خمس عادات ذهنية تخلّيك عنها يجعلُك أكثر اتّزانًا

ترجمة بتصرّف لمقال: (To Be More Emotionally Stable, Drop These 5 Mental Habits By Nick Wignall)
مصدر الصورة Unsplash

كتابة: نيك ويغنال

ترجمة: جمانة السوادي Jumana_Writes@

مراجعة وتدقيق: عبدالرحمن نصرالدين @abdonasr77 

المراجعة النهائية: أسامة خان @QalamOsamah 

 



مما هو معروفٌ وشائع أن بعض الناس يتمتع بطبيعةٍ عاطفيّة وانفعاليّة، وغيرهم ذوو طبيعة مُتَّزنة ومستقرة. وبالرغم من وجود بعض التأثيرات الجينية على انفعالاتنا، إلا أن التأثير الأكبر الذي لا يُدركه معظمنا هو: أن عاداتنا -لاسيما الذّهنية منها- تؤثر بشكلٍ كبير في انفعالاتنا العاطفية.

 

بصفتي طبيبًا نفسيًّا، فإني أتعامل يوميًّا مع أشخاصٍ متقلّبين وغير مُتّزنين عاطفيًا:

  • تائهون في دوّامات من القلق والاضطراب.
  • عالقون في نوبات من الاكتئاب والمزاج السيء.
  • يغضبون لأدنى ضغط أو صعوبة.

 

وأدركت من خلال خبرتي أن ما يؤدي لكل هذا الاضطراب العاطفي هو مجموعة من العادات العقليّة الخفية والقوية التي اكتسبها الإنسان في طفولته غالبًا، ولم يتخلّى عنها بعد ذلك.

 

الخبر السار هو أن أي شخص يُمكنه أن يتعلم كيف يكون أكثر اتّزانًا في مشاعره، ومفتاح ذلك يكون بالتعرّف على هذه العادات الذهنية غير المفيدة وتركها، فهي التي تزجُّنا في معاناةٍ عاطفيّة مضخّمة.

 

اترك هذه العادات الذهنية الخمس وستدرك أنك شخصٌ مُتّزنٌ عاطفيًّا أكثر مما تتصور، وستصير قادرًا على خوضِ مشاعرك دون الغرق فيها.

 

١- تصديق كل فكرة تخطر في ذهنك

 

خُطُورٌ فكرةٍ عليك لا يعني صحّتها.

 

تعد قدرتنا على التفكير الإبداعي والعقلاني أحد أهم نقاط قوتنا.
فلولا تلك القدرة ما برزت لنا ألحانُ بِتهوفن، وما تطوّرت أنظمة الحكم الديمقراطية، وما كُتبت روايات تشارلز ديكنز، وما اكتشف الطب علاج شلل الأطفال.

ولكن مقابل كل فكرة مدهشة أو إبداعية أو عبقرية تولِّدها عقولنا، مئات إن لم يكن آلاف الأفكار السخيفة وغير المنطقية والعقيمة.

 

إليكم مثلًا:



حين تقرأ ٢ + ٢ = ٥ تتكون معلومة في ذهنك مفادها ٢ + ٢ = ٥، لكن مجرد وجودِ المعلومة في ذهنك لا يعني صحّتها. وليست الأفكار غير المنطقية فقط ما تبرع عقولنا في إنتاجه، بل إن العقل البشري قادر على إنتاج أفكار غير مفيدة بل شريرة تمامًا.

 
فأفكارنا قد تؤدي إلى بناء معسكرات الاعتقال وإيقاد حرب كيماوية، وبالسهولة ذاتها أنتج العقل البشري أفكارًا خيّرة أدت إلى تأسيس منظمة المساكنُ للإنسانية (Habitat for Humanity) و هيئة السلام (Peace Corp).

 

خلاصة الكلام: أفكارك ليست بالضرورة صحيحة أو مفيدة. وافتراضك أنها كذلك هو بداية المعاناة العاطفية.

 

عندما تفترض أن كل فكرة يُلقي بها عقلك إليك هي فكرة صحيحة وتبدأ بالتفكير المفرط فيها، سينتهي بك الأمر تواجه مشاكل أخرى:

 

  • إذا قفزت إلى ذهنك فكرة غير منطقية تصور لك أن زوجتك قد لقيت حتفها في حادث سيارة أثناء عودتها للمنزل، فإن عادتك في تصديق أفكارك ستقودك إلى مصارعة نوبات من القلق المفرط.
  • إذا استسلمت لحكمٍ ما أصدره عقلك تجاه زميلك في العمل، فإن عادتك في تصديق أفكارك ستقودك إلى الإحباط وربما إلى التصرف بوقاحة.
  • إذا بدأت تراودك بعض الأفكار السلبية حول خطأ ارتكبته في الماضي، فإن عادتك في تصديق أفكارك ستقودك إلى الشعور المفرط بالذنب والعار.

 

إن التفكير المفرط هو أصل كل أشكال المعاناة العاطفية. توقف عن تصديق كل ما يخطر في ذهنك وسينتهي إفراطك في التفكير. 

 

«لا تصدق كل فكرة تطرأ عليك، الأفكار لا تعدو كونها أفكارًا».

  • آلان لوكوس (Allan Lokos)

 

٢ – الحكم على نفسك بناءً على مشاعرك

 

إن من غير المنطقي أن تطلق أحكامًا على نفسك بناءً على أشياء لا يسعك السيطرة عليها، وبالأخص مشاعرك.

لا أعلم قانونًا في العالم يحكم على إنسان بالسجن مثلًا لأن شعورًا بالغضب العارم يعتريه، مهما كان يشعر بالغضب، نحن -في مجتمعاتنا- لا نحكم على الناس إلا بناءً على ما يفعلونه، أي على سلوكهم.

والسبب بسيط: فمن غير المنطقي أن تحكم على إنسان بناءً على أمرٍ لا يمكنه التحكم فيه. فليس بمقدورك أن تتحكم بمشاعرك بشكل مباشر، إذ لا يمكنك أن تخفض مستوى حزنك كما لا يمكنك أن تضاعف سعادتك! 

 

ولكن من تناقضات النفس البشرية أننا ندرك صحة هذا الأمر، لاسيما عندما يتعلق بالآخرين، لكننا نتجاهله عندما يتعلق الأمر بنا:

 

  • فنحن نتعاطف مع الآخرين إذا ما أحسوا بالقلق، لكننا نتهم أنفسنا بالضعف في اللحظة التي نشعر فيها بالتوتر تجاه أمرٍ ما.

 

  • إننا نتفهم تمامًا موقف أصدقاءنا الذين يشعرون بالاكتئاب أو الحزن، لكننا -عندما نواجه الشعور ذاته- نقول لأنفسنا «اكتم حزنك وامضِ» أو «كفاك كسلًا وبلادة!».

 

الموضوع ليس ساخرًا على الإطلاق:

 فأنت تتعاطف مع أصدقاءك عندما يشعرون بالضيق، لكنك إذا عانيت عاطفيًّا توبّخ نفسك على ألمك!

 

والأزمة هي أنك بعد أن تصدر حكمًا على نفسك بناءً على شعورك، ستجد نفسك تواجه ألمًا جديدًا فوق ألمك السابق:

 

  • عندما تَزدري نفسك لشعورك بالبؤس، فسوف تضيف إلى بؤسك شعورًا بالحزن والعار.
  • عندما يقلقك شعورك بالغضب، فسوف تضيف إلى غضبك توتّرًا واضطرابًا.
  • عندما تنتقد نفسك لشعورك بالخوف، فسوف تضيف إلى خوفك إحباطًا.

 

مرورك بالمشاعر السيئة صعبٌ كفايةً، فلا تضاعف المشاعر السيئة على نفسك.

كن أكثر تقديرًا لذاتك وأكثر تعاطفًا معها، لتتحرر من عادة الحُكم على مشاعرك.

 

«كن فضوليًّا لا مُحَكِّمًا».
والت وايتمان (Walt Whitman)

 

٣ – طلب المعنى في كل شيء

 

البحث عن المعنى في كل شيء هو آلية دفاعية نمارسها غالبًا لمحاربة خوفنا من الغموض وعدم اليقين.

الطبيعةٌ البشرية ترفض الغموض الذي يكتنف الأمور. لكن هناك قدرًا لابد منه من الغموض وعدم اليقين في كل قراراتنا سواءً حين نختار لون أحذيتنا أو حين نقرر الارتباط بشريك الحياة، ويرافق هذا الغموض قدرٌ من القلق.

 

بالنسبة لبعض الناس -لاسيما الذين نشؤُوا في بيئات فوضوية ومتقلبة– اعتادوا أن يروا في الغموض وعدم اليقين خطرًا ينبغي عليهم تجنبه بأي ثمن. وإحدى الوسائل الشائعة لتجنب القلق الناتج عن الغموض، هو محاولة خلق المعنى في كل شيء.

 

حين نقول لأنفسنا أن كل ما يحدث في الحياة ذو مغزى، فإننا بذلك نعطي أنفسنا وهم اليقين. 

وإن كنت ممن يعتمد باستمرار على عكّاز «خلق المعنى» لتخفف قلقك تجاه انعدام اليقين، فإن قدرتك على تحمل عدم اليقين سوف تضعف مع الوقت.
لأنه وفي لحظةٍ مَّا سوف يعترضك الواقع، ويطالبك بمواجهة غموض الحياة: فلا وجود لطمأنينة الفهم.

 

  • «بلا سبب واضح» قد يموت صديق لك في حادث مأساوي في سن مبكرة.
  • «بلا سبب واضح» قد يتم تسريحك من وظيفة أحلامك.
  • «بلا سبب واضح» قد يَتركك زوجُك.

 

اختلاق القصص التي تحاول إضفاء المعنى على كل شيء تمر به سيصبح مستحيلًا في نهاية المطاف عندما يتضخّم الغموض. وإن لم تكن قد وطّنت نفسك على تحمل الحياة بكل غُموضها وضبابيّتها، ستجد نفسك تعاني بشدة وغالبًا سيكون الاكتئاب والقلق في انتظارك.

 

يتمتّع المتّزنون عاطفيًّا بالقوة والاستعداد اللذان يؤهلّانهم لقبول الحياة بغموضها ولمواجهة المستقبل بكل ما يحملهُ من ضبابية.

درّب نفسك على قبول غُموض الحياة في أشكاله البسيطة والصغيرة حتى تستطيع بكل ثقةٍ مواجهته في أشكاله الكبيرة في المستقبل؛ كما هو الحال دائمًا.

 

«الحكمةُ هي فنّ معرفة ما ينبغي عليك تجاهله».

  • ويليام جيمس (William James)

 

٤ – محاولة السيطرة على كل شيء

 

عقدة السيطرة عادةً ما تكون علامةً على انعدام الأمن عند صاحبها وخوفه من العجز.

تمامًا كما أن محاولة إيجاد المعنى في كل شيء تدلّ على خوفك من الغموض، فإن حاجتك للسيطرة على كل شيء تدلّ على خوفك من الإحساس بالعجز.

 

والحقيقة التي لا مفرّ منها هي أنك عاجز، على الأقل تجاه كثيرٍ من الظروف. فهده ببساطة سنّة الحياة فليس باستطاعتنا التحكّم بالأشياء لتكون كما نتمنّى دائمًا:

 

  • ليس في مقدورك أن تجعل أقرب صديقٍ لك يتوقّف عن التدخين.
  • ليس في مقدورك أن تجعل مديرك في العمل يقتنع بذكائك.
  • ليس في مقدورك منعُ زوجَك من الشعور بالضغط نهاية اليوم.



إن قوتك وتأثيرك في الحياة لهما حدودهما، صحيحٌ أنه بإمكانك أن تؤثر على الآخرين بطريقةٍ أو بأخرى، لكن من الخطأ افتراضُ أنك مسؤولٌ عن النتائج.

 

حين يفترض عقلك اللاواعي بأنك مسؤولٌ عن مآلات الأمور وعواقِبها، سَترْزحُ تحت وطأةِ توقّعات خيالية وغير واقعية عن نفسك. ولا محالة، سوف تتحطّم هذه التوقعات ولن تتمكن من تلبيتها، ما سيعرضك إلى تقلبات عاطفية كبيرة:

 

  • ستجد نفسك محبطًا وواقعًا في خيبة أمل، حين ترى صديقك المُقرّب يعُود إلى التدخين بعدما وعدك بأنه سيترُكه.
  • ستجد نفسك تشعر بالخجل وتشكّ في قدراتك، حين يعطيك مديرك في العمل تقييمًا سلبيًا على عرضك التقديمي -الذي كنت مقتنعًا بروعته-.
  • ستشعر بالغضب والاستياء حين يعود شريكك إلى المنزل مجدّدًا وهو مُتوتر ومُستَفَز -على رغم اجتهادك في تهدئته خلال اليوم-.

 

ذكّر نفسك بأنه لا بأس بشعور العجز، وقلة الحيلة، ببساطة: أحيانًا لا يمكننا أن نقدّم شيئًا. إنكارك لهذه الحقيقة لن يساعد أحدًا على المدى الطويل، خصوصًا نفسك.

حين تُخفض توقّعاتك إلى مستوى واقعيّ لا يعني بالضرورة عدمُ الاهتمام، بل يعني أنك شخصٌ صريحٌ وواضح مع نفسك.

أخيرًا، تحلّى بالتواضع لتعترف أنك لا يمكنك أن تُسيّر الأمور كما تُريد. ابذل جهدك، لكن لا تعتقد أنك تتحكم بمقادير الأمور.

 

«العاقل سيجد الراحة حين لا يُبالي بالأمور الخارجة عن سيطرته».

– نافال رافِكنت (Naval Ravikant).




٥ – اتّخاذ القرارات بناءً على المشاعر لا القِيَم

 

الأشخاص الذين يُمضون أعمارهم هاربين من المشاعر المؤلمة، يستنفذون كل طاقتهم ولا يبقى منها شيء لمواجهة أكثر الأمور أهمية: تطلُّعاتهم الكبيرة.

جميعنا يريد أن يشعر بالرضا، لكن إصرارنا على الشعور بالرضا في هذه اللحظة قد يكون مكلفًا لاحقًا:

 

  • طلبُك من صديقك أن يهدّئ رَوعك تجاه ما يُثير قلقك قد يجعلك تشعر بالتحسّن الآن، لكنك على المدى الطويل سوف تُرسّخ قناعةً لدى عقلك بأنك عاجزٌ عن السيطرة على قلقك، وهذا سيحطّم ثقتك بنفسك ويجعلك أكثر قلقًا.
  • تعليقك الساخر أثناء جدالك مع زوجك قد يمنحك شعورًا مريحًا الآن، لكنك على المدى الطويل تنخرُ الثقة في علاقتكما.
  • بقاؤُك مستلقيًا في سريرك لأنك لست متحمّسًا قد يمنحك شعورًا مريحًا الآن، لكنك على المدى الطويل ستقتل احترامك لذاتك لأنك ترسّخ قناعةً بأنك غير قادر على الالتزام.

 

العواطف والمشاعر ليست دومًا مُضلّلة أو ضارة، في بعض الأحيان قد تكون مفيدةً للغاية، لكن من الخطأ أن تتعامل مع مشاعرك كأنها نصٌّ مقدس، فكثيرًا ما تكون عواطِفُنا متعارضةً مع قيَمِنا.

 

إذا كنت تريد أن تكون أكثر اتّزانًا عاطفيًّا، عليك أن تتعلّم كيف تُخضع مشاعرك لقيَمِك.

 وأفضل وسيلةٍ لتحقيق ذلك: هي أن تُبقي قِيَمك وتطلّعاتك حاضرةً في ذهنك باستمرار:

 

  • هل ما يهُمني حقًّا هو أن أشعر بالراحة في سريري، أو أن أنهضَ لتحقيق وزني المثاليّ وأحافظ على صحة جيدة؟
  • هل ما يهُمّني حقًّا هو أن أخفّف شعوري بالقلق، أو أن أكون شخصًا واثقًا من نفسه؟
  • هل ما يهُمّني حقًّا هو أن أشعر بأنني مُحقّ في رأيي، أو أن أحظى بعلاقةٍ جيدة مع شريكي؟

 

بإمكانك اتخاذ قراراتك تبعًا لشعورك الذي ترتاح إليه، أو لقيَمك التي تؤمن بها. لذا كن حكيمًا في اختيارك.

 

«بين الرغبة والفعل خط فاصل، وفي ذلك الخط تكمُن قوّتنا في اختيار ما نفعله».

  • فِكتُر فرانكل (Viktor Frankl)

 

ما يتحتّم عليك معرفته:

 

كل إنسانٍ سيُكابد نصيبًا من المشاعر المؤلمة في الحياة، وحتى تكون أكثر استقرارًا واتّزانًا في عواطفك ينبغي عليك أن تحسّن علاقتك بمشاعرك، وذلك بتطوير طرقٍ صحّية في استجابتك لها:

 

  • لا تصدّق كل ما يخطر لك.
  • قاوِم الحكم على نفسك بناءً على ما تشعر به.
  • تخلّص من الحاجة للبحث عن المعنى في كل شيء.
  • لا تحاول السيطرة على كل شيء.
  • اتّخذ قراراتك بناءً على قيمك لا مشاعرك.




 

المصدر

تمت الترجمة والنشر بموافقة الكاتب

أحدث المقالات
أحدث التعليقات
الأرشيف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *