نهاية الزراعة التي نعرفها

ترجمة بتصرّف لمقال: (The End of Agriculture As We Know It by Stephen Davies)

ترجمة: رزان العيسى 

تدقيق ومراجعة: شيخه عبدالله

الزراعة موجودة منذ آلاف السنين ويمكن القول بأنها قد شكلت الكثير من التاريخ الإنساني والمجتمعي أكثر من أي نشاط آخر. رغم ذلك، في الفترة الحالية التي نعيش فيها و خلال العقدين القادمين الزراعة المتعارف عليها ستتوقف. هذا التغير سيزحف للناس وسيأخذ الكثير بشكل مفاجئ، ولكن يجب علينا أن نرحب به.

أغلب الأشخاص حين يسأل عن أكثر نشاط للإنسان له أثر على البيئة، فالأغلب سيقول الصناعة أو التصنيع، وآخرون قد يذكرون التعدين، في حين سيختار البعض السفر (خاصة السفر الجوي).

لكن مع ذلك، النشاط الأكثر تأثيرًا وأوسع نطاقا هو من أقدم النشاطات و أشهرها: الزراعة. الزراعة بشكليها للإنتاج الزراعي والغذائي، والزراعة لتربية الماشية، لديها تأثير هائل على البيئة وتضرها بشكل متزايد. إن الظواهر الطبيعية كفقد التنوع الحيوي، وتدمير المواطن الطبيعية، واضمحلال الحشرات وحياة الطيور من أغلب أوروبا وأمريكا الشمالية، وحتى انخفاض خصوبة الذكور قد يكون الملام به الزراعة الحديثة المكثفة.

الزراعة المعاصرة في شكلها الحالي الذي اتخذته منذ الثورة الخضراء بين عام 1970 و 1980 تعتبر من أعظم الإنتصارات في العلم الحديث و الاقتصاد التجاري. فقد اختفى نقص الطعام الذي كان يحدث باستمرار عام 1960 في عدد من بقاع الأرض، وتلك التوقعات المخيبة التي كتبها عدد من الكتاب مثل بول إيرلك و بادوكس، عن حدوث مجاعة عالمية في أواخر 1960 لم تتحقق.

المؤونة العالمية للغذاء حاليا مسجلة بأعلى مستوياتها، ويرجع السبب إلى تكثيف إنتاج الأغذية. فالإنتاجية لكل فدان أو لكل بذرة ارتفعت بشكل سريع. والذي ذكرناه كان له عدة أسباب منها تطوير الأصناف المهدرجة وتطبيق إجراءات بسيطة مثل التقليل من المحاصيل الغذائية التي تأكلها القوارض.

التحسين الكلي

لكن يقع أكثر اللوم في استحداث زراعة جديدة على زيادة طاقة المدخلات من ناحية الأسمدة و المبيدات الكيميائية و مبيدات الأعشاب، وهذا ينتج محاصيل أكبر في وقت قصير لكنها تضعف خصوبة التربة و أيضًا لديها تأثيرات مدمرة على المحيط الحيوي. علاوة على هذا، هناك حركة عالمية لإستهلاك اللحوم أكثر، كون الشعوب اغتنت و ترغب في اتباع النظام الغذائي الذي كان يستخدمه الأغنياء قديمًا. هذا يعني أن هناك عدد أكبر من الأراضي و الحقول تستهلك بالمقام الأول لرعاية الحيوانات وخصوصا المواشي.

حاليًا تتغذى المواشي على حوالي نصف مخرجات المحاصيل الزراعية العالمية.

 لايمكن أن يسير التوجه الحالي إلى مالا نهاية. الزراعة الحديثة تضع ضغطًا على محميات الأراضي الخصبة و هذا الضغط اقترب لأعلى حد يمكن الوصول إليه دون وقوع أثار بيئية خطيرة واسعة النطاق. في أغلب الحسابات حتى لو استمر الناس بممارسة هذا النوع من الحمية الغذائية، أي أكل اللحوم أكثر، فإطعام 9 مليار شخص من سكان العالم الموعودين في 2050 سيتطلب زيادة في المخرجات بنسبة 70 بالمئة للدول المتقدمة و 100 بالمئة للدول النامية. فإذا استمرت زيادة استهلاك اللحوم فالضغط سيكبر لأن عدد الأراضي و الإنتاج سيتحول إلى إنتاج اللحوم بدلا من إطعام الناس مباشرة.

بعض المناطق العالم، مثل إفريقيا، ما زالت فيها الكثير من الأراضي غير المستخدمة و المهدرة، لكن أغلب دول العالم وخاصة الدول المتقدمة تتصارع الزراعة فيها مع حدود طاقة أراضيهم. المملكة المتحدة على سبيل المثال تستعمل حاليًا 72 بالمئة من أراضيها للزراعة و الأنشطة المتعلقة بها.

بالأساس الثورة الخضراء قد حدثت بين 1970م و 1980م، قد أعطت الناس وقتًا من خلال دفع عجلة الزراعة التقليدية إلى حدودها الإقتصادية و التقنية، ولكن الوقت الذي أعطي إلينا قد شارف على الإنتهاء. (فالرجل الذي وقف وراء تلك الثورة، نورمان بورليج (Norman Borlaug)، وضع تلك النقطة بالتحديد). حتى ذاك الوقت تأثير الثورة كان محدودا. فهي لم تصنع شيئا حيال إيقاف الضغط المتزايد على أسواق السمك العالمية (فقد تفاقمت بشكل هائل لضعف حقوق الملكية أو الأنظمة الإدارية المؤثرة في أغلب بلدان العالم ماعدا آيسلندا و نيوزلندا) و أيضا أغلب رواد صيد السمك على حافة الإنهيار.

علاوة على ذلك، مسألة زيادة الأراضي المنتجة للمحاصيل الزراعية تتزايد بسبب زيادة الطلب على اللحوم. لكن، هناك مجموعة من الوسائل التقنية المستجدة التي لن تجعل الأزمة الوشيكة كما لو أنها لم تحدث أصلًا بل ستجعل عالمنا يتحول، وهذا سيؤدي إلى نقصان رهيب في أثرنا البشري على المحيط الحيوي.

الزراعة العمودية

أول وسيلة تقنية هي الزراعة العمودية. وسيلة النمو هذه ستضع لبعض المحاصيل (خصوصًا الفواكة والخضار) وسطا غذائيا سائلًا على أرفف موضوعة في مبنى. النظرية تنص على أن المبنى قد يكون أي شيء من حاويات الشحن إلى مخزن كبير أو حتى ناطحة سحاب. ليس ضروريًا أن يكون المبنى جديدًا أو ذا طراز جميل، فأحد الأمثلة المعاصرة هي استعمال المنشآت الصناعية المهجورة. ففيها تستعمل المحاصيل ضوء الشمس الطبيعي، لكن غالبًا ما يدعّم ضوء الشمس بإضاءات LED المحاكية لأشعة الشمس. بالتأكيد أن هذه الفكرة يحتاجها على وجه الخصوص المناطق القابعة على خطوط العرض الشمالية و يقل استعمالها كل ما اقتربت من خط الاستواء.

عام 2010 كان أول من ذكر فكرة الزراعة العمودية هو دكسون (Dickson Despommier) في كتابه الزراعة العمودية: إطعام العالم في القرن الثاني و العشرين (رغم أنه قد تكلم عن هذه الفكرة قبل ذلك) في ذاك الوقت، جموع من البشر طبقوا تلك الفكرة، و طبقها معهم عدد لا يستهان به من رواد الأعمال و التجار المبتدئين.

تطورت تقنية الزراعة العمودية بسرعة لكنها متأخرة، ولم يكن مبكرًا لأن مزارعين القنّب الحضريين كانوا قد طوروا الزراعة المائية (زراعة المحاصيل في وسط غذائي سائل بدلًا من التربة)، (بالإضافة أنهم لم يستطيعوا إثبات براءة الإختراع). لكن، إقتصاديا الفكرة لا يمكن تطبيقها، حتى الآن. التحدي الكبير كان دائما في مستوى الطاقة العالية الذي تستهلكه الزراعة العمودية مع الإضاءة الصناعية و التدفئة. ففي 2016، قد استهلكت الزراعة العمودية للخس طاقة تقدر ب 14 ضعف مما تستهلكه زراعتها في البيوت المحمية التقليدية.

العقبة التقنية الأساسية، بعبارة أخرى، هي كفاءة إضاءة LED من ناحية استعمال الطاقة و المخرجات و مقارنتها بضوء الشمس الطبيعي. لكن في آخر سنتين أحدثت شركة (Phillips) تقدمًا عظيمًا في هذا المجال، بتطوير كفاءة إضاءة LED بعامل ما بين الثلاثة إلى أربعة. مع ذلك العامل الحقيقي الأهم، هو أن الزراعة العمودية في العشر سنوات الأخيرة قد اجتذبت اتفاقيات كبيرة لرؤوس أموال استثمارية على هيئة شركات ناشئة. وعملية السوق المعتادة للتنافس و الاختراع والاكتشاف تقود باستمرار لخفض التكاليف.

في آخر سنتين وعلى نطاق واسع افتتحت العديد من المنشآت العمودية تجريبيا و تجاريا. و هي تقع بعيدًا جدًا كبعد (Pontefract) عن (Yorkshire) و(Seattle). حتى هذه اللحظة، تستعمل أجدد المنشآت فقط نصف الطاقة التي كانت تستعمله أفضل المنشآت سابقًا لكنها ما زالت تنفق ضعفي تكاليف طاقة المشاتل العادية. مع ذلك، فإن اتجاه التكاليف، وتكاليف الطاقة خصوصا، في انخفاض مع أن اتجاه التكاليف لايبدو أنه يتباطأ.

الفوائد البيئية المحتملة كبيرة فمنها نمو المحاصيل بالقرب من نقاط البيع (يمكن أن تكون البقالة على ارتباط بها)؛ بذلك تقل تكاليف النقل و التأثيرات الأخرى بشكل كبير بينما الطعام لازال في حالته الطازجة. وفائدة أخرى أيضًا هي أن الجودة عالية ثابتة وهذا لأنها تنمو في بيئة متحكم بها بعيدة عن الآفات الحشرية والأوبئة، مما يعني أنك لن تضع المزيد من المبيدات الكيميائية و مبيدات الأعشاب، فهذا بلا محالة سيدخل لبيئة أوسع وبتأثيرات مهمة على الأشياء كالحشرات وحياة النبات.

لأن المحاصيل يمكن تنمو طوال السنة، فأنت ستحصد من ستة إلى سبعة من المحاصيل عوضًا عن محصولين أو ثلاثة، يعني أن المخرجات أعلى و توزع طوال العام. وأعظم فائدة هي أن الزراعة العمودية حررت عدد هائل من الأراضي التي يمكن أن تستعمل لأغراض أخرى أو تعاد إلى هيئتها الطبيعية.

هناك حدود، والتي دائما ما تكون اقتصادية كما هي في التقنية. بحيث أنه لم يكن هذا الاتجاه اقتصاديا بعد لانتاج العديد من الخضراوات الجذرية كالبطاطس بهذه الطريقة (على عكس الفواكه والورقيات). خاصة، أنه مؤسف وغير مجدي اقتصاديًا إنتاج الحبوب بهذه الطريقة، غير مرجح أبدًا أن نحدث تغييرًا مهما تطورت التقنية في مجال الزراعة المائية. مع ذلك تأثير زراعة الحبوب في العالم سيتقلص بشكل كبير مع الثورة التكنولوجية الثانية والتي ستأتي سريعًا. فهذا اللحم المستزرع أو المستنبت (lab-grown meat، كما سمي)

اللحم المستزرع (المستنبت)

زراعة الأنسجة في المعامل موجودة منذ عقود. ففكرة استعمال هذه التقنية لإنتاج لحوم صالحة للأكل كانت احتمالا نظريا لوقت طويل وكانت تعد موضوعا أساسيا في الخيال العلمي. ففي العقود الأخيرة تحولت هذه الفكرة إلى واقع، بداية كانت من باب الفضول لكن الآن أضحت على أعتاب التبني التجاري. نظرية طريقة عمل اللحم المستزرع لأول مرة بالتفصيل أكثر من كونها مجرد تأملات كانت على يد (Jason Matheny) عام 2000، ذهب لتأسيس شركة زراعية رائدة وهي (New Harvest).

فريق من العلماء الهولنديين من جامعة (Maastricht University) في هولندا بقيادة (Mark Post) كانوا أول من حول هذه الفكرة إلى حقيقة و في عام 2013 استطاعوا إنتاج وطهي وأكل أول شطيرة برجر بلحم البقر الذي نمِّيَ بالكامل في المعمل (هذا الحدث في لندن). أخذ أول برجر سنتان لإعداده وقد بلغت تكلفته 300 ألف دولار.

ومع ذلك، فإن سعر اللحم المستزرع في انحدار شديد. (Memphis Meats) إحدى أكبر الشركات الرائدة في هذا المجال، في عام 2016 قدرت تكلفة إنتاج الباوند الواحد من هذه اللحوم بقيمة 18000 دولار. فبعد سنة فقط، في جون 2017، قلت تكلفة الإنتاج إلى 2400 دولار للباوند الواحد. السنة الفائتة، تكلفة اللحم المستزرع تسعة أضعاف اللحم المنتج بالطريقة التقليدية، و التنبؤات واثقة أن الهبوط سيزداد بقرب 2020. (Mark Post) كان قادرًا على تقليل تكلفة البرجر من سعره الأول إلى 11 دولار (بما يساوي 37 دولار للباوند) هذا كله فقط في ثلاث سنوات ونصف.

هناك مؤشران بأن اللحم المستزرع مقبل على ثورة اقتصادية كبرى. المؤشر الأول كمية رأس المال المستثمر في المجال حاليًا. والثاني معلن عنه أكثر، وهو المصالح المنظمة مثل رعاة البقر الذين يضغطون الآن على المجال و يتطلعون للجوء للتشريعات واللوائح لحظرها. حتى الآن، فرص حدوث أزمة كبيرة في العقود القادمة واعدة جدا. اللحوم المستزرعة يمكن أن تواجه احتياج العالم للحوم باستخدام 2 في المئة من الأراضي الحالية المستخدمة لتربية المواشي وإنتاج 4 في المئة فقط من غازات الاحتباس الحراري.

نوضح الأمر بطريقة أخرى فنقول لو وضعنا الزراعة العمودية و اللحم المستزرع سويا فكل هكتار يستهلكانه سيحرر من 10 إلى 20 هكتار من الأراضي التي تستهلكها الزراعة التقليدية. كلاهما سيقلل بشكل كبير الطلب على المياه، المصدر الذي يعد متناقصا (غالبًا السبب هو أنه أقل من سعره أو غير مسعر لكن لو تم تسعيره تجاريًا فأغلب الزراعة الحديثة لن تكون متاحة تجاريًا).

اللحم المستزرع خاصة سيحول العلاقة بين البشر و المحيط الحيوي. فأثر جنسنا البشري سيقل كثيرًا و مناطق كبيرة من الأراضي ستعود للبيئة البرية كما أنه لن تكون هناك حاجة لرعي الماشية وزراعة الحبوب لإطعام الحيوانات. اللحم المستزرع هو جزء واحد فقط من قطاع أوسع يستعمل التقنية الحيوية لإنتاج الطعام.

أمثلة أخرى في هذا القطاع هي الحليب الاصطناعي (وبالتالي منتجات ومشتقات الألبان) وبياض البيض المصنع والجانب الأهم أن هذه ليست بدائل: اللحم المستزرع هو ذاته كاللحم الحقيقي الطبيعي، على عكس منتجات الصويا؛ التي ببساطة تأتي من النباتات بدلا من الحيوانات.

الزراعة هي مثال على أن الأسواق، والبحث الحر، والرأسمالية التنافسية، والابتكارات تتولد وتستحدث، وباستطاعتها تغيير طريقة الحياة التي نعيشها، وحل المشكلات البيئية والاجتماعية الحادة.

حياتنا على وشك تغيّر عظيم وشيئا ما كان يشكل جزء كبير من حياة الإنسان (وأساس المجتمع) لعدة سنوات على وشك التغير تمامًا وسينخفض بشكل جذري. حتى الآن القليل لاحظوا هذا.

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *