخفى الغباء في تَغريدة، ولكنّه سيُفضَح سريعًا إن تكرر اثني عشر ألف مرةٍ.

 

أما ثانيهما: أن المحتوى المطول يصقل تركيزنا ويعوِّدنا على متابعة المواضيع لفترات طويلة. إذ يساعدنا على ألّا نقع فريسة لاستجابةٍ فورية غير المحسوبة والمتسرعة.  يمنحنا المحتوى المطول الفرصة لنتساءل: «ماذا لو كان افتراضي خاطئًا؟ ماذا لو أنني المتخلف في هذا الجدال؟».

اختر المحتوى المطول أيضًا في استمتاعك وترفيهك، لا تشاهد طيلة اليوم مقاطع من رياضتك المفضلة، ولكن شاهد وثائقيًا عن لاعبك المفضل.

لا تعد سماع المقطع المشهور مرارًا وتكرارًا، اسمع الألبوم كاملًا.

لا تلعب على جوالك لعبة تافهة طيلة الوقت، جد لعبة تنغمس فيها وتفكر نقديًا بعناصرها وقصتها.

يكمُن الهدف من المحتوى المطول في زيادة مدى تركيزك وقدرتك على التركيز وتمرينها كَعَضلة.

(Longform.org) هذا الموقع رائع لإيجاد محتوى مطول. كما أنني معجب بموقع (Aeon).

 

الخطوة الثالثة: جَدْوِل تحوّلك

استخدم نفس الأسلوب الذي تتبعه في حميتك الغذائية بتخصيص «يوم مفتوح» أو باتفاقك مع نفسك بألا تتجاوز هذا العدد من قطع الحلوى المأكولة أو الكؤوس المشروبة أسبوعيًا في حميتك التركيزية. فإرسال الإيميلات يجب أن يكون نشاطًا مختارًا بوعي يستغرق فترة زمنية معينة لتحقيق أقصى فعّالية. ولا يجب أن يكون سلوكًا قهريًا هوسيًا تحدِّث فيه الصفحة كل ثلاثين ثانية. وينطبق الأمر ذاته على مواقع التواصل الاجتماعي، والمحتوى الترفيهي والتسلية.

فيما يلي القواعد الأساسية التي أحاول الالتزام بها وهي مناسبة لحياتي. قد تختلف وفقًا للشخص:

  • إرسال البريد الإلكتروني مرتين يوميًا: أحاول أن أحصر نفسي بإرسال البريد خلال فترتين يوميًا: واحدة صباحًا وأخرى في نهاية اليوم ظهرًا. في الفترة الصباحية أقرأ وأرد على الرسائل الضرورية والعاجلة. أما فترة الظهيرة ولعدة مرات أسبوعيًا فأفرِّغ صندوق الوارد بأكمله.
  • قضاء ثلاثين دقيقة يوميًا على مواقع التواصل الاجتماعي: هذه الخطوة هي ما أعمل عليه الآن، وقد نجحتُ في ذلك على الحاسب لكن المشكلة في هاتفي. ما زلتُ أعلق في دوامة: تحديث صفحة تويتر، تحديث صفحة الفيسبوك، تحديث صفحة الإنستقرام، تحديث صفحة تويتر وهلم جرا. مؤخرًا حذفت تطبيق الفيسبوك من هاتفي (بناءً على القواعد أعلاه) لكن تويتر وإنستقرام ما زالا عالقين.
  • تخصيص أوقاتٍ محددة للترفيه والمتعة: أنا مشغولٌ جدًا وأسافر كثيرًا فلا أقدِر على هذه الخطوة بإتقان. لكن متى ما هدأت الأمور في حياتي فلربما جربت هذه الخطوة. اطلع على خطوات التخطيط أدناه لتطبيق هذه الخطوة.
  • ترك الهاتف خارج المكتب نهارًا وخارج غرفة النوم ليلًا: تمكنتُ من ترك الهاتف خارج المكتب حينما يكون عليَ أن أكتب، لكن ما زالت المشكلة في حمله إلى غرفة النوم.

حسنًا، الأمور على ما يرام حتى اللحظة، لكن كيف نثبت على هذه الممارسات؟ يشتم وينتقد الجميع مواقع التواصل الاجتماعي بينما هم يتنقلون بينها بشكلٍ قهريّ. كيف نطبق هذه المفاهيم والخطوات في حياتنا حقًا؟ لأن التطبيق هو الجزء الأهم.

 

الخطوة الرابعة: التنفيذ

في كتاب «عندما يفشل كل شيء: عن الأمل» (Everything is Fucked: A Book About Hopeأعدتُ تعريف الحرية بأنها تقييد الذات. الحرية في القرن الحادي والعشرين لا تعني الحصول على المزيد، بل تعني تقليص التزاماتك.

(للاطلاع على مقتطفات تتعلق بهذه الفكرة، اِقرأ #FakeFreedom)

نحن بحاجة إلى وضع حدود من حولنا لكي نستطيع تقييد أنفسنا. عقولنا معيبة وأنانية لا تتمكّن من متابعة ما تريد، علينا  بدلًا من ذلك تدريبُ انتباهنا -كما ندرِّب الصّقُر- بمساعدة أدوات مختلفة للتأكد من أننا نركز على الأشياء الصحيحة.

سأتحدث عن ثلاثة أنواع من الأدوات في هذا القسم: حظر المواقع، حظر التطبيقات، ومؤقتات منفذ الطاقة.

حظر المواقع

مفتاح تنفيذ حمية التركيز، هو تحميل وتثبيت برامج الحظر على أجهزتك. هناك عشرات التطبيقات، هنا سأستعرض بعضَ أفضل التطبيقات التي استخدمتها.

تطبيق (Cold Turkey) لأنظمة ماك وويندوز: وهو التطبيق المفضل لدي، ربما يكون هو الأقوى بعددٍ من المميزات. يمكنك حظر مواقع وصفحات مختارة والتطبيقات وحتى عمليات بحث قوقل المُختارة.



أعجبني لأنه يحتوي على جدولة، تتيح معرفة ما تم حظره وفي أي يوم. لنفترض أنك تريد فترة ظهيرة الجمعة لتصفح بريدك الإلكتروني، بإمكانك برمجة ذلك فيه. أو يمكنك فتح كل شيء في أيام الأحد. تطبيق قابل للتخصيص للغاية. كما أنه يحفظ الإحصائيات!



وعلى عكس بعض برامج الحظر، بإمكانك شراؤه مرة واحدة. حتى لو بدا غاليًا، فلا يعتبر بذلك السوء (لإنه بالدولار الكندي… الذي لا يبدو حتى مالًا حقيقيًا).

 

تطبيق (Focus) لأنظمة ماك: أكثر سهولة للمستخدم من (Cold Turkey) ولكن دون مميزات كثيرة. أنقذني عندما كنت أكتب كتابي الأخير في الفترة النهائية قبل التسليم، كنت نادمًا أنني حملته حيث قام بحظر كل شيء حوالي ستة أيام أسبوعيًا لمدة شهر.

صورة لقائمة الحظر. حوالي خمسين موقعًا وتطبيقًا محظورًا في جهاز العمل. أستطيع القول أنها الطريقة الوحيدة التي ساعدتني على إنهاء الكتاب في الوقت المحدد.

 

يحظر التطبيق المواقع والتطبيقات، وبإمكانك تخصيص ما تريد حظره باليوم أو الساعة. شكواي الوحيدة هي عند تحديث التطبيق أنه يغلق، وبالتالي تعود إلى ما كنت عليه. اعلم أني أبدو كقاصِر، ولكن في كل مرة حدّثتُ فيها التطبيق، عانيت من ٣ إلى ٤ أيام من عدم الإنتاجية حتى أجبر نفسي في الأخير على تشغيله مرة أخرى.

 

تطبيق (Freedom) لأنظمة ماك وويندوز: جميل التصميم وسهل الاستخدام. ويعمل أيضًا على أجهزتك المحمولة. وهذا التطبيق ربما هو الأكثر شعبية في هذه الفئة. لم أستخدمه منذ قرابة السنة، والسبب هو أنه من السهل جدًا التحايل عليه. أكره أن أقول ذلك، ولكن لا يمكن الوثوق بتطبيقات ضعيفة والتي تسمح بإغلاقها أو إيقاف تشغيلها بطرق مخادعة، لأنني بحاجة إلى تطبيق يجعلني مكبل اليدين مع عملي.



تطبيق (Self Control) لأنظمة ماك، مجاني: قد يكون الأكثر شدّةً في القائمة. حيث أنه بإمكانك إضافة قائمة من المواقع، وتشغيل التطبيق، وها أنت ذا عالق، لن تستطيع فعل أي شيء لإيقاف المنع حتى ينتهي الوقت المحدد. يمكنك إعادة تشغيل جهازك، وإلغاء تثبيت التطبيق، والقيام بأي شيء ولكن لن يُرفع الحظر عنك، إنهُ الشرّ بعينِه.

 

حظر الهاتف

أولًا، قبل أن نحظُر تطبيقات محددة أو الهاتف بأكمله، يجب أن تذهب إلى إعدادات جهازك وتعطّل معظم أو كل الإشعارات. لا يهمني من أنت أو ما تفعله أو ما هو الوضع البائس الذي أنت عليه. الإشعارات بمثابة التدخين السلبي للتركيز، لأنها تصيب الجميع بنوبة سعال.

عطّل كلًّا من الصوت والاهتزاز والنقاط الحمراء الصغيرة التي تظهر إثر التنبيهات. أنت تعرف أن تلك الدوائر لونها أحمر لسبب ما، أليس كذلك؟ نحن نرى دون وعي أنها عاجلة ونتشجع على النقر قهرًا للتخلص منها.

 

(أتتساءل عن ماهية الدوائر؟ إنها شيطان)

(اختياري: أنا أُوقِف الرنين وجميع الأصوات من هاتفي. فلسفتي هي: ما لم نحدد موعدًا للمكالمة، أو أتوقع منك مكالمة فأنا لا أريد أن أسمع ما لديك. ليس هناك شيئٌ شخصيّ).

 

والآن بعد أن انتهينا منها، لنتحدث عن تقييد استخدام التطبيقات.

الأمر لدى مستخدمي الآيفون هو الأسهل، حيث أن شركة آبل أضافت خصائص تسمح بحظر التطبيقات مؤقتًا وهنا دليل إرشادي لذلك.

 تطبيق الرفاهية الرقمية من قوقل (Google’s Digital Wellbeing) لأنظمة الأندرويد يقدّم الشيء نفسه، على الرغم من عدم وجود عدد من المميزات مثل آبل. لكن هناك شيئٌ أعجبني في التطبيق هو أنه يمكنك تعيين وقت نومك، فيصبح هاتفك غير قابل للاستخدام في ذلك الوقت كل ليلة.

تطبيق الرفاهية الرقمية من قوقل (Google’s Digital Wellbeing) هو بداية جيدة، مع أنه مازال يفتقد بعض المميزات المطلوبة. ولكن، إذا كنت ترغب في تخصيص كيف ومتى يمكنك استخدام بعض التطبيقات الأخرى، ينبغي عليك تحميل تطبيق ثالث. هناك عددٌ من الخيارات لكن أفضل مايمكنني إخبارك عنه بجدارة هو تطبيق «Help Me Focus». فلديه مرونة لحظر تطبيقات دون أخرى، ويتيح لك تخصيص الحظر على مدار الأسبوع.

 

مؤقتات المنافذ

حسنًا، هذه الطريقة إذا كنت ترغب بالالتزام بشدّة فقط (وأيضًا إذا كان لديك أطفال). هذه الفكرة من صديقي نير إيال (Nir Eyal). عندما سمعت وصفَه، قلت: أوه ياصديقي.. هذا مستوىً آخر.

باثني عشر دولارٍ، يمكنك شراء أجهزة مؤقِّتَة لمنافذ الطاقة. ثم يمكنك برمجة هذه الأجهزة لقطع التيار الكهربائي عن أي شيء موصول بها في أوقات معينة من اليوم أو الأسبوع. اشترِ عددًا منها وضعْها في أرجاء المنزل، يمكنك أيضًا تخصيص ساعات العمل اليومية أو الأسبوعية الخاصة بموزِّع اللاسلكي والتلفزيون، وألعاب الفيديو وهلّم جرّا.



بافتراضٍ مثاليّ، ستكون منهمكًا في العمل والإنتاج خلال النهار حتى المساء، وبهذا لن تحتاج إلى استخدام هذه الوسائل للتحكم بنفسك خلال المساء، ولكن تذكر بأن للضرورة أحكام.

في السنة الماضية كنت مغرمًا بألعاب الفيديو لدرجة أني كنت ألعبها إلى ساعات الليل المتأخرة. وعندما أدركت بأنه صار إدمانًا، قررت استغلال هذا الوقت بما يعود علي بالنفع.

 

اعتراضات شائعة على حمية التركيز

الاعتراض الأول: «مارك (Mark)، الالتزام يشعرني بالملل الشديد».

حسنا، لدي تعليقين على هذا الاعتراض:

أولًا: توقف عن الاعتراض، ثانيًا: لا لن تشعر بالملل.

تذكَّر عندما كنت طفلًا، تستلقي على الأرض بينما تتجول والدتك بقُربِك فتتبرم قائلًا: «أمّــــــــــي، أشعر بملل شـــديـــــــــــد»، فترد عليك باستهجان: «حسنًا، هذه ليست مشكلتي».

 

أعظم جانب في كونك طفلًا يأتي عادةً من هذه اللحظات. فتتخيلُ الأريكة مركبةً فضائية وعليك العبور بها إلى وراءِ الباب دون أن يراك المخلوق الفضائي المفترس والذي تجسِّده أمك هنا. أو تتخيل مخلوقات غريبة وتتحمّس بشدّة لرسمها على الورق، أو تتجول خارج المنزل حتى تجد رفيقًا آخر ملِلًا لتلعب معه.

 

يقال أن الحاجة هي أم الاختراع، وإن كان كذلك، فالملل هو أبو الاختراع. كل ما نشاهده من زخم الإبداع والإنتاج هو نتاج الأفكار التي يحتال بها الشخص للتخلص من الملل، إنه بيئة خصبة للإبداعات الرائعة.

للملل قيمة!، ولكن بسبب التحفيز المستمر لتصفح هواتفنا ومواقع التواصل الإجتماعي وألعاب الفيديو ومشاهدة مسلسلات نتفلكس، سُلِبت منّا دون أن نشعر هذه الطاقات الإبداعية الناتجة عن الملل. لقد أفسدت علينا هذه العادات علاقاتنا ورغباتنا الاجتماعية، فلماذا أذهب للتنزه مع الجيران إذا كان بإمكاني مشاهدة مسلسلي المفضل للمرة الثامنة؟

الملل أمرٌ جيد. فهو يعني أنك تتحدى نفسك، إنه كآلة تمرين لعقلك. عانق الملل واغمر نفسك فيه. 

الاعتراض الثاني: ماذا لو فاتني الكثير! سبق وأن كتبت بالتفصيل عن تجربة الخوف من فوات الأشياء (FOMO)، ولكن سأتحدث عنها هنا باختصار:

فاتَك، ويفوتك، وسيفوتك الكثير دائمًا، ستظلّ كذلك، لكنّ السؤال هنا ما الذي تختار تفويته؟

في معظم حياتك، كثيرًا ما تفوتك الأحداث ولاتأبه لذلك إما لأنك لم تدرك أنها فاتتك، أو لكونها لا تهمك. لقد أفسدت وسائل التواصل الاجتماعي هذا الشعور وجعلتك عارفًا بكل شيء كما أنها منحتك تصورًا خاطئًا أن الأمور تبدو أهم مما هي عليه.

 النتيجة: الخوف الدّائم من فوات الأشياء (FOMO).

 

قلل من الاستخدام السيىء لوسائل التواصل الاجتماعي (أي: طبِّق حمية التركيز). قلل من تصور أن كل شيء يبدو مهمًا، وسيختفي هذا الإحساس. تسعون بالمئة من أهم التجارب في الحياة أمامك، وبدلًا من صرف انتباهك عنها -كما تفعل- ستفرّغك حمية التركيز لمواجهتها.

تذكر أن التجارب بجودتها لا بكثرتها.

 

الاعتراض الثالث: «ينبغي أن أستطيع تهذيب نفسي للتخلص من هذه الأشياء».

أنا متفاجىء من عدد الذين يقولون هذا، بالرغم من أنها نية نبيلة، لكنها لسوء الحظ مُضَلّلة تمامًا.

تخيل معي أن شخصًا مّا يريد التخلص من وزنه الزائد، ومع ذلك يملأ ثلاجته بما لذ وطاب من الكعك والمثلجات والبيتزا المجمدة ثم يقول: «لا بأس، علي أن أستخدم قوة إرادتي في الامتناع عنها».

هذا جنون، فالجميع يعلم أن أول شيء تفعله عندما تحاول تغيير نظامك الغذائي هو التخلص من كل الأكل الغير صحيّ. نحن مخلوقات ضعيفة نستسلم بسهولة ولا نعي طريقة تفكيرنا تمامًا وكثيرًا ما نكون عبيدَ أهوائنا، لذا ستكون غبيًا إن وثقت بنفسك في موقفٍ كهذا.

فلو كنت تحاول تحسين عادة الاستيقاظ عند السادسة صباحًا فستضبط منبهًا كل صباح (أو ربما منبهين). وعندما تحاول تحسين عادة الاتصال بوالديك أكثر فستضع تذكيرًا في مكتبك أو تضيفه إلى تقويمك.

السر الصغير في تغيير عاداتك هو أن بيئتك لها تأثير أكبر بكثير من قوة إرادتك. فعندما ترغب في إنقاص وزنك، ستملأ الثلاجة بالطعام الصحي وتتخلص من غير الصحي، وعندما ترغب في أن تتمرن أكثر، ستوظف مدربًا أو تجد صديقًا لمتابعتك.

إذًا، لِمَاذا قد يختلف السرّ مع تحسين تركيزك؟

 

الهدف مما ذكر في حمية التركيز هو توفير بيئة مواتية لعادات التركيز الصحية، أنا آسف، لو كانت إرادتك كافية لما كنت تقرأ هذا المقال الآن.

 إذا كنت لا تزال هنا، فخمن ماذا؟ لديك مشكلة، لدي مشكلة، لدينا جميعا مشكلات.

الآن، دعنا نلملم شتاتنا معا… نخطئ، معا.

 

 أصدقاء المُساءلة

ذكرت منذ فترة طويلة أنني لا أكتب ما كتبت لأنني مثالي وأعتقد أنك يجب أن تكون كذلك، بل أنا أكتب لأنني واجهت نفس المشكلات واستخدم كتاباتي كمنصة للبحث عن حلول.

لذلك ها هو تعهدي: بدءًا من الأول من يوليو (تموز) ٢٠١٩ سأقوم بتنفيذ كل ما سبق وسأضع حدًا معينًا لاستخدام البريد الإلكتروني يكون مرتين في اليوم، ووسائل التواصل الاجتماعي لـ ٣٠ دقيقة في اليوم، وأقرأ فقط الصفحة الأولى من ويكيبيديا أو نموذجَ محتوى مطوّل. ثم سأخبركم عن النتيجة في أغسطس لذا أدعوكم لفعل ذلك معي.

 وإذا اِلتزمتم بحمية التركيز لمدة شهر فأخبروني بالنتائج. حين يجد عدد كافٍ من الأشخاص نتائج مؤثرة، سأكتب مقالًا بناءً على ما تعلمه الجميع وأنشره على الموقع في وقت لاحق من هذا العام.

والأفضل من ذلك كله، جد صديقًا يقوم بذلك معك، فذلك سيجعل الأمر أسهل وأمتع وأكثر حماسة، وعندما يتوق أحدكم إلى الانغماس في اليوتيوب، عوضًا عن ذلك يمكنكم الخروج لاحتساء القهوة.

لذا، نظِّموا كل شيء ودعونا نجعله أفضل شهر حتى الآن.


المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *