سر مفقود: كيف يمكنك جعل الأطفال منتبهين

ترجمة بتصرف لمقال:( A Lost Secret: How To Get Kids To Pay Attention by npr)

ترجمة:داليا شافعي.

تدقيق:لُجين مصطفى.

مراجعة: أسامة خان.

نذ خمسة عشر عامًا أجرى عالمتا علم النفس بربارا روجوف (Barbara Rogoff) ومارشيلا كورياتشيف (Marice0la Correa-Chavez) تجربة بسيطة، فقد أرادتا أن يعرفا كيف يمكن أن ينبته الأطفال حتى وإن لم يكونوا مرغمين على ذلك.

وقد أحضرتا طفلين بين سن الخامسة والحادية عشر إلى غرفة وجعلهما يجلسان على طاولتين.

و كان أحد الباحثين المساعدين يعلم واحدًا من الأطفال كيف يركب أحد الألعاب، في حين طُلِبَ من الطفل الثاني الانتظار.

وتوضح روجوف (Rogoff) أنهم كانوا يقولون للطفل الثاني «يمكنك الجلوس هنا، وخلال بضع دقائق سيأتي دورك في تنفيذ شكل ورقي لفأر» وهي مهمة مختلفة كليًا.

وأرادت الباحثتان رؤية ما تفعله الطفلة المنتظرة، فهل ستبقي اهتمامها للباحث المساعد أم أنها ستصرف انتباهها عنه وتمل؟

وقد أجرت الباحثتان هذه التجربة على نحو ثمانين طفلًا، بخلفيتين مختلفتين أحدهما أبيض اللون من طبقة متوسطة من مدينة كاليفورنيا، والآخر من أطفال المايا من جواتيمالا والتي درستها الباحثة لعدد كبير من السنوات.

وجاء الاختلاف كالتباين بين الليل والنهار.

فكثيرًا من الأطفال الأمريكيين قد تراخوا في مقاعدهم مللًا وبدأوا يحدقون في الأرضية أو يجولون بأعينهم في الغرفة والملصقات المعلقة بها.

وقد بدأ أحد الأولاد الصغار في افتعال ضجيج عال، وهو يمثل أن اللعبة التي أمامه هي عبارة عن قنبلة.

وقالت روجوف (Rogoff) أن الطفل كان يلوح بيديه عاليًا في الهواء قائلًا «إنها ستنفجر».

على النقيض، كان أطفال المايا أكثر انتباهًا. فبعضهم جلس هادئًا على كرسيه وظل يحدق في المعلم.

و قد خلصت روجوف (Rogoff) وزملائها إلى إبقاء أطفال المايا انتباههم المستمر في ثلثيّ المرات، بينما فعل أطفال الطبقة المتوسطة الأمريكيين هذا الأمر نصف المعتاد.

فلما هذا الاختلاف في النتائج؟ كما قلنا سابقًا فإن أطفال المايا قد تعودوا مبكرًا على الانتباه لما تفعله عائلتهم؛ حتى يمكنهم تعلم القيام بالأعمال المنزلية والعمل جماعيًا مع عائلاتهم.

ولكن تظن روجوف (Rogoff) وبعض باحثي المايا الآخرين أن الأمر ينطوي على أسباب أكثر. فهم يعتقدون أن هؤلاء الأطفال الأصليين لديهم شيء يفتقده الكثير من الأطفال الأمريكيين.

 

ما هو الانتباه؟

هناك خوفًا متزايدًا في الولايات المتحدة الأمريكية على مقدرة الأطفال على الانتباه.

ففي المتوسط تتناقص فترة الانتباه الخاصة بالأطفال.

ولكن ليست المشكلة في الانتباه نفسه، بل في شيء يؤدي إلى الانتباه.

فالانتباه عملية مخادعة. فهو ليس كالعمليات العقلية الأخرى مثل الرؤية أو القدرة على التعرف على الوجوه، فلا توجد منطقة أساسية واحدة في المخ تتحكم في قدرتنا على التركيز في مهمة أو التخلص من التشويشات الخارجية.

وتقول مونيكا روزنبرج (Monica Rosenberg) المختصة في علم الأعصاب بجامعة يالي «بدلًا من ذلك يتضح أن هناك المئات من الأجزاء المختلفة في المخ التي تتواصل وتتفاعل مع بعضها البعض عندما ننتبه إلى شيء ما.»

ويقول المختصان في علم الأعصاب الإدراكي مايك إيسترمين (Mike Esterman) وجو ديجوتيس ( Joe DeGutis) من معمل بوسطن للانتباه والتعليم أن قياس مدى إجادة عقل الشخص في تنفيذ هذه العملية المعقدة أمرًا شائكًا.

ولسنوات كان يطور إسترمن (Esterman) وديجوتيس (DeGutis) اختبارًا بمعايير معينة لقياس جودة القدرة على التركيز لدى الناس، أو على الأقل هذا ما كانا يظنان أنهما يقيسانه.

ويقول إسترمن (Esterman): «ولهذا نحضر الأشخاص إلى المعمل، مثل طلبة المدارس ونقدم لهم هذه الاختبارات على الحاسب الآلي والذي يحسب عدد مرات فتور انتباههم».

و على سبيل المثال يعرض على الشخص سلسلة من الصور على الشاشة ويطلب إسترمن (Esterman) من الشخص الضغط على زر معين في كل مرة تظهر فيها صورة مدينة.

ويقول «ثم نعرض عليهم عددًا من الصور لمدن ويستمر الشخص في الضغط على الزر حين يتكرر عرض صور لمدن واحدة تلو الأخرى. وفجأة تظهر صورة لجبل والهدف هو التوقف عن الضغط على الزر».

ويضيف إسترمن (Esterman): «إذا شَرُدَ عقلك سيجعلك ترتكب خطأ وتضغط على الزر بغير قصد. ويظن الباحثون أنه كلما زادت أخطاؤك كلما كانت قدرتك على الانتباه أكثر سوءًا.»

ولكن منذ بضع سنوات مضت قرر الباحثون إضافة تعديلات على التجربة. فقد أوضح استرمن (Esterman) أنهم قبل بداية التجربة مباشرة أصبحوا يقولون لأطفال المدرسة «إذا ابليتم جيدًا في هذه المهمة ستنتهي قريبًا، وبالتالي يمكنكم الخروج من المختبر مبكرًا.»

وبعبارة أخرى فقد أمد إسترمن (Esterman) المتطوعين بمزيد من التحفيز لكي يحافظ على انتباههم، وكانت النتائج مدهشة.

يقول إسترمن (Esterman): «زاد التحفيز الإضافي من قدرة الشخص على الانتباه المستمر بنسبة تزيد عن خمسين بالمئة، وقد أدهشنا بشدة هذا التأثير كبير الحجم.»

وتمكن الباحثون كذلك من ملاحظة التغيير في كيفية عمل العقل عندما يتم تحفيز الأشخاص.

ويقول ديجوتيس (DeGutis) إنه عندما كان المشاركون متحفزين لإنهاء التجربة كانت مجموعة الأماكن المسئولة عن التحكم في الانتباه أكثر نشاطًا خلال كامل التجربة. بينما كانت تلك الأماكن مذبذبة بين النشاط والخمول دون وجود الحافز.

ويقول إسترمن (Esterman) أن الحافز بالنسبة لبعض الأشخاص قد يكون بأهمية قدرتهم الفطرية على الانتباه. فإذا لم نقس مدى تحفز الأشخاص أثناء القيام بالاختبارات، ربما لن نتمكن من قياس قدرتهم الحقيقية على الانتباه.

ويوافق ديجوتيس (DeGutis) على الأمر قائلًا: «لقد أدركنا صعوبة فصل الحافز عن الانتباه المستمر، فإذا لم ننظر إلى الحافز فلن نفهم الأمور المرتبطة بالانتباه بشكل صحيح.»

 

«بالتأكيد يمكنها الذهاب إلى المتجر بنفسها»

ربما يكون أطفال المايا أكثر انتباهًا في تجربة اللعبة وألعاب الورق المطوية (origami) ليس لإمكانيتهم على الانتباه لفترات أكبر، ولكن لإنهم أكثر تحفيزًا على الانتباه. فقد حفزهم والديهم على الانتباه بطريقة ما حتى وإن لم يصرحوا لهم بذلك.

لقد سافرت إلى إحدى قرى المايا الصغيرة في يوكاتا بالمكيسيك لرؤية نمط والدي المايا الفطري، وهناك زرت منزل ماريا تون بورغس ( Maria Tun Burgos) التي ظل الباحثون يدرسون عائلتها وقريتها لأعوام.

وفي ظهيرة أحد أيام شهر إبريل الدافئة، كانت تون بورغس (Tun Burgos) تطعم دجاجتها في الباحة الخلفية. وبناتها الثلاثة في الخارج معها، ولكنهن كن يقمن بأي شيء يردن فعله.

فكانت الابنة الكبرى أنجيلا (Angela) وهي في الثانية عشر من عمرها تطارد كتوكتًا صغيرًا خرج من الحظيرة. أما الابنة الوسطى جيلمي (Gelmy) وهي في التاسعة كانت تجري داخل وخارج الباحة مع الأطفال من جيرانها؛ ومعظم الوقت لم يكن أحد على علم تام بمكانها. و الابنة الصغرى أليكسا (Alexa) والتي كانت في الرابعة من عمرها كانت تتسلق أحد الأشجار.

وقد قالت الصغيرة الطائشة «وحيدة بدون أمي»

وهنا أدركت أن هؤلاء الأطفال لديهم ما يفتقد إليه الكثير من الأطفال الأمريكيين؛ وهو مساحة كبيرة من الحرية. الحرية الكبيرة في اختيار ما يفعلونه وأين يذهبون ومع من يفعلون هذه الأمور. مما يعني أنهم يمتلكون الحرية في التحكم إلى ما ينتبهون إليه.

ووفقًا للوالدة فحتى الطفلة الصغيرة ذات الأربعة أعوام لديها حرية ترك المنزل بمفردها.

وتقول تون بورغس (Tun Burgos): «بالتأكيد يمكنها الذهاب للتسوق، فيمكنها شراء بعض البيض أو الطماطم لنا. إنها تعلم الطريق وكيف يمكنها تجنب الزحام.»

وبهذا لا يلعب الأطفال فقط حول الباحة، بل يقومون بالأعمال كذلك. فهم يذهبون إلى المدرسة، ويفعلون عددًا من الأنشطة بعد المدرسة وكثير وكثير من الأعمال اليومية. وعندما كنت مع هذه العائلة قامت الابنة الكبرى بغسل الأطباق دون أن يطلب منها أحد فعل ذلك، وساعدت كذلك في العناية بأخواتها الصغار.

وتقول سوزانا جاسكينس (Suzanne Gaskins) أستاذة علم النفس بجامعة نورث إيسترن إيلينوز (Northeastern Illinois) التي درست الأطفال في هذه القرية لعقود أن الأطفال كانوا هم من يرتبون جداول أعمالهم وأجنداتهم.

وتقول جاسكينس (Gaskins): «بدلًا من اضطلاع الأم بترتيب ووضع الهدف، وتقديمها لجوائز وإغراءات لكي يصل الأطفال لذلك الهدف، يضع الأطفال الهدف بأنفسهم، وبعد ذلك يدعم الوالدان هذا الهدف بالطريقة التي يقدران عليها».

وتقول أيضًا: «يعطي الوالدان الاستقلالية والحرية لأطفالهم عن قصد لإيمانهم بأنها الطريقة المثلى لتحفيز الأطفال. فلدى الوالدين شعور قوي أن كل طفل يعي جيدًا ما يريد. ويمكن للأهداف أن تتحقق فقط إذا كان الطفل راغبًا فيها.»

ولهذا فهم سيقومون بالأعمال المنزلية حين تكون لديهم الرغبة في مساعدة عائلتهم.

حيث تقول بربارا روجوف (Barbara Rogoff) الأستاذة في جامعة كاليفورنيا سانتا كروزو أن هذه الاستراتيجية تعلم أطفال المايا كيفية التحكم في انتباههم، وذلك بدلًا من الاعتماد المستمر على الكبار لإخبارهم بما ينتبهون إليه.

وتقول أيضًا: «ربما يكون هذا السبب الذي يجعل معظم الأطفال الأمريكيين يفقدون التحكم في الانتباه عندما يدير الكبار الأمر دائمًا.»

يبدو أن أمهات المايا قد اكتشفن شيئًا هامًا، فهن في الحقيقة أساتذة في التحفيز.

 

تحفيز الأطفال على طريقة المايا

على الرغم من أن علماء علم الأعصاب ما يزالون في بداية الطريق لفهم ما يحدث في المخ أثناء الانتباه، فإن المختصين في علم النفس لديهم فهم جيد نوعًا ما عن ما يحتاجه الأطفال للتحفيز.

ماذا يقول إدوارد ديسي (Edward Deci) المختص في علم النفس والذي درّسه لمدة تصل إلى خمسين عامًا بجامعة روتشيستر عن أهم طرق تحفيز الأطفال؟

يقول ديسي (Deci): «الاستقلالية، أن تفعل شيئًا ما ولديك شعور تام بالرغبة والاختيار.»

ويوضح ديسي (Deci) أن العديد من الدراسات قد أظهرت أن تعزيز المعلمين للاستقلالية، ينشط حافز الأطفال على التعلم، ومعالجة التحديات وتركيز الانتباه.

ولكن لبضعة عقود سابقة تحول جزء من ثقافتنا في الاتجاه المعاكس. ويقول ديسي (Deci) أن المدرسين ينزعون الاستقلالية من الأطفال خاصة في بعض المدارس.

حيث يرى أن أحد الأشياء التي يفعلها النظام المدرسي الأمريكي هو جعل النظام أكثر تحكمية بدلًا من أن يكون داعمًا، وهذا التناقص في استقلالية الأطفال داخل المدرسة يكبح قدرة الأطفال على الانتباه.

ويقول ديسي (Deci): «بلا شك إنه يفعل ذلك، ولذا فكل الاختبارات الخاصة بالتقييم لديها عواقب سيئة على التحفيز والانتباه والتعلم الخاص بأطفالنا.»

والآن لا يمكن لكثير من الآباء في الولايات المتحدة الاقتداء بالمثال الخاص بتحفيز أطفال المايا كاملًا. فعلى سبيل المثال إعطاء الأطفال كثيرًا من الاستقلالية ليس عمليًا أو آمنًا في الغالب بالنسبة إلى العديد من الأماكن، ولكن يقول المختص في علم النفس الإدراكي مايك إسترمن (Mike Esterman) أن هناك ما يمكن للوالدين القيام به.

«كبداية يمكنك سؤال طفلك هذا السؤال: ماذا يمكن أن تفعل إذا لم تكن ملزمًا على القيام بأي شيء؟»

ويقول أيضًا «بعد ذلك عليك أن تلاحظ ما يحفزهم بالفعل وما يريدون إدراكه عندما لا يخبرهم أي شخص بما عليهم فعله، وبعدها اخلق مساحة في جداولهم لهذا النشاط.»

«بالنسبة إلى ابنتي فأظن أن هذا النشاط سيكون هو شغفها، وهذا النشاط هو ما ينبغي تعزيزه، فإذا امتلك الطفل شغفًا سيكون طفلًا ذهبيًا، وهو أمر يمنحه السعادة ويزيد من قدرته على الانتباه.»

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *