لماذا يؤثر ثراء العائلة على التعليم؟

ترجمة بتصرف لمقال:( Why Does Family wealth Affect learning by american educator)

الترجمة: سارة الحربي.

التدقيق: رهف الفرج.

المراجعة: أسامة خان.


عملية التعلم؟


تُبنى قرارات المعلمين التعليمية على مجموعة نظريات تم طرحها في تعليم المعلمين، والمشاكل والأخطاء وصيغة المعلومات والغريزة. مثل تلك المعرفة غالبًا ما تخدمنا جيدًا، لكن هل يوجد ثوابت نعتمد عليها؟ يعرّف العلم المعرفي بأنه مجال متعدد التخصص يتكون من مجموعة من الباحثين في كل من الطب النفسي وعلم الأعصاب، وعلم اللغويات والفلسفة والحاسوب وعلم الإنسان الذين يبحثون في فهم العقل. في أعمدة صحيفة التعليم الأمريكي الدورية هذه، نعتبر ما اكتشفناه في هذا المجال هو اكتشاف قوي وواضحٌ كفايةً وهو ما يجعل صف الأستاذ دانيل ويلنقهام (Daniel T. Willingham) الذي قام بتطبيقه متميزًا.

للأستاذ الجامعي دانيل ويلنقهام (Daniel T. Willingham)


سؤال: لماذا غالبًا يؤدي الأطفال الأغنياء أداءً أفضل من الأطفال الفقراء في المدرسة؟

جواب: يواجه الأطفال الفقراء مجموعة من التحديات وهذه التحديات تنقسم إلى مجموعتين، الأولى: قد تكون متوقعة؛ ألا وهي أن الآباء الأغنياء لديهم مصادر تمكنهم من توفير فرصة تعلم أفضل لأطفالهم. الثانية: أطفال العوائل الفقيرة معرضون دائمًا للإجهاد المزمن، وهناك بحث أجري في السنوات العشر الأخيرة كشف أن تلك الإجهادات المزمنة التي يمر بها الطفل مدمرة لعملية التعلم أكثر مما كان متوقع في السابق، كما أظهرت تلك الدراسة أيضًا الأمر لا ينحصر على وجود المال فقط.

الأستاذ، في علم النفس المعرفي في جامعة فرجينيا، ولديه كتب حديثه، أحدث كتبه لماذا لا يحب الطلبة المدرسة؟ كتبها لمساعدة المعلمين في تطبيق البحث عن الدماغ وكيف تحدث عملية التعلم في الفصول الدراسية، كما يمكنك الإطلاع على الموقع www.danielwillingham.com كما يمكن للقراء طرح أسئلتهم الخاصة واستفساراتهم «Scientist» على أستاذ العلم المعرفي عبر إرسال بريد ًا إلكترونيًا لـ amered@aft.org وسيتم الرد على التساؤلات مستقبلًا في أعمدة الصحيفة.

«المعرفة العامة» لا يمكن لهذه المعرفة أن تكون صحيحة دائمًا، خاصةً في الأمور التي تتعلق بالدراسة، لكن عندما نتحدث عن الثراء ومخرجات التعليم فإنه من المعروف مدى صحة تلك المعرفة.

عندما ننظر لمعدلات الأطفال المنحدرين من عوائل ثرية حول كيفية أدائهم في المدرسة، في المتوسط فإنه يؤدي أطفال العوائل الثرية آداءً أفضل من أطفال العوائل الفقيرة. حيث ترتبط ثراء العائلة بمعدل ذكائهم وتحقيق الإنجازات في المدرسة. وهذه الظاهرة لوحظت بدرجاتٍ متفاوتة حول العالم، كما يرتبط غنى العائلة باحتمالية تخرج أبناءهم من الثانوية العامة وارتيادهم الجامعة. هناك تحليلات شافية في ذلك الجانب، وهي عندما نلقي نظرة على ارتباط الأغنياء بمهارات أكاديمية بسيطة كإنجازات القراءة والحساب. هذه الروابط ما زالت ملحوظة حتى لو اختبرناها على أبسط أنواع عمليات الإدراك مثل التمييز الصوتي أو كمية المعلومات التي يخزنها الطفل في ذاكرته العملية (وهي«المساحة» العقلية التي تحدث فيها عملية التفكير) أو النطاق الذي يمّكن الطفل من تنظيم مشاعره وعمليات التفكير. لكن تلك التأثيرات لا تقتصر على دخل العائلة فقط، في الحقيقة من غير المحتمل أن يكون بسبب الدخل مباشرةً، تخيل عرض نقود على عائلة محدودة الدخل، ذلك لن يؤثر مباشرةً على إدراك الأطفال أو يرفع من تحصيلهم الأكاديمي. يجب أن تكون تأثيرات الثراء غير مباشرة وتحصل مع مرور الزمن. في الواقع، يعتقد الباحثون أن هناك طريقة مفيدة لتصوير تأثير الثراء وهو توفير الفرص، وهنا يصبح المال عاملًا مساعدًا جليًا للفرص فالنقود تمكّن الفرد من شراء الكتب والالتحاق بالمخيمات الصيفية كما تسمح له أيضًا بالحصول على الدروس الخصوصية عند الحاجة إليها. لكن بالإضافة لرأس المال هنالك نوعان آخران من الرأسمالية يمنحان الفرص للأطفال ألا وهي: الرأسمال البشري يشير للمهارات أو المعرفة الفردية، والتي غالبًا ما تعتمد على تعليمهم وخبراتهم، فالوالدان اللذان يحظيان بهذا النوع من رأس المال يستطيعون منح تلك المعرفة لأبنائهم بدقة وبطرق واضحة.

أما رأس المال الاجتماعي: فيشير إلى الارتباطات المفيدة في الشبكات الاجتماعية مثل الارتباط بالناس أصحاب الأموال أو من لديهم رأس مال البشري، فالوالدان أصحاب رأس المال الاجتماعي الواسع قد يكون لديهما أصدقاء أو أقارب يمكنهم توفير فترات تدريبية مساعدة لأطفالهم في عطلة الصيف أو احتمال أن يوفروا لهم مكان تسمح لهم بالدفاع عن أبنائهم عندما يتعرضون لمشكلة في المدرسة. من الطبيعي أن نتوقع ارتباط رأس المال البشري والاجتماعي والمالي ببعضهم البعض على سبيل المثال: عند دخول إحداهن الجامعة سيزيد رأس مالها البشري من خلال عملية التعليم، لكنها أيضًا ستعقد صداقات في الجامعة ونظرًا لذلك سيكون لديها علاقات اجتماعية (رأس المال الاجتماعي) مع أناس آخرين ذوي تعليم جيد. ولهذا بدلًا من قياس ثراء العائلة ببساطة يستخدم معظم الباحثين مقياس مركب يطلق عليه الحالة الاجتماعية الاقتصادية (إس سي إس) والذي يشمل دخل العائلة، ومستوى تعليم الوالدين ومهنتهم.

كيف تؤثر الحالة الاجتماعية الاقتصادية على مخرجات التعليم؟ معظم النظريات تندرج تحت فئتين، إحداهما نموذج استثمار العائلة الذي يقدم آلية بديهية:

وهي الوالدان اللذان لديهم حالة الاجتماعية الاقتصادية عالية يعني أنه لديهم رأس مال أكبر، ويمكنهم أن يستثمرون ذلك أكثر في تطوير أبنائهم. نماذج الإجهاد تقترح أن الحالة الاجتماعية الاقتصادية المنخفضة مرتبطة بالإجهاد والذي ينتج عنه عواقب أولها يقلل من فعالية الوالدين، ثانيًا ينتج عن الحالة الاجتماعية الاقتصادية المنخفضة عواقب حيوية سلبية ومباشرة تؤثر على عملية نضج أدمغة هؤلاء الأطفال. وهذه النماذج ليست محصورة بالتبادل قد يكون كلا النموذجين صحيحين. وفي الواقع هناك دليل يثبت أن كلا العاملان يساهمان في الصعوبة التي يواجهها الطالب ذوو الحالة الاجتماعية الاقتصادية المنخفضة في المدرسة. في الحقيقة، معظم التحديات في هذا البحث تكمن في التفريق ما بين العوامل التي لها عدة تأثيرات وتميل للحدوث مع بعضها البعض، على سبيل المثال: عندما يكون البيت مزدحمًا نظرًا لعدم وجود رأس مال، فعلى الأرجح التأثير سيكون مباشر على تعليم الأطفال فمن الصعب الدراسة في محيط مزدحم، وبيئة مزعجة، كذلك التأثيرات الغير مباشرة حيث يزيد الازدحام من نسبة المشكلات الصحية مما يؤدي إلى تفاقم الضغوط. بالرغم من تلك التحديات فقد نجح الباحثون في تعريف بعضًا من تلك العوامل العديدة التي تساهم في زيادة المشكلات الأكاديمية التي يواجهها الطلاب ذوي الحالة الاجتماعية الاقتصادية المنخفضة. لنلقي نظرة على بعض الأدلة، مع الأخذ بالاعتبار أن تلك الدراسات المدرجة هنا أُعتمد فيها علم المنهاج الذي تنفصل فيه الآثار عن تلك العوامل التي تحصل مع بعضها البعض.

هناك عواقب خفية للحالة الاجتماعية الاقتصادية المنخفضة مثل زيادة خطر ولادة أطفال بأوزان منخفضة وهذا قد يتسبب في الإعاقة الإدراكية

نظريات استثمار العائلة

ترتبط بعض العوامل بالحالة الاجتماعية الاقتصادية، والتي تبدو وكأنها نتائج مباشرة لكمية الأموال المتوفرة لدى العائلة. على سبيل المثال: العائلات ذات الدخل المنخفض لا تستطيع دفع ثمن الكتب وأجهزة الحاسوب وتوفير المدرسين الخصوصين ولا يمكنها توفير المصادر الأخرى التي تدعم الطفل في دراسته. في الواقع ترتبط تلك المصادر التحفيزية الفكرية بمخرجات دراسية أفضل والتي لا يمكن أن تمنحها العديد من العوائل الفقيرة لأبنائها. كما يوجد عواقب أخرى ملحوظة للحالة الاجتماعية الاقتصادية تظهر وتؤثر على الطفل حتى قبل ولادته، فالأمهات اللاتي حالتهن الاجتماعية الاقتصادية منخفضة غالبًا لا يحصلن على الرعاية الصحية الملائمةِ لهن، لذا قد يُولد الطفل وهو يعاني من خطر نقصان وزنه عند الولادة، والذي يعد عامل خطر للإصابة بإعاقة إدراكية وعواقب قد تبقى على الأقل حتى منتصف الطفولة. كما هناك احتمال تفشي متلازمة الكحول الجنينية في الأطفال المولودين لأمهات من الحالة الاجتماعية الاقتصادية المنخفضة. تحدث متلازمة الكحول الجنينية بسبب إدمان الأم للكحول أثناء فترة الحمل، حيث يتسبب بعدة عُلل إدراكية للرضيع. ومعظم تلك الحالات لدى الأمهات الحوامل ذوات الحالة الاجتماعية الاقتصادية المنخفضة هي ليست بسبب الاختلاف في عادات الشرب لدى هؤلاء الأمهات، لكن على الأقل في جزء منها يكمن في التفاعلات التي تحدث نتيجة التغذية السيئة واحتمال أيضًا وجود عوامل جينية تؤثر في ذلك. عندما يُولد طفلًا لعائلة ذات دخل اقتصادي اجتماعي ضعيف فإنه سيعاني من اعتلالات في الصحة، ستستمر وتؤثر على مخرجات التعليم. كذلك من المحتمل أن يكون هناك حمية غذائية غير ملائمة من ناحية التغذية وصعوبة الحصول على الرعاية الصحية مما سيزيد على الأرجح مشاكلهم الصحية، واحتمال أن يصابوا بمشاكل صحية مزمنة خطيرة، ستزيد نسبة تغيبهم عن المدرسة أكثر من أقرانهم، وهذا مرتبط بالمقابل بمخرجات تعليم سلبية. التغيب عن المدرسة هو بالتحديد ما يدمر هؤلاء الأطفال لأنهم ينتفعون من المدرسة أكثر من نظرائهم الأثرياء. ولنفترض أنه قد يكون السبب في ذلك هو المنازل والأحياء التي يقطنون فيها لا توفر لهم نفس مستوى الغنى المعرفي والتحدي، فعلى الأرجح هم يعيشون في منازل غير مهيئة ومعرضة أكثر لمادة الرصاص، بالتالي تزداد نسبة وجود الرصاص في دمائهم أكثر من أطفال الأغنياء. من المعروف أن نسبة بسيطة من مادة الرصاص قد تسبب آثارًا سلبية وخطيرة على الإدراك. ومن المحتمل أن يعيش هؤلاء الأطفال ذوي الحالة الاجتماعية الاقتصادية المنخفضة في غرف مشتركة غالبًا تحت ظروف معيشية مزدحمة وهذا يعرف بأنه يؤثر على ادائهم الأكاديمي، قد يكون ذلك التأثير لسبب بسيط وهو أنه كلما ازدحم المنزل، زاد الإزعاج مما يصعب على الطفل أن يقوم بالتركيز على دراسته، كذلك قد يؤثر الإزدحام على الأبوين أيضًا مما يزيد صعوبة المحافظة على الهدوء وتنظيم المنزل والذي يؤثر أيضًا على عملية الإدراك.

ربما يكون أحد تأثيرات رأس المال الاقتصادي في التعليم هو أن العوائل الغنية دائمًا ما تبحث عن منازل في أحياء تحتوي على أفضل المدارس، إلا أنه حتى قبل أن أن يبدأ الأطفال بالذهاب للمدرسة، غالبًا ما يتوفر لدى العوائل الغنية مقدمي الرعاية النهارية يكونون أكثر لطفًا ومراعين أكثر من مقدمي الرعاية النهارية لدى العوائل الفقيرة حيث تقدم دروس الحساب والقراءة في المرحلة الإبتدائية. وعندما يبدأ الطفل بالذهاب للمدرسة، فإن أطفال العوائل الفقيرة غالبًا ما يتعلمون من معلمين أقل خبرة أو أقل كفاءة أو لديهم مؤهلات ثانوية. وهنا دليل على ذلك وهو عند تدريس مادة الحساب، فمن المحتمل أن يشدد معلمي الأطفال الفقراء على أساسيات التقييم بدلًا من الإجراءات المتقدمة والأسس المفاهيمية، كما يقضي هؤلاء المعلمين وقتًا أقل في التأسيس وتشير هذه البيانات إلى أن السبب في عدم تشديد المعلمين على الأساسيات هو أن هؤلاء الأطفال غير قادرين على فهمها، وبالأحرى سيخصص لهم معلمين التركيز على أساسيات التعليم. كل التأثيرات المذكورة سابقًا هي نتيجة قلة رأس المال الاقتصادي. أما رأس المال البشري وهو المعرفة والمهارات التي يمتلكها الوالدان والتي قد يمنحونها لأطفالهم فهو مهمة أيضًا، على سبيل المثال: تظهر معظم الأدلة أن الوالدان ذوي الحالة الاجتماعية الاقتصادية المنخفضة قلما يتحدثون مع أبناءهم ويتحدثون إليهم بمفردات محدودة وتراكيب بسيطة للجمل عكس نظرائهم من الحالة الاجتماعية العالية وتبدأ هذه الظاهرة منذ الصغر. ويرتبط حديث الأمهات خاصةً ارتباطًا وثيقًا بنمو المفردات لدى الطفل الرضيع. هناك بعض الأدلة التي تؤثر جزئيًا وفقًا للاختلافات في معرفة الآباء عن تطوير الطفل الوالدان اللذان يعرفان أكثر عن كيفية تعلم الطفل ونموه يتحدثون أكثر لأطفالهم بطرق مختلفة ومعقدة وغالبًا ما يلتمسون الأفكار من أطفالهم والوالدان ذوي الحالة الاقتصادية والاجتماعية العالية غالبًا ما تكون لديهم هذه المعرفة. هناك دليل أيضًا على أن المنازل المزدحمة للعوائل ذوي الحالة الاقتصادية والاجتماعية المنخفضة تساهم في التأثير: عندما يكون المنزل مزدحم كثيرًا لا يتحدث الوالدين مع أبنائهم كثيرًا وغالبًا ما يكون حديثهم مختصر وتوجيهي. كما تقل قراءة الوالدين لأبنائهم ويشاهد هؤلاء الأطفال التلفاز أكثر عند مقارنتهم مع أطفال الحالة الاجتماعية الاقتصادية العالية. ونادرًا ما يشتري الوالدان الألعاب التعليمية التي قد تحفز إدراك الأطفال للأشكال أو الألوان أو أسماء الحروف. جميع مصادر التحفيز المعرفي التي يفتقدها الأطفال ذوي الحالة الاجتماعية الاقتصادية المنخفضة المعروف عن تلك المصادر أن لديها تأثيرًا إيجابيًا على درجات في القراءة والحساب في المدرسة.

وأخيرًا، يهتم الوالدان المتعلمان أكثر اهتمامًا بمنح رأس المال البشري لأطفالهم أو على الأقل هم أكثر اهتمامًا لقضاء المزيد الوقت مع أطفالهم. ومع أن أحدهم يعتقد أن الوالدان اللذانِ يعملان أكثر سواء لإيجاد دخل إضافي أو للضرورة،سيقضيان وقتًا أقل مع أبنائهم وفي الواقع تأثير ذلك إلى حد ما بسيط. أما الوالدان اللذان يعملان وقتًا أطول يميلان للتضحية بالأنشطة الأخرى من أجل قضاء وقتًا أكثر مع أطفالهم. يعتبر الدخل تنبؤًا ضعيفًا بالنسبة لقضاء الوقت مع الأطفال ولكن هنالك التأثير القوي للتعليم إذا كانا الوالدان متعلمان سيقضيان المزيد من الوقت مع أطفالهم

الوالدان اللذان يعرفان أكثر عن طرق تعلم الأطفال سيتحدثان لأطفالهم بطرق مختلفة ومعقدة

ماذا عن رأس المال الاجتماعي؟

هنا أيضًا الأطفال ذوي الحالة الاجتماعية الاقتصادية المنخفضة لا يستفيدون. يرتبط شعور الوالدين في التواصل والمشاركة في مدارس أطفالهم بإنجازات أطفالهم. والوالدين ذوي الحالة الاجتماعية الاقتصادية المنخفضة مشاركتهم قليلة في مدارس أطفالهم على الأقل جزء من ذلك التأثير ربما يعود لاختلافات في العرق والطبقة الاجتماعية التي تساهم في انعدام الثقة بين الوالدين والمعلمين أو المسؤولين. ويميل هؤلاء الأطفال أيضًا لمصاحبة الطلاب الذين لا ينخرطون في المدرسة.

نظريات الإجهاد:

يبدو أن هنالك دليلًا كافيًا يدعم نظريات استثمار العائلة: العوائل التي تمتلك رأس مال إقتصادي أو بشري أو اجتماعي كبير يستثمرون ذلك في أطفالهم ويستفيد أطفالهم من ذلك بالمقابل. حتى مع دعم نظريات استثمار العائلة لا يعني هذا أن العوامل الأخرى لا تساهم في التأثير على أصحاب الحالة الاجتماعية الاقتصادية المنخفضة في التعليم، وفي الواقع هنالك أيضًا بيانات تدعم نظريات الإجهاد.

الفكرة العامة وراء نظريات الإجهاد فسرت في بيان السياسات العامة في مجلة الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال ونُشرت في شهر يناير لهذا العام. ترتبط الحالة الاجتماعية الاقتصادية المنخفضة بالإجهاد المزمن الذي إذا لم يخفف بالعلاقات الداعمة، ستصبح له عواقب سلبية لمدى طويل على تطور العقل والتي ستظهر في الآداء الإدراكي. هنالك عدة خطوات لهذه النظرية وبعض الأدلة لدعم كلًا منها وسنراها في الشكل الموجود في صفحة المقبلة.

أولًا: ترتبط الحالة الاجتماعية الاقتصادية والإجهاد بعلاقة عكسية، حيث أن العوائل ذات الحالة الاجتماعية الاقتصادية المنخفضة تعاني إجهاد أكثر من العوائل ذات الحالة الاجتماعية الاقتصادية المتوسطة أو العالية، على الأرجح من البديهي أن يرتبط الإجهاد مع الحالة الاجتماعية الاقتصادية، واحتمال أن تكون أن تكون هي دليلًا بحد ذاتها، فمن بين العوامل الأخرى غالبًا ما تعاني العوائل ذات الحالة الاجتماعية الاقتصادية المنخفضة من الجوع (أو غير واضح ما إذا ما كان لديهم الطعام الكافي للشهر القادم). كما يقلقهم كثيرًا الأمان الوظيفي ومشكلاتهم المالية. حيث غالبًا ما يعيشون في أحياء تكثر فيها معدلات الجرائم. وفي الواقع ترتبط مستويات الهرمونات –الكرتزول والكيتاكولمينات- ارتباطًا عكسيًا بالحالة الاجتماعية الاقتصادية.

ثانيًا: هنالك دليل يثبت أن عوامل الإجهاد هذه تؤثر على التربية. معظم الآباء يعرفون أنهم ليسوا في أفضل حال مع أطفالهم عندما يشعرون بالإجهاد. وغالبًا ما يكون الوالدان ذوي الحالة الاجتماعية الاقتصادية المنخفضة أكثر قساوة وتناقضًا كوالدين. وجزء من هذه الممارسات هو نتيجة الإجهاد المزمن: حيث يزيد الإجهاد من احتمالية معاناة الوالدين من مشكلات سلوكية وعاطفية والإجهاد وبعض الاختلافات في الاعتقادات الخاصة بالتأديب هي السبب في الاختلاف ما بين الحالات الاجتماعية الاقتصادية فيما يتعلق بالتربية. يرتبط اكتئاب الوالدين والإجهاد بالمشاكل السلوكية عند الأطفال تصطحبها صعوبات في ضبط المشاعر.

ثالثًا: هناك إثبات على تأثير الإجهاد المباشر على أدمغة الأطفال. فالأم التي تعاني من الإجهاد المزمن خلال فترة حملها يتطور طفلها ببطئ خلال السنة الأولى وتظهر أعراض تأخر في النمو العقلي في الإثنى عشر شهرًا الأولى. أما بالنسبة للطفل الذي يتعرض للإجهاد المزمن يؤثر ذلك على كيفية استجابة الجسم للإجهاد، وكل ما عاش الطفل تحت ظروف مجهدة أكثر مثل الازدحام أو الإزعاج أوالعيش في منزل غير مهيأ أو التعرض للعنف إلخ… زادت لديه مستويات الكورتيزول القاعدية وهو هرمون الإجهاد… ثم أصبح يعاني من ردات فعل لمعيار عامل الإجهاد مثل: عندما أن يطلب منه أحدهم حل مشاكل حسابية في عقله. بالإضافة إلى تغيير طريقة إستجابة الدماغ عند حدوث ظروف مجهدة يغير الإجهاد المزمن الشكل التشريحي للدماغ على سبيل المثال: المراهقين الذين تعرضوا لإساءة لفظية عندما كانوا صغارًا أظهروا تشوهات واختلالات في المادة البيضاء (التي تبدو كأنها أسلاك تصل بأجزاء مختلفة من الدماغ مع بعضها البعض). يؤثر الإجهاد بشكلٍ بالغ على شكل الدماغ عندما يكون الطفل صغيرًا والعقل ما زال لينًا تمامًا في طور نموه. عمومًا في جميع الحالات تأثير الإجهاد على شكل الدماغ التشريحي واسع النطاق ولا يتماثل ما بين الأشخاص، هنالك خمسة مناطق بالتحديد في الدماغ يبدو أنها معرضة بشكل خاص لذلك التأثير، تلك المناطق من الدماغ التي تدعم الذاكرة العاملة والذاكرة طويلة المدى والمعالجة المكانية والتعرف على الأنماط. وتظهر هذه الإكتشافات أن التغيرات في الدماغ ترتبط بالإجهاد المزمن وهي مهمة لأنها تقترح آلية ممكنة والتي تكشف أن الإجهاد قد يؤدي إلى إختلافات في الإدراك، لكن يجب أن لا تفسر على أن الأطفال الذين عانوا من إجهادات مزمنة لديهم تشوه في الدماغ بالطبع بإمكانهم التعلم، لكن تلك الإكتشافات توضح لنا فكرة التحديات التي قد يواجهها هؤلاء الأطفال.

رابعًا: هناك دليل يثبت أن الإجهاد يؤثر مباشرة على القدرة الإدراكية للأطفال. تظهر العديد من البحوث والدراسات المخبرية من مركز الأبحاث أن الإجهاد قصير المدى يتدخل في تشكيل ذكريات جديدة، خاصة عندما يكون الإجهاد غير متعلقًا بأحداث يجب تذكرها وتحدث في أوقات مختلفة، على سبيل المثال: الطفل الذي يتعرض للتنمر في الباص أثناء ذهابه إلى المدرسة سيتذكر حادثة التنمر جيدًا، لكن كل حادثة ستحصل في المدرسة ستتداخل مع حادثة التنمر. كما سيحدث الشيء نفسه وعلى نحوٍ ملحوظ لو تعرض الطفل للتنمر أثناء عودته إلى البيت. يلحق الإجهاد الضرر للذكريات التي تشكلت في الساعات قبل وقوع الحادثة. هناك أيضًا دليلًا مباشرًا وهو نوع عوامل الإجهاد التي يتعرض لها الأطفال ذوي الحالة الاجتماعية الاقتصادية المنخفضة وتؤثر على إدراكهم، مثال: عند حدوث جريمة قتل قبل أقل من أسبوع من اختبار الطلاب فإنهم يحصلون على درجات متدنية بشكل واضح في القراءة وتقييم المفردات، وعلى المدى الطويل هنالك دليل يثبت أن المعاناة من الإجهاد المزمن بالنسبة للطفل ستقلل من قدرة ذاكرته العاملة في مرحلة البلوغ.

خامسًا: هناك أدلة على تأثير دفء الأهل في تخفيف الإجهاد. حتى عند مواجهة ضغوط الحياة، رعاية الوالدين تشعر الطفل بالأمان، لذا تكون العواقب السلبية للإجهاد المزمن أقل. كما تنص إحدى الدراسات على أن رعاية الأبوين في سن الرابعة متعلق بحجم الحصين (بنية ذاكرة ضرورية) في سن الرابعة عشر. وفي دراسة أخرى تقول أن الطفل المتبنى من سن الثالثة حتى سن الخامسة يُظهر الأنشطة اللانموذجية في منحنى الأدرينالين الوطائي النخامي  الكظري والذي يرمز له اختصارًا بـ(HPA) وهي مجموعة من التركيبات التي تستجيب للإجهاد. كما ترتبط تلك الأنشطة غير الطبيعية بأحداث سلبية في ماضي الطفل. لكن الطفل يستجيب جيدًا للتدخلات التي من المفترض أن يدركها البالغ بشكلٍ أفضل على أنها إشارات على وجود مشكلة لدى الطفل والاستجابة المُراعية. بعد تسعة شهور من التأهيل ينخفض الـ(HPA) لهؤلاء الأطفال.

 

من الصعب أن توازن ما بين معرفة التحديات التي يواجهها كل طفل وانخفاض توقعاتك

إذا لم يُخفَّف الإجهاد المزمن عن طريق العلاقات الداعمة سيؤثر ذلك سلبيًا على الأداء الإدراكي

ما هي نتائج البحث؟

ما هو نوع التدخل الذي قد يساعد الأطفال ذوي الحالة الاقتصادية والاجتماعية المنخفضة في تحقيق إمكانياتهم التعليمية؟ بعد قراءة التحليلات التي سبق مناقشتها في الأعلى في التأثير الواسع للحالة الاجتماعية الاقتصادية إلى نتيجة واحدة، وهي أن التنظيم الواسع المتساوي للخدمات الاجتماعية يستهدف المنزل والعائلة والحياة ككل. وقد تكون التدخلات المدرسية ضرورية منطقة (Harlem) للأطفال المشهورة و(Coalition) لمدارس المجتمع المعروفة منذ زمن طويل. في النهاية تبدو بعض المراكز مثل برنامج بيري للحضانة. لأنه يحرص على الجودة العالية للمدارس التمهيدية للأطفال الفقراء، وكذلك يقومون بزيارة المنازل أسبوعيًا ليشاركوا الوالدان ويدعمون أبنائهم ليوسعوا هذه المناهج وتصل للمنازل. لكن ما الذي يمكن أن يقوم به المعلم؟

يجب أن نبقي في عقولنا أن الأنماط التي نوقشت وتطرقنا إليها هنا هي عبارة عن أنماط فقط. هناك والدان من الحالة الاجتماعية الاقتصادية العالية قاسييَن ومتناقضيَن ويجهدون أبنائهم، وهناك والدان من الطبقة ذات الدخل المنخفض حساسين ومتوافقين ويحضرون أبنائهم جيّدًا.

من الواضح أن الإفتراضات عن الأطفال وعن حياتهم المنزلية بناءً على دخل آبائهم، ووضعهم الوظيفي ليس إلا صورةً نمطية. ومع ذلك ضع في ذهنك أن هذه الأنماط موجودة، مثال ذلك: على الأرجح طفل من عائلة فقيرة سيكون تحت تأثير الإجهاد المزمن أكثر من طفلٍ آخر من عائلة متوسطة. التوازن الصعب هو إدراك التحديات التي يواجهها كل طفل ولكن لا تستخدمها كأسباب لحصر التوقعات حول إنجاز الطفل أو سلوكه المناسب. يجب ألا تكون التوقعات العالية مصدر آخر للضغط يحققه التلاميذ عندما تأتي التوقعات العالية مع المستويات الدعم العالية. العديد من أطفال الحالة الاجتماعية الاقتصادية المتدنية لا يحصلون على التحدي المعرفي الذي يحتاجونه من منازلهم و أحيائهم ولا حتى يحصلون على الدعم الكافي.

وللتعويض يجب على المعلمين أن يقدموا ذلك الدعم الذي يحتاجه طلابهم في القاعة الدراسية والذي يفتقدونه في المنزل، ومعظم هذا أطلقنا عليه مسمى رأس المال البشري وهو المعرفة الأكاديمية والمهارات التي هي أساس ما يقوم به المعلمين. أيضًا من الأفضل التذكر أن بعض هذه المعرفة المهمة للنجاح على المدى الطويل ليست معرفة أكاديمية، بل معرفة كيف تتعامل مع أقرانك والبالغين وكيف تتعامل مع المؤسسات الكبيرة كالمدرسة أو دائرة حكومية وكيفية التعامل مع السلطات وكيف يجدول أحدهم وقته ويضع استراتيجيات لينظم مشاعره وما إلى ذلك. بعض هذه المعلومات درست ضمنيًا باستخدام الأمثلة، لكن معظمها درست على نحوٍ واضح.

وتركز البحوث على أهمية الهدوء في الفصل الدراسي وفي المدرسة، من الواضح أنه هدف يتشاركه المعلمين -لا أحد يريد قاعة دراسية مزعجة- لكن معرفة أن الطفل يسكن في حي ومنزل ربما يكونان مزدحمين ومليئين بالإزعاج والخطر، سيجعل بناء قاعة دراسية هادئة وممتعة أمرًا مهمًا جدًا. فالأطفال الذين يدرسون في فصول دراسية مليئة بالإزعاج تظهر عليهم مستويات عالية من هرمون الإجهاد. معرفة عواقب الإجهاد السلبية على الإدراك واحتمالية النواتج السلبية طويلة المدى على الدماغ تجعل المسألة طارئة أكثر.

المؤلف البحثي على التأثير الواقعي للحالة الاجتماعية الاقتصادية على عملية تعلم الأطفال ويسهل رؤية لماذا يشعر كل معلم أنه غير مستعد لمواجهة تلك التأثيرات. يجب على المعلمين ألا يواجهوا تأثير الفقر على تعلم الأطفال لوحدهم. ونأمل أن نتقدم في فهمنا لعواقب مشكلة الفقر على العقل والدماغ وتحفز صناع القرار لاتخاذ إجراء جاد لكن يجب على المعلمين ألا ييأسوا، كل الأطفال يستطيعون التعلم مهما كانت خلفياتهم ومهما كانت التحديات التي يواجهونها.

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *