إدمان التشتت

ترجمة بتصرف لمقال Addicted to Distraction
للكاتب TONY SCHWARTZ

تدقيق: عبير حماد

 

 

في إحدى ليالي الصيف الماضي، فتحت كتاباً ووجدت نفسي أقرأ نفس الجزئية أكثر من مرة حتى أدركت أنني لن أستطيع مواصلة القراءة، لأني لم أستطع التركيز.

كنت مرتعباً، لأنني طوال حياتي كنت أعتبر القراءة مصدر للسعادة والتعلم وكنت ألجأ إليها للتخفيف عني، فالكتب التي كنت ابتاعها بانتظام أصبحت الآن متراكمة على الطاولة بجانب سريري تنظر إلى بعتب.

فبدلاً عن قراءة الكتب، أصبحت أقضي ساعات طويلة على الانترنت، أراجع أعداد زيارات الموقع الالكتروني لشركتي وأبحث عن جوارب ملونة أكثر في موقع قيلت ورولالا Gilt and Rue La La رغم أن لدي الكثير منها حتى أنني أختار مواضيع عشوائية تحمل عناوين مشوقة مثل “أطفال مشاهير غريبين كبروا ليكونوا جذابين”.

أما خلال أيام العمل، فإنني أدخل على بريدي الالكتروني أكثر من اللازم لأبقى على اطلاع وأقضي الكثير من الوقت أبحث بشغف عن أنباء جديدة حول حملة الانتخابات الرئاسية على الرغم من أنها مستمرة لفترة طويلة.

ذكر نيكولاس كار في كتابه الضحالة: ماذا يفعل الانترنت بعقولنا

“صُممت شبكة الانترنت لتكون نظام قاطع أي أنها وسيلة مصممة لتشتيت الانتباه”

وقال

” نحن نقر بوجود ضياع للتركيز وتشتت انتباه وتداخل في الأفكار وبالتالي فقدان ثروة معلوماتية أو تشتيتها على الأقل”.

الإدمان هو الانجذاب القوي إلى مادة أو نشاط ما والذي يصبح فيما بعد انجذابا قهريا يقودنا في نهاية الأمر إلى تداخل في الحياة اليومية. واستناداً إلى هذا التعريف، كل شخص تقريباً مدمن بعض الشيء على استخدام الانترنت. ويمكن القول بأن الإنترنت قد تخلى عن غرضه الأساسي ليكون أكثر الوسائل إدماناً على المستوى الاجتماعي.

استناداً إلى أحد الاستبيانات الأخيرة، معدل الوقت الذي يقضيه الموظفون على البريد الالكتروني فقط حوالي ست ساعات إلى جانب الوقت الذي يمضونه في التسوق الالكتروني وتصفح وسائل التواصل الاجتماعي.

حاجة الدماغ إلى التجديد والتحفيز المستمر والمتعة من شأنها أن تخلق أمراً يسمى “دائرة الإكراه” وهي عندما نحتاج إلى فعل الأمر أكثر فأكثر حتى نحصل على نفس التأثير مثل فئران التجارب ومدمني المخدرات.

سهولة الوصول إلى المعلومة يرهق ذاكرتنا أيضاً فعندما نحصل على زيادة معرفية، تتدهور قدرتنا على نقل ما تعلمناه إلى الذاكرة طويلة المدى كثيراً. فالعقل مثل الكأس الممتلئ عندما نسكب فيه المزيد من الماء، يتدفق إلى الخارج.

كنت أعرف عن هذا الأمر منذ زمن طويل وبدأت بالكتابة عنه قبل حوالي 20 سنة وأخبر به عملائي كل يوم ولكن لم أصدق أبداً بأن هذا الأمر ينطبق علي.

الإنكار هو أول ما يلجأ إليه المدمن للدفاع عن نفسه، عدم وجود عائق للشفاء أهم من العزم على التحكم بالسلوك الإكراهي. فبعد أعوام من إحساسي بأني قادر على التحكم بنفسي بطريقة معقولة، سافرت كثيراً في الشتاء الماضي وحاولت إدارة التزايد المستمر للأعمال في نفس الوقت. ولكن اتضح لي فجأة في الصيف الماضي بأني لم أستطع إدارة نفسي جيداً وأحزنني ذلك الأمر.

أثر قضاء الكثير من الوقت على الانترنت وقلة التركيز على اختياري للطعام المفيد حيث كنت أشرب الكثير من صودا الحمية وأشرب الكحول باستمرار في المساء ولم أعد أمارس الرياضة كل يوم كما كنت أفعل في السابق.

ولحل هذه المشكلة وضعت خطة غريبة وهي كالتالي: سأحاول في الثلاثين يوم القادمة إصلاح تلك السلوكيات وغيرها في وقت واحد. كانت خطة صعبة حيث كنت دائماً أوصي عملائي بأن يسيروا على عكس هذا النهج ويراعوا الدقة فيه ولكني مدرك بأن لا أحد حريص على اصلاح سلوكي أكثر مني لأنها كلها متعلقة بي لذلك أستطيع أن أفعلها بنفسي.

المشكلة هي أننا كبشر لدينا مخزون محدود جداً من التصميم والانضباطية. نحن بعيدون كل البعد بأن ننجح في محاولة تغيير سلوكنا في وقت واحد وبطريقة مثالية ليكون عادة يومية وبالتالي يتطلب هذا الأمر القليل من المجهود للاستمرار عليه.

حققت بعض النجاح خلال الثلاثين يوماً فعلى الرغم من الإغراءات التي حولي، استطعت التوقف عن شرب صودا الحمية والكحول كلها (واستمريت كذلك خلال الثلاثة أشهر التالية) وابتعدت عن تناول السكريات والكربوهيدرات مثل البطاطس والمعكرونة وعدت إلى ممارسة الرياضة بانتظام.

ولكنني فشلت كلياً في اصلاح سلوك واحد فقط وهو تقليص وقت استخدامي للإنترنت.

كانت أولويتي هي تقليل استخدامي له للدخول على البريد الالكتروني لتكون ثلاث مرات في اليوم، عند الاستيقاظ من النوم ووقت الغداء وقبل عودتي للبيت في نهاية اليوم. نجحت في اليوم الأول حتى منتصف الصباح ثم فشلت تماماً. كنت كمدمني السكريات الذين يحاولون مقاومة أكل قطعة من الكيك بينما يعملون في مخبز.

الشيء الذي حاول افساد محاولاتي هو عندما شعرت في صباح أحد الأيام بحاجتي إلى ارسال بريد الكتروني مستعجل فإذا كتبته واخترت ارسال فإنني أقول لنفسي لم أكن حقاً أنوي الدخول على الانترنت.

ولكن لم آخذ بعين الاعتبار بأنني عندما أسجل دخول على بريدي الالكتروني وبينما أكتب البريد المستعجل ستصل رسائل جديدة لا تتطلب الرد حالاً ولكنني أدركت فيما بعد أنه من المستحيل مقاومة إلقاء نظرة على آخر ما وصل من الرسائل والتي تحمل عنواناً جذاباً وستقودني إلى فتح البريد الثاني ثم الثالث.

وفي لحظة عدت إلى دورة التعزيز الذاتي ففي اليوم التالي استسلمت عن محاولة ترك الحياة الرقمية وانتقلت بدلاً عن ذلك إلى مهمة أسهل وهي مقاومة حمية الصودا والكحول والسكريات.

بعد ذلك عزمت على العودة إلى قراري الذي اتخذته تجاه استخدامي للإنترنت فبعد أسابيع من انتهاء تجربة الثلاثين يوماً غادرت المدينة لقضاء العطلة لمدة شهر. لقد كانت فرصة لاختبار قوة إرادتي في تحقيق هدفي الوحيد وهو تحرير نفسي من استخدام الانترنت في محاولة لاستعادة القدرة على التحكم بانتباهي.

لقد اتخذت الخطوة الأولى مسبقاً وهو اعترافي بضعفي تجاه استخدام الانترنت لذلك حان الوقت للتخلص من ذلك. وهذه الخطوة وضحت لي الخطوة التالية وهي التصديق بأن وجود سلطة عليا تساعد على استعادة صحتي العقلية بوعي أكثر. كانت ابنتي ذات الثلاثين ربيعاً هي سلطتي العليا فقد فكت ارتباط هاتفي النقال وجهاز الكمبيوتر المحمول عن بريدي الالكتروني وفصلتهما عن الانترنت. لم أكن أعرف كيف أعيد الاتصال بهمها لذا اعتبرتها فرصة للترفيه عن نفسي من الوسائل التكنولوجية.

تركت التواصل معي متاحاً عبر الرسائل القصيرة فقط ولكن لم يتواصل معي بالرسائل سوى القليل من الناس ومعظمهم من عائلتي وغالبية رسائلهم خلال اليوم كانت عن مكان الالتقاء لأننا في عطلة وهذا الأمر فيما بعد جعلني أنتظر الوقت الذي أعود فيه إلى الحياة الرقمية.

لقد عانيت خلال تلك الأيام فلقد كان لدي رغبة كبيرة بالاتصال بمحرك البحث قوقل والبحث عن إجابات عن بعض الأسئلة التي ترد إلى ذهني. ولكني شعرت بالاسترخاء في كل يوم يمر على دون انترنت وكنت أقل قلقاً وأكثر قدرة على التركيز وأقل رغبة على شرب الكحول سوى ذات التأثير البسيط. الذي حدث لعقلي هو الشيء الذي لطالما تمنيته فلقد بدأ بالاستيعاب.

اشتريت الكثير من الكتب متفاوتة الصعوبة والطول خلال عطلتي. بدأت بقراءة القصص وعندما شعرت بالراحة وزيادة في التركيز، انتقلت إلى قراءة القصص الطويلة. ومع مرور الوقت بدأت في قراءة كتاب بعنوان “إمبراطور الأمراض” للكاتب سيدهارتا موخيرجي فلقد كان سيرة رائعة عن مرض السرطان ولكنها معقدة في بعض الأحيان حيث جلس على رف كتبي ما يقارب الخمس سنوات.

وبعد مرور أسابيع أصبح لدي شغف للحصول على المعلومة كمصدر للمتعة. بعد ذلك انتقلت إلى قراءة الروايات وختمت اجازتي بالاستمتاع بقراءة رواية “نقاء” للكاتب جونثان فرانزين والتي كانت عبارة عن 500 صفحة حيث كنت أقضي بعض الأحيان ساعات في قرائتها. والآن عدت إلى حياتي العملية وسأضطر بطبيعة الحال إلى استخدام الانترنت فلا يمكن الاستغناء عنه وسوف يستهلك الكثير من تركيزي لذلك هدفي الآن هو إيجاد طريقة تساعدني على استخدام الانترنت بتوازن.

شعرت بعد هذه الطريقة بأنني أصبحت أكثر تحكم بنفسي. أصبحت أقل تفاعلاً وأكثر وعياً بالمكان الذي ينبغي أن أضع تركيزي فيه. فإنني أحاول مقاومة رغبتي في التصفح كلما استخدمت الانترنت. وكلما أتيحت لي الفرصة أسأل نفسي “هل هذا فعلا ما أريد القيام به؟” فإذا كانت الإجابة لا فإن السؤال التالي سيكون ” ما هو الشيء الذي سيشعرني بأنني انسان منتج أو راض أو مرتاح عند قيامي به؟”

أعتبر الآن الانترنت جزءا من عملي اليومي حيث أستخدمه للحصول على الأنشطة المليئة بالمتعة. وبغض النظر عن هذا كله، لازلت مستمرا بقراءة الكتب ليس لأنني أحبها فحسب بل كوسيلة لتدريب مقدرتي على التركيز.

لقد اعتدت منذ وقت طويل أن أفكر ليلاً ماذا سأنجز في صباح اليوم التالي وقد كان هذا أول ما أقوم به في معظم الأيام لمدة تتراوح بين 60 إلى 90 دقيقة دون مقاطعة. وبعد ذلك أخذ استراحة من 10 إلى 15 دقيقة أستعيد فيها تركيزي وأجدد نشاطي.

وإذا كان لدي عمل آخر خلال اليوم ويحتاج إلى تركيز عال، أترك الانترنت لفترات معينة أعيد فيها عادتي الصباحية وفي المساء عندما أذهب إلى النوم، غالباً ما أترك أجهزتي الرقمية في الأسفل.

وأخيرا أشعر بأنه لابد من أخذ إجازة سنوية بدون أجهزة رقمية، صحيح أن أيام إجازتي معدودة ولكنني تعلمت أن أسبوع واحد على الأقل دون انترنت كفيل بأن يشعرني بالسعادة.

أحيانا أجد نفسي أستعيد ذكرى من آخر يوم في إجازتي فقد كنت أجلس مع عائلتي في مطعم وشاهدت رجلاً في الأربعين من العمر يجلس مع ابنته ذات الأربعة أو الخمسة أعوام لقد كان منظراً جميلا.

ولكن سريعاً ما وجه تركيزه على الهاتف وسريعا ما اجتاح ابنته طاقة كبيرة وضجر حيث وقفت على الكرسي ثم بدأت بالدوران حول الطاولة وحاولت رسم تعابير مختلفة على وجهها كل ذلك من أجل جذب انتباه أبيها.

لم تنجح الابنة في جذب انتباهه سوى للحظات واستسلمت بحزن فصمته أشعرها بالهزيمة.

المصدر