ثلاثون عامًا من التفكّر

ترجمة بتصرّف لمقال: (30 Year Thinking)

بقلم: نات إلياسون (Nat Eliason)
ترجمة: أسماء نشمي الشمري
تدقيق: درة سعد
مراجعة نهائية: زينب محمد

 

ما الذي تودّ فعلهُ خلال ثلاثين عامًا؟

لدى كل منّا عملٌ يعزّز نشاطَه وآخر يستنزفه. فالكتابةُ تُنشطني بينما تستنزفني المبيعات. وأجود معيارٍ لفهم ماهية هذا الشعور هو سؤالكَ نفسكَ: كيف تشعر حين ترى هذا النوع من العمل في جدولك اليوم؟ أو هل ترغب بنوعٍ آخر فضلًا عن هذا النوع من العمل؟

ويُعدّ تطوير الحسّ لمعرفة ما يعزز نشاطنا وما يستنزفه من أساسيات الإنتاجية طويلة المدى. فإن أرغمت نفسك على عملٍ مجهدٍ طوال اليوم، فإنك على الأرجح لن تُنجز شيئًا ذا معنى لك أو لِمجالك. وعلى النقيض، فإن ساعةً من العمل الذي يُعزّز نشاطك كفيلةٌ بصنع فوائد مهولة على المدى البعيد.

كما يعدّ إيجاد عملٍ مُنشّط أكثر فاعلية من وضع أهدافٍ بعيدة المدى. فقد يتحقق الهدف فور تمكّنك من إنجازه، لكن سرعان ما يتلاشى هذا الشعور بالرضا. كما أن التحقق من الأهداف واحدًا تلو الآخر يُعدّ شاقًّا ما لم تستمتع بهذا الإجراء. 

ويأتي التقدّم الهائل من الفائدة المركبة. هذا صحيحٌ فيما يخصّ بناء الثروة، وتطوير المهارة، وإنجاز العمل الرائع أيضًا. وقد تطرّقتُ لهذا في مقالتي عن إنشاء مدونة، ولكن كلما عملت أكثر على مشروعٍ أصبح من السهل القيام به بشكلٍ أفضل. وبإيجادك عملًا منشِّطًا، فإنك تصنع تأثيرَ دولاب الموازنة: يقوم العمل على الاكتفاء الذاتي ويتراكم.

ولكن تأتي الفائدة المركبة من تمسكّك بعملك. فإن انتقلت من مشروعٍ لآخر ومن مهارةٍ لأخرى ربما تُحقق الـ ٢٠% التي ستجلب لك ٨٠% من النتائجَ، ولكن ثمّة تأثيرٌ آخر لمبدأ باريتو. فإن استطعت تعلّم ٨٠% من مهارةٍ ما بسرعة، فبإمكان أي شخصٍ عملُ ذلك. وليس من المدهش اتقانك أول ٨٠% من هذه المهارة، ومع تنقّلك بين مجموعةٍ من المهارات حاصلًا على ٨٠% في كلٍ منها، فلن تبرح مكانك. فقد اخترت مبدأ الانتقائية عِوضًا عن الاستثمار في أي شيءٍ.

وهو ما يعيدنا إلى السؤال: ما الذي تودّ فعله خلال ثلاثين عامًا؟ وهل ينعكس ذلك في كيفية قضاء وقتك؟

على الرغم من أن جدول أعمالي لا يعكس ذلك، إلا أنني على ثقةٍ بأن الكتابة هي ما أرغبُ في فعله لثلاثين عامًا. وعوضًا عن جعل الكتابة على رأس أولوياتي أُقحِمت في العديد من المهام الأخرى. فإن خمّن شخصٌ دخيلٌ مهاراتي البالغة ثلاثون عامًا بناءً على الوقت الذي أمضيه، فلن تترأسَ الكتابةُ القائمة.

ولا تقتصر فكرة الثلاثون عامًا على المهارات فحسب. بل هي جديرةٌ بالتساؤل عما إذا كان من تُمضي وقتك معهم هم أصدقاؤك لثلاثين عامًا. هل سيكبرون بجانبك، هل سيتَحدّونك، هل سيلهمونك، هل سترغب ببناء أسرةٍ معهم؟ أم ستقضي معظم وقتك مع أصدقاء المصلحة ممن رافقوك أثناء الدراسة أو العمل ومن تسعدُ باحتساء بعض المشروبات بصحبتهم في ساعةِ مرحٍ؟

ويتطلّب أسلوب حياتك أيضًا تمحيصًا. فما هي العادات التي ترغبُ في تعوِّدها على مدى ثلاثين عامًا؟ وكم من تلك الحياة بإمكانك صنعَهُ الآن؟ حيث إن التدريب مهمٌ للغاية. كما أن بإمكانك استعادة لياقتك فيما بعد إن تدرّبت، من الأسهل خوضُ سباقٍ في سنِّ السبعين في حال خُضت واحدًا أيضًا في سنِّ الستّين.

وتُعدّ المتعة التي مصدرها الطهي والضيافة من أهم الأشياء التي تعلمتها خلال الحجر الصحي. وهذه بلا شكّ عاداتٍ لثلاثين عامًا. حيث أن استثمارًا متواضعًا لتحسين مهاراتك بالطهي، سيعود عليك بالنفع (ومن الممكن أن تتغير حياتك بمجرّد قراءتك Salt Fat Acid Heat). وعلى عكس المطاعم، فإن تجربة التجمّع في منزل شخصٍ ما تُعدّ أفضلَ بكثير.

كما يتطلب التحدي مع ثلاثين سنةٍ: التفكّر واتخاذ قراراتٍ صعبة على المدى القصير، بُغيةَ الوصول للحياة التي تودّ عيشها على المدى الطويل. ويتوجّب على وقتِ الكتابةِ أن يأتي بأي طريقة. وبتفويتك ساعات المرح قد ينتابك الخوف من فوات الأشياء. ويجدرُ رحيلُ أصدقائك الذين لا تثيرك صداقتهم لثلاثين عامًا. فالتغييرات ليست سهلة، لكن قليلٌ من الألمِ الآن خيرٌ من حياة من الندم.

كما يضمن لك التفكّر لثلاثين عامًا وضوحًا لم تُدركه فيما يخص كيفية قضائِك لوقتك:
  • هل أرغب بتحسين هذا العمل خلال ثلاثين سنةٍ مقبلة؟
  • هل أرغب برؤية هذا الشخص أسبوعيًا لثلاثين سنةٍ مقبلة؟
  • هل أرغب بأداء هذه العادات لثلاثين سنةٍ مقبلة؟
  • هل أرغب بإنفاق أموالي بهذه الطريقة لثلاثين سنةٍ مقبلة؟
  • هل أرغب بالقراءة عن هذا الموضوع لثلاثين سنةٍ مقبلة؟
  • هل هذا ما أرغب أن يبدو عليه جسدي أو يشعر به لثلاثين سنةٍ مقبلة؟


من الممكن أن تطرح على نفسك هذه الأسئلة وتتأكد أن كل شيء كما تريد. لكن أظن أنك ستكتشف أن قراراتك قصيرة المدى في بعض المجالات لا تتماشى مع رغباتك على المدى الطويل.

ومن السهل الوقوع في فخّ «يومًا ما»، مؤمنًا بأنه بمجرّد كسب المزيد من المال والوقت وإنهائك لهذا المشروع ستتحرّر فجأةً من الالتزامات التي تحول بينك وبين نفسك المثالية.

وبما أن «يومًا ما» لن يأتي، لذا علينا الشروع الآن بإنشاء ذلك اليوم.

الهوامش

صورة العنوان لجيرو أونو. إن لم تشاهد «جيرو دريمز أوف سوشي»، فيجب عليك. إنه المثال الأفضل للتفكّر لثلاثين عامًا.

 

المصدر

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *