فن الإصغاء الفعال

ترجمة بتصرف لمقال:( The art of active listening by ux collective)

الترجمة:

عذاري الحاتمي

حنان يوسف

التدقيق: ميساء ناجي
المراجعة: سعاد باسلم

«الإصغاء أحد أهم المهارات الأساسية في مجال التصميم والأعمال، غير أنه يمكننا نصغيَ بشكل أفضل».

«المصممون الجيدون هم مستمعون رائعون. فهم يبدؤون عملهم بفهم ما تريد، وليس بالبحث عن الحل». (أدريان زومبرونن، ٢٠١٧)

نسقتُ محادثة بين عشرة أشخاص داخل غرفة اجتماعات فاخرة. وكانت المحادثة فعالةً وحيويةً. اتفق الجمیع على أن هناك حاجة إلى خدمة جديدة، وتباحثوا حول القیمة الأساسية لهذه الخدمة.

وعلى الرغم من ذلك، كان هنالك شيءٌ ناقص لم أتمكن من معرفته إلا بعد انتهاء الاجتماع.

كان التفاعل محاكاة لمحادثة حقيقية. وبدلًا من التأثر بها، كان أغلبهم حریصًا على تقديم رأيه وفكاهاته. وأرادوا من الآخرين أن يصغوا إليهم، كما كانوا أقل رغبة في إرغام أنفسهم على الصمت والإصغاء.

تتفشى هذه النرجسية الحوارية في عالم الأعمال. فهي تؤدي لنتائج عكسية في التصميم إذ أنها تعرقل التعاون، وتبني خلافات سقيمة، وتمنع الناس من إعادة النظر في آرائهم.

من الضروري أن نتوقف، ونصغي لنتعاون، ونتعلم أكثر.

الإصغاء مهارة

بدأ زميلي الشاب لعب كرة القدم. وبعد مرور سنة من اللعب في نادي محلي لكرة القدم، بدأ يمارسها بمفرده. حضر دورة تدريبة على الإنترنت لتعزيز ممارسته لمهارة المراوغة بالكرة، والحصول على شعور جيد مع الكرة. بعد مضي أربعة أسابيع من التدريب المكثف، ظهر تأثير ملموس على زميلي، مما دعا أصدقاءه إلى أن يتساءلوا عن السبب وراء التحسن الكبير في مهاراته.

تتحقق أفضل نتائج كرة القدم من خلال الممارسة المتكررة.

 

 

لقد طور زميلي مهارة لم يتوقع أنه سيحتاجها يومًا. وبالمثل، فإن أحد أهم الأسباب التي تجعل الكثير من الناس مستمعين غیر جیدین هي عدم علمهم بأن الإصغاء مهارة.

 

عند سؤال الناس عن الأشخاص الذين يتقنون مهارة الإصغاء، يمكنهم ذكر عدد قليل من الأشخاص الذين يجدونهم «مستمعين جیدين». هؤلاء هم الأشخاص الذین تتواصل معهم عند حاجتك إلى من يصغي إليك. من ناحية أخرى، هناك أصدقاء لا یستمعون لغيرهم أبدًا. فهم يشاركون أفكارهم، ويفشلون بالاهتمام بمن حولهم.

 

هل تبادر إلى ذهنك (الآن) شخص ما؟

الإصغاء مهارة من المهارات النفسیة والاجتماعية والعاطفية التي يفشل نظام التعليم الرسمي في ذكرها.

 

 

الإصغاء لیس صفة، أو سمة یمكن التحلي بها، وإنما هو مهارة يمكن ممارستها واتقانها.

 

 

في حين أن الإصغاء ضروري في جميع مجالات الحیاة؛ إلا أنه یعد مفیدًا بصفة خاصة للذين يعملون في مختلف التخصصات، ووحدات الأعمال، وفي الثقافة. فهو يسمح لك بالتعرف على معانٍ أكثر دقة ومناقشة الاختلافات بين الأطراف. الإصغاء هو مهارة بناء العلاقات.

 

أساسيات الإصغاء الفعال

 

واحدة من أنجح السبل الفعالة لتعلم مهارة الإصغاء هي تحسين مهارة الإصغاء الفعال. نشأت تقنيات الإصغاء الفعال من خلال إطار علاجي. ومنذ ذلك الحين، اُعتُمدت واستخدمت في مجال الاستثمار والإدارة ومجال التواصل. لكنها لم تستخدم بتوسع في مجال التصميم.

 

 

یواجه الإصغاء الفعال تحديات عديدة لنبذ الفكرة القائلة أن مهارة الإصغاء سلبية. فهو يرشد المستمع إلى اعتماد منهج الفضول والسؤال في المواقف لتحقیق الفهم المشترك.

 

 

لقد وجدتُ الإصغاء الفعال وسيلة ممتازة عند الحاجة لبناء الثقة، وفهم وجهات نظر الآخرين، والتعاون. فأنا استخدمه في مجالات متنوعة، منها مقابلات التوظيف، والمقابلات الشخصية، ومجموعات النقاش، وورش التصميم، ومناقشات التطوير الوظيفي مع فريقي. بعكس المحادثات الغير الرسمية، أو المفتوحة، والتي تُستخدم خلالها تقنيات الإصغاء الفعال لضمان استمرارية الفهم المشترك بين الأفراد.

تقنيات الإصغاء الفعال الأربعة

 

 

تشمل أساسيات الإصغاء الفعال أربع تقنيات وهي: (١) إقامة علاقة بين طرفين من خلال إظهار اهتمام حقيقي، وإعطاء الطرف الآخر كامل الانتباه. ومن خلال هذه التقنية، نتعمق في المحادثة من خلال الآتي: (٢) اختيار الأسئلة بعناية. (٣) التأكد من فهم جميع الأطراف من خلال إعادة صياغة الكلام. (٤) إنهاء المحادثة بملخص قصير.

 

التقنية الأولى: ركز انتباهك

انتباهنا عبارة عن رفيق صغير وفضولي يميل للتجول بين مخاوفنا الشخصية وتوقعاتنا وتطلعاتنا اليومية ومهامنا. تؤثر البيئة المحيطة على تركيزنا، فالأجهزة الذكية، ووسائل التواصل الاجتماعي، والحياة العملية السريعة، جميعها تعرقل التوقف والتركيز.

الإصغاء الفعال يتطلب مثل هذه العقلية. أنت لا تستطيع قراءة كتاب دون تركيز انتباهك ولا أن تصغي لشخص آخر دون انتباه.

 

 

حجر الزاوية للإصغاء الفعال هو أن تبقى في الوقت الحاضر. لذلك يجب عليك أن تكرس جُل انتباهك للشخص الآخر، وتكون حاضرًا في اللحظة الراهنة.
بإمكانك تحضير نفسك لذلك. اعلم أن الانتقال من مشروع لآخر يحتاج إلى بعض الوقت. لذلك ابدأ بالتجهيز للانتقال جيدًا قبل البدء بالتفاعل والاندماج: اترك -بكل وعي وإدراك- المشروع السابق خلفك واستعد للمشروع التالي بمراجعة المواد المتعلقة به، والسير الذاتية أو النقاط الرئيسة له.

وتبعًا لذلك، عند وصول شخص أو أشخاص آخرين، ستكون قادرًا على بدء الحوار بسلاسة. انتبه وركز في اللحظة الراهنة. بطبيعة الحال يساعد تكريسك للوقت والمساحة على توطيد علاقات جيدة، وإظهار أهمية رأي الطرف الآخر ووقته.

 

 

التقنية الثانية: اطرح أسئلة أفضل

 

غالبًا ما تركز التوجيهات المتعلقة بأساليب وتقنيات المقابلات على طرح الأسئلة. وهذا يدل على أن الأسئلة هي التي تحدد مسار النقاش منذ بدايته، وهي التي توجه طريقة النقاش. ومع ذلك وكما هو معلوم، فهناك العديد من الأسئلة الأكثر تعقيدًا.

 

إذا أردنا إجابات أفضل، علينا أن نطرح أسئلة أفضل.الخطوة الأولى هي الانتقال من الأسئلة المحدودة والضيقة إلى الأسئلة الأكثر انفتاحًا: استبدل«هل تعمل؟» بـ«أخبرني أكثر عن عملك الحالي». الخطوة الثانية هي صياغة السؤال بطريقة تساعد على بناء التواصل و الانسجام مع الطرف الآخر: «ما هو أكثر شيء استمتعت به في عملك الأسبوع الماضي؟».

تساهم الأسئلة في التحدث عن مواضيع جديدة وفي اكتشاف مجالات أخرى بعمق أكبر. عندما نريد فهم الأسباب المؤدية لتصرف أو تفكير معين، بإمكاننا استخدام طريقة أسئلة التعليل الخمسة:

فبعد أن يُجيب الشخص على عدة أسئلة، يسأل الطرف الآخر -الذي يجري المقابلة- : «لمَاذا؟»، ومن ثم يكرر السؤال نفسه بعد الأسئلة الأربعة الآتية. يعد هذا الأسلوب مفيدًا، خصوصًا في المواضيع التي تحتاج إلى فهم شامل وعميق.

يستخدم الإصغاء الفعال الأسئلة لتقصِّي المواضيع، وضمان فهمها فهمًا شاملًا، تكون الأسئلة مفيدة خصوصًا حينما يتفاجأ المستمع باختلاف وجهات النظر، أو وجود تناقضات في السرد، أو قد يكون الطرف الآخر يتحدى مفاهيمك السابقة. التقصي في هذه المجالات يتيح لك فهم وجهة نظر الشخص الآخر.

 

 

 التقنية الثالثة:أعد الصياغة

إعادة الصياغة هي من أدوات الحوار الأقل استخدامًا، على الرغم من أنه يجب على جميع محترفي التصميم والأعمال أن يضيفوها إلى صندوق الأدوات الخاص بالنقاشات والمقابلات.

إعادة الصياغة تسد الفجوة بين أطراف النقاش.

 

عند إعادة صياغة الكلام، كرر ما قاله الطرف الآخر مستخدمًا كلماتك الخاصة للتأكد من فهمك للموضوع. وهذا لا يعني أن تقول كلامًا مختلفًا على لسان شخص الآخر، ولكن يعني أن تسأل بلطف: هل فهمتُ قصدك جيدًا؟ واسمح للطرف الآخر بتصحيح ما فهمته عند الحاجة.
الغرض من إعادة صياغة الكلام هو ضمان أن كلا الطرفين فهما ما قيل. هذه التعليقات تسمح للشخص الآخر بالتحقق من وصول رسالته. والأهم أنه لا يجب على الأطراف المشارِكة التوافق في وجهات النظر، هم فقط بحاجة إلى فهم كيف ينظر الآخرون إلى الأمر.

 

 التقنية الرابعة: لخص الموضوع في نهاية النقاش

في حين أن إعادة الصياغة أداة مفيدة أثناء الحوار، فإن التلخيص هو أداة إنهاء الحوار. ويُعد التلخيص جيدًا إذا استطعت جمع النقاط المهمة، ومن ثم مشاركتها مع الأشخاص الآخرين.

للتلخيص أهمية كبيرة، خصوصاً عندما يكون الحوار طويلًا ومتشعبًا ويتضمن وجهات نظر متضادة أو معقدة. استخدم عادةً التلخيص لإنهاء ورش العمل، إذ يؤكد على السبب الرئيس للحوار والنتائج التي توصلنا إليها، والآراء المختلفة، و الاختلافات التي مازالت موجودة على طاولة الحوار، وأخيرًا الخطوات التي تم الاتفاق عليها.

يُلقي التلخيص الجيد الضوء على جوانب متعددة، إذ يُعد رمزًا واضحًا للتعاون والرغبة في المضي قدمًا بالحوار. كما أنه يُؤكد على أنك كنت منتبهًا ومهتمًا وتعمل جاهدًا على فهم وجهات النظر المختلفة وترتيبها حسب الأولوية. قد تكون الملخصات المتعاطفة مدعاةً للدهشة لبعض الأشخاص غير المعتادين على التفاعل المتعاون، والأكثر سلاسة، فمثل هذه الملخصات قد تفاجئهم بمدى دقتها، ومحاولتها لإيجاد حلول مشتركة.
ما يفاجئني شخصيًا هو حقيقة أن الأشخاص لا يحاولون بذل الجهد لفهم بعضهم البعض.

 

الإصغاء يُظهر التواضع الفكري

الإصغاء الفعال أداة ذات أهمية قصوى للمصممين في المقابلات وورش العمل، كما أنه أساسي لأي تفاعل. يساعد الإصغاء على مقاومة ميولنا الفطرية لبناء الفرضيات، كما أنه يدفعنا لنستكشف ونسعى ونتحقق من وجود فهم متبادل بين جميع الأطراف، وهذا الأمر يُعد حجر الأساس لأي تعاون.

ومع ذلك، يعد الإصغاء الفعال أكثر من مجرد أداة. فهو يعكس تطلعاتك و أسلوبك الشخصي في الحياة. فمن خلاله يمكنك أن تكون أكثر فضولًا، وانفتاحًا على أفكار، ووجهات نظر جديدة، وكذلك أكثر اهتمامًا بالأشخاص الذين يمتلكون وجهات نظر مختلفة عنك، وهذا يدل على استعدادك لتجاوز حدود أفكارك.

 

«تَنشر مؤسسة غالوب (Gallup’s) قائمة لأكثر الأشخاص المحبوبين، وهم الأشخاص الذين تغيروا و ندموا و تطوروا ونضجوا، وليس الأشخاص الذين ينجحون من أول محاولة»
-(Shane Snow) شان سنو

الإصغاء الفعال هو المهارة المطلوبة لبناء جسور التواصل.

 

يمكننا اتخاذ مواقف أكثر أريحية وانفتاحًا للحياة من خلال الإصغاء الفعال. هذا لا يعني تبني جميع وجهات النظر، ولكن علينا أن نستمع لها ونقيمها ونأخذها بعين الاعتبار حتى لو كانت تُعاكس ما نؤمن به. اختلاف وجهات النظر والآراء لا يشكل خطرًا عليك أو على الآخرين، بل على العكس، هو ما يجعل هذا العالم مكانًا ثريًا ومثيرًا للاهتمام.

في هذا العالم المليء بالصخب، نحتاج لأن نتوقف لوهلة و نُصغي لنتعاون.

 

لوري لوكا (Lauri Lukka) أخصائي نفسي، يخدم المصممين و المدونين الذين يعملون في مجال التصميم الذي يركز على المستخدمين.

كتب مقالات في السابق عن تحجيم التعقيد من خلال التصميم، كيف يمكن أن تكون على طبيعتك في العمل، و كذلك في أهمية طرح التعليقات.

 

حقوق الصور

كرة القدم، لكون فانق. الرجل الذي يقرأ، كريس بنسون. شخصان على التل، لمارتا ايستبان فرناندو. المرأة مع الخارطة، لكاتي درازداوسكايت. الجسر، لأندريك لانقفيلد.

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *