ثورة الذكاء الصناعي: الطريق إلى الذكاء الخارق

ترجمة بتصرف لمقال: (The AI Revolution: The Road to Superintelligence. By Tim Urban)

تدقيق: أمجاد التويجري

مراجعة: محبرة

“نحن على وشك تحولٍ أشبه بأول بزوغٍ للحياة البشرية على كوكب الأرض” – فيرنور فينغ

كيف تصف شعورك وأنت تقف هنا؟

ما شعورك وأنت ترى أمامك منعطفًا حادًا جداً، لكن يجب أن نتذكر أن من يقف على خط الزمن لا يمكنه أن يرى ما يليه. لذا فالوقوف على خط الزمن يبدو فعلياً على النحو التالي:

وهنا يبدو الموقف واقعياً أكثر من السابق..

المستقبل البعيد – قريباً

تخيل أن تعود بنا آلة الزمن إلى عام 1750م، حيث تنقطع الكهرباء، والاتصالات الخارجية إلا من خلال الصراخ أو إطلاق المدفع في الهواء، والجري على القمح هو وسيلة التنقل الوحيدة. ماذا لو اصطحبنا شخصًا ممن عاصر تلك الحقبة الزمنية، وأحضرناه معنا إلى وقتنا الحالي، وتجولنا معه وشاهدنا ردة فعله نحو كل شيءٍ. من المستحيل بالنسبة لنا فهم ردة فعله تجاه الأشياء من حوله، كيفية إدراكه للأشياء التي يراها، مثل:(السيارات المضيئة التي تنطلق على الطرق السريعة، التحدث مع أشخاصٍ يعيشون في الجهة المقابلة من المحيط، مشاهدة بطولةٍ رياضيةٍ مباشرةً على الهواء أثناء انطلاقها في القارة الأخرى، الاستماع إلى العرض الموسيقي المقام قبل 50 عامًا، واللعب بمستطيلٍ ساحرٍ يمكن استخدامه لالتقاط صورٍ واقعيةٍ وتسجيل مقاطع فيديو حيه، وجود خرائط تحتوي على نقاطٍ زرقاء سحريةٍ تظهر أماكن تواجده، النظر إلى وجه شخصٍ ما وإمكانية التحدث معه مباشرةً وهو يعيش في الطرف الآخر من البلد، وعوالم سحريةٍ أخرى لا يمكن تصورها بالنسبة له). وهذا كله قبل أن يرى الشبكة العنكبوتية أو محطة الفضاء الدولية أو الأسلحة النووية.

وتجربةٌ كهذه لا يمكن اعتبارها أمرٌ مفاجئٌ أو صادمٌ أو مذهلٌ بالنسبة له فقط، بل أنه قد يموت من هول الصدمة. ومن المثير للدهشة أنه لو أراد صديقنا هذا – القادم من عام 1750م- أن يقوم بنفس التجربة ويشاهد ردة فعل شخصٍ ما كما حصل معه، وعاد بآلة الزمن إلى عام 1500م وأحضر منها أحدهم وأطلعه على كل شيءٍ موجودٍ في عام  1750م،  فإنه قد ينصدم ويذهل مما رآه إلا أنه لن يموت. فالفرق بين عام 1500م – 1750م شاسعٌ لكنه أقل بكثيرٍ من الفرق بين 1750م-2015م. فهو سيتعلم بعض الأشياء المثيرة عن الفضاء والفيزياء، كما أنه سينبهر كيف تحولت أوروبا إلى الإمبريالية الحديثة، كما أنه سينقح تصوره الخاطئ عن خريطة العالم …الخ. إلا أن هذا كله لن يقتله بالطبع.

ومن أجل أن يحقق صديقنا القادم من عام 1750م المتعة ذاتها التي حققناها عند رؤيته مندهشًا من عالمنا الحالي، فإنه يجب أن يذهب إلى أبعد من ذلك، ربما 12,000 عامٍ قبل الميلاد، أي قبل الثروة الزراعية وبداية ظهور المدن ومفهوم الحضارة. وأن يكون شخصٌ من العصر الحجري وكل ما يعمله هو جمع الصيد؛ حيث كان البشر أقرب إلى الفصائل الحيوانية ربما أقل أو أعلى قليلا، فعندما يرى هذه الامبراطوريات البشرية الضخمة في 1750م وأبراج الكنائس، والسفن التي تعبر المحيطات، والمعرفة البشرية المتراكمة، والاكتشافات الضخمة فإنه قد يموت. وإن أراد الشخص القادم من عام 12,000 قبل الميلاد أن يقوم بالشيء نفسه مع شخص آخر فإنه يجب عليه العودة 100,000 عامٍ قبل الميلاد حيث لم يسبق له أن رأى نارًا أو سمع لغةً منطوقةً.

ولكي ننقل شخصًا ما للمستقبل البعيد الذي قد يقتله من هول الصدمة، فإنه يجب التقدم بالزمن لمدةٍ كافيةٍ. فإن كانت المدة الزمنية استغرقت 100,000عامٍ في العصر الحجري، بينما استغرقت 12,000عامٍ في عصر الثورة الزراعية فقط. وقد حققت حقبة ما بعد الثورة الصناعية تقدمًا سريعًا لدرجة أن الشخص قد يموت من هول الصدمة عند التقدم به لعددٍ محدودٍ من العقود.

وهذا النمط الذي يشير إلى سرعة تطور وتقدم البشر مع مرور الزمن هو ما يطلق عليه العالم المستقبلي “ريموند كرزويل” قانون عوائد التسارع للتاريخ البشري. وهذا يحدث لأن المجتمعات الأكثر تطوراً يمكنها التقدم بوتيرةٍ أسرع من المجتمعات المتطورة لأنها أكثر منها تقدماً. فالبشرية في القرن التاسع عشر لديها معرفةٌ وتكنولوجيا أفضل من نظيرتها في القرن الخامس عشر. لدرجةٍ لا يمكننا معها الربط بين المجتمع في القرن الخامس عشر والمجتمع في القرن التاسع عشر.

وهذا ينطبق أيضاً على المقاييس الأصغر. فالفيلم “العودة للمستقبل” الذي ظهر عام 1985م

والذي تدور أحداثه في عام 1955م. في هذا الفيلم، ينبهر “مايكل فوكس” من أجهزة التلفزيون، وأسعار المشروبات الغازية، وعدم مبالاة الناس بالجيتار، واللهجات المتنوعة. نعم، لقد كان عالمٌ مختلفٌ بالنسبة له. لكن لو أنه تم صناعة هذا الفيلم في وقتنا الحالي وكانت أحداثه تجري في عام 1985م، فإنه سيكون أكثر إثارةً ومتعةً مع البون الشاسع بين الزمانين. فالشخصية تمثل الفترة الزمنية التي تخلو من الكمبيوترات الشخصية، والإنترنت، والهواتف المحمولة.

ويعود السبب في ذلك لما سبق الإشارة إليه وهو ” قانون عوائد التسارع “. فقد كان معدل التقدم بين عام 1985م و2015م أعلى من المعدل بين عامي 1955م و1985م نظراً لأنه أكثر تقدماً في الآونة الأخيرة. فقد حدث تغير كبير في غضون الـثلاثين سنةً الأخيرة مقارنة بالثلاثين سنةً السابقة. لذا فالتقدم يزداد يومًا تلو الآخر وبوتيرةٍ أسرع عما سبق. وهذا يشير إلى عدة نقاطٍ حادةٍ تتعلق بمستقبلنا، أليس كذلك؟

يقترح “كازويل” أن التقدم في القرن العشرين كله سيتحقق في غضون 20 سنةٍ فقط، إذا تم احتسابه وفقاً لمعدل التقدم في العام 2000م. بمعنى آخر فإن معدل التقدم في عام 2000م أسرع بخمس مراتٍ من معدل التقدم في القرن الماضي. كما أنه يرى بأن تقدمًا آخر سيتحقق بين العام 2000م و2014م وتقدمًا آخر أيضًا في عام 2021م أي خلال سبع سنواتٍ فقط. وخلال عقودٍ قصيرةٍ سيتضاعف معدل التقدم عدة مراتٍ في السنة الواحدة حتى يصل إلى أقل من شهر. ويمكن تلخيص السبب في هذا إلى قانون عوائد التسارع، ويعتقد “كازويل” أن القرن الواحد والعشرين سيحقق تقدم يفوق 1000 مرةً التقدم في القرن العشرين.

وإذا كان “كازويل” وأتباعه على صواب، فإننا ربما ننصدم مما سيجري خلال العام 2030م كما حدث لصديقنا القادم من عام 1750م، سيكون عالمًا مختلفًا تمامًا عما نراه اليوم وبالكاد يمكننا إدراك ملامحه.

وهذا ليس مشهدٌ من فيلمٍ لخيالٍ علميٍ. بل هو ما أثبته عددٌ من العلماء النابغين بالنظر لما جرى في العصور السابقة. بل هذا ما يجب علينا منطقياً أن نتوقعه.

وتدور الكثير من الشكوك حول هذه المعلومات وكثيراً ما تقابل بالسخرية ولا يتم أخذها على محمل الجد، ويمكن تحديد ثلاثة عوامل للشكوك حول التوقعات الغير مألوفة للمستقبل:

1. عندما يتعلق الأمر بالتاريخ فإننا نفكر بخطٍ مستقيمٍ: فعندما نتصور المستقبل خلال 30 سنةٍ القادمة، فإننا ننظر للتقدم الذي حققناه في الثلاثين سنةً الماضية كمؤشرٍ لما سيكون عليه مستقبلنا. وعندما نفكر فيما سيكون عليه التقدم في القرن الواحد والعشرين فإننا ننظر للتقدم في القرن الماضي ونضيف عليه 100 سنةٍ فقط. وهذا نفس الخطأ الذي وقع به صديقنا القادم من 1750م عندما أحضر شخصًا من العام 1500م وتوقع أنه سينصدم من هول المفاجأة مما سيرى كما كان الحال بالنسبة له. ويبدو أنه أمرٌ بديهيٌ بالنسبة لنا أن نفكر بشكلٍ خطيٍ، في حين يجب أن يكون تفكيرنا تنبؤي. فمن لديه ذكاءٌ وبديهةٌ فإنه سيتوقع التقدم الذي سيحدث خلال 30 سنةٍ القادمة من خلال قياس نسبة تسارع التقدم الحالية وليس من خلال النظر ل 30 سنةٍ الماضية كما حصل مع الأغلبية. لذا فإننا كي نتوقع المستقبل بشكلٍ صحيحٍ فإنه يجب علينا توقع الأشياء وفقاً لمعدل سرعة تقدمنا حالياً.

2. المسار التاريخي القصير يروي قصصًا محرفةً: أولاً، فكما أن المنحنى شديد الوعورة يبدو بشكلٍ خطيٍّ عندما ننظر إلى جزءٍ صغيرٍ جدًا منه، كذلك الأمر إذا اقتربنا بالعدسة لرؤية قطعةٍ صغيرةٍ من دائرةٍ ضخمةٍ، فإنها ستبدو كخطٍ مستقيمٍ. ثانياً، أن النمو الأُسّيّ ليس سلس ومنتظم دائماً. ويشرح “كازويل” ذلك بقوله أن النمو يحدث بشكل منحني بصورة حرف (S ).

ويظهر هذا الانحناء بسبب تذبذب النمو عندما يكتسح العالم طرازٌ ونموذجٌ جديد. ويأخذ المنحنى ثلاث مراحل:

  • النمو البطيء (المرحلة الأولية للنمو الأُسّيّ).
  • النمو السريع (المرحلة الثانوية الانفجار للنمو الأُسّيّ).
  • مرحلة التساوي عند اكتمال جاهزية النموذج المحدد.

فعند النظر إلى التاريخ على المدى القصير فحسب، فإن الجزء المستهدف من المنحنى يحجب رؤيتنا عن إدراك مدى سرعة نمو الأشياء ككل.  إن الفترة الزمنية بين 1995م و2007م شهدت أضخم انفجارٍ للإنترنت، وظهور “مايكروسوفت”، و”جوجل”، و”فيسبوك” في الوعي الجماهيري. ميلاد الشبكات الاجتماعية وظهور الهواتف النقالة. ومن ثم ظهرت الهواتف الذكية وهذه كانت المرحلة الثانية وهي انفجار النمو في المنحنى ” S “. إلا أن الفترة ما بين عامي 2008م و2015م كانت أقل حدةً من الفترة السابقة على الأقل فيما يتصل بالثورة التكنولوجية. وإن رأى أحدهم بأنه يجب فحص السنوات الماضية من أجل قياس معدل التقدم الحالي، فهو على الأرجح يفتقد إلى لرؤية المتكاملة للصورة. وفي الحقيقة فإن مرحلة نموٍ ضخمةٍ على وشك الانفجار في الوقت الحالي.

3. أن تجاربنا كأشخاصٍ بالغين تجعلنا أكثر عنادًا تجاه المستقبل: يبني أغلب الأشخاص أفكارهم نحو العالم وفقاً لتجاربهم وخبراتهم الشخصية، وهذه الخبرة ترسخ في أذهاننا سرعة نمو الماضي القريب “أي كما كانت عليه سابقاً”. كما أننا محدودين بخيالنا الذي يستعين بخبراتنا السابقة للتنبؤ بالمستقبل، إلا أن معرفتنا لا تمدنا غالباً بأدواتٍ دقيقةٍ للتفكير بالمستقبل. لذا فإننا حين نسمع توقعًا للمستقبل يتعارض مع مفهومٍ لدينا يستند على خبرةٍ سابقةٍ “لكيفية عمل الاشياء”، فسرعان ما يتبادر لأذهاننا بأنه ساذج.  فعلى سبيل المثال لو أخبرتك بأنك ستعيش 150 أو 200 سنةٍ أو ربما لن تموت أبداً! فإنك ستقول “هذا غباء، فإن كان هناك شيء تعلمته من الماضي فهو أن الجميع سيموت” وفعلاً لم يعش أي شخصٍ من الماضي للأبد، إلا أنه لم تطر أي طيارةٍ في الماضي أيضًا!

لذا فحين يتبادر إلى ذهنك وأنت تقرأ هذا المقال أن (لا) صائبةٌ، فهي بالفعل خاطئة. والحقيقة أننا إذا كنا فعلاً منطقيين ونتوقع استمرار النمط التاريخي، فيجب علينا أن ننهيَ ذلك بسرعةٍ عاليةٍ في العقود القادمة وأسرع حتى مما يخطر على بالنا. كما أن المنطق يشير إلى أن معظم الكائنات الحية على الأرض تستمر بالنمو وبمعدلٍ سريع، حتى تصل إلى قفزةٍ ضخمةٍ تتغير بها حياتها. ولو قضيت بعضًا من الوقت للاطلاع على ما توصل إليه العلم في مجال التكنولوجيا لرأيت عدة مؤشراتٍ تدل على أن حياتنا لن تصمد أمام القفزة القادمة.

الطريق إلى الذكاء الخارق superintelligence (AI)؟

ما هو الذكاء الاصطناعي AI؟

إن كنت مثلي فلا بد بأنك تعتقد أن الذكاء الاصطناعي مصطلحٌ للخيال العلمي السخيف، إلا أنه مؤخرًا قام عددٌ من الأشخاص المهمين بترديد هذا المصطلح وبكثرة، في حين أنك قد تكون لم تدرك معناه الفعلي بعد.

وتجدر الإشارة إلى أن هناك ثلاثة أسبابٍ رئيسيةٍ ساهمت في التباس فهمنا لمصطلح الذكاء الاصطناعي:

1. ربطنا بين الذكاء الاصطناعي والأفلام:

(حرب النجوم Star Wars، المبيد Terminator 2001، ملحمة الفضاء Space Odyssey، آل جتسونز The Jetsons) جميعها أفلامٌ خياليةٌ وشخصياتها آلية. مما يوحي للجمهور أن الذكاء الاصطناعي ضربٌ من الخيال.

2. أن الذكاء الاصطناعي ميدانٌ واسعٌ جدًا:

بدءًا من الآلة الحاسبة في الهواتف المحمولة مروراً بالسيارات ذاتية القيادة إلى مفاجآتٍ مستقبليةٍ قد تغير العالم بشكلٍ مذهلٍ. فالذكاء الاصطناعي يشمل كل هذه الأشياء المربكة.

3. أننا نستخدم الذكاء الاصطناعي في كل الأوقات في حياتنا اليومية ودون وعيٍ منا في الغالب:

شكى “جون مكارثي” وهو أول من أطلق مصطلح الذكاء الاصطناعي عام 1956م بأنه: “يجب ألا يسمى الذكاء الاصطناعي بهذا الاسم عندما نتمكن من إيجاده”. وبسبب هذه الظاهرة فإن الذكاء الاصطناعي يبدو وكأنه خرافةٌ ونبوءة مستقبليةٌ أكثر من كونها واقعًا معاصرًا. وفي الوقت ذاته، كما أن هذا المسمى يوحي للسامع إلى أنه مفهومٌ مباغتٌ قادمٌ من الزمن الماضي ولا يمكن إثباته. كما يشير “راي كازويل” إلى أنه سمع الكثير من الناس يقولون إن الذكاء الاصطناعي سيذبل كما حدث سابقًا مع قنبلة انهيار الإنترنت والمعروفة بـ (dot-com bubble) في مطلع الألفية السابقة”.

وعليه فإننا سنوضح بعض النقاط الهامة. أولاً، توقف عن التفكير في الروبوت. فالروبوت مجرد وعاءٍ للذكاء الاصطناعي يحاكي أحيانًا السلوك البشري وأحيانًا لا يحاكيه، لكن الذكاء الاصطناعي هو الكمبيوتر الذي بداخل الروبوت. فهو بمثابة العقل، والروبوت هو الجسد فحسب؛ إن أمكن اعتباره “جسدًا”. وعلى سبيل المثال، فإن البرمجيات والبيانات المكونة لـ “سيري” (siri) هي الذكاء الاصطناعي، ويجسده صوت المرأة الذي نسمعه، دون وجود أي روبوتٍ على الإطلاق.

وعلى الأرجح أنك سمعت بمصطلح “التفرد” أو “التفرد التكنولوجي”. وعادةً يستخدم هذا المصطلح في الرياضيات لمحاكاة مواقفٍ لا تنطبق عليها القواعد العامة. كما أنه يستخدم في الفيزياء لوصف ظواهرٍ مثل الثقب الأسود المتناهي الصِغَر، أو مرحلة الاصطدام التي تسبق الانفجار الكبير. والمواقف التي لا تنطبق عليها القواعد العامة، كتب “فيرنرن فينقر” 199 مقالًا مشهورًا طبق فيها المصطلح في مواقف مستقبليةٍ. حين يتفوق ذكاء التكنولوجيا على ذكائنا، تلك اللحظة التي ستتغير فيها الحياة التي نعرفها للأبد، ولن يعود بإمكاننا تطبيق نفس القواعد السابقة التي اعتدنا عليها. وأربك “راي كازويل” هذا المفهوم حين عرّف التفرد بأنه الزمن الذي يصل معه “قانون عوائد التسارع” إلى قمة السرعة وبالتالي ينقلنا للعيش في عالمٍ مختلفٍ تمامًا، إلا أن هناك العديد من العلماء الذين توقفوا عن استخدام هذا المصطلح، لذا سنتوقف عن الحديث عنه هنا.

وبالرغم من اتساع نطاق الذكاء الاصطناعي وتنوعه، إلا أنه يمكن تصنيفه إلى فئاتٍ رئيسيةٍ بناءً على معايير الذكاء الاصطناعي، وهي تنقسم إلى ثلاثة معايير، كما يلي:

1. المعيار الأول: الذكاء الاصطناعي المحدود Artificial Narrow Intelligence (ANI):

ويشار إليه في بعض الأحيان بالضئيل (Weak AI) وهو الذكاء المتعلق بمجالٍ واحدٍ فقط. وقد وُجِد ذكاءٌ فاز في بطولة الشطرنج العالمية للشطرنج، إلا أن هذا كل ما يمكنه أداؤه فقط. فلو جربنا أن نسأله كيف يمكننا تخزين البيانات في القرص الصلب فإن جوابه سيكون صمتٌ مطبق.

2. المعيار الثاني: الذكاء الاصطناعي العام Artificial General Intelligence (AGI):

ويشار إليه في بعض الأحيان بالقوي (Strong AI)، أو الذكاء الاصطناعي المكافئ للذكاء البشري. وهو يشير إلى الكمبيوترات المساوية للذكاء البشري عبر الحدود. وهي الأجهزة التي تستطيع القيام بكافة المهام التي يؤديها العقل البشري. وبطبيعة الحال فإن هذا النوع من الذكاء أصعب في التصنيع من الذكاء السابق، ولايزال العمل قائمٌ في هذا الميدان. وتصفه البروفسور “ليندا قوتفردسون” بأنه: “القدرة العقلية العامة والتي تتضمن القدرة على التبرير، والتخطيط، وحل المشكلات، والتفكير المجرد، فهم الأفكار المعقدة، والتعلم السريع، والتعلم بالخبرة”. ويفترض أن يتمكن الذكاء الاصطناعي العام من أداء كل تلك المهام بتلقائيةٍ كما هو الحال في العقل البشري.

3. المعيار الثالث: الذكاء الاصطناعي الخارق Artificial Super intelligence (ASI):

ويُعرف العالم القائد لأبحاث الذكاء الاصطناعي والبروفسور في جامعة أكسفورد “نيك بستورم” (Nick Bostrom) الذكاء الخارق بأنه: ” قدرةٌ تفوق أداء أفضل العقول البشرية في كافة المجالات وتشمل الإبداع العلمي، الحكمة العامة، والمهارات الاجتماعية”. وتمتد مجالات الذكاء الخارق من الكمبيوترات الأذكى من العقل البشري بقليلٍ إلى الكمبيوترات التي تفوق أفضل العقول البشرية بترليونات المرات عبر الحدود. وهذا النوع من الذكاء هو أكثر أنواع الذكاء إثارةً فهو بالفعل سارقٌ للألباب، وهو سبب تكرار استخدمنا لكلمتي “انقراض” و “خلود” في هذا المقال.

وفي الوقت الحالي فإن البشر تمكن من تطويع الذكاء الأول في عددٍ من المجالات والأماكن. وثورة الذكاء الاصطناعي تعد طريقًا يبدأ بالذكاء المحدود مرورًا بالذكاء العام إلى أن يصل إلى الذكاء الخارق والذي قد نتمكن من إيجاده أو لا. إلا أنه سيغير العالم تماماً. ودعنا نأخذ نظرةً عن تصور العلماء لهذا الطريق وإمكانية إيجاده قريباً.

أين نحن في الوقت الحالي؟ – عالمٌ قائمٌ على الذكاء الاصطناعي المحدود

يستخدم الذكاء الاصطناعي المحدود في الأجهزة الذكية التي تكافئ الذكاء البشري أو تتفوق عليه في أداء مهامٍ محددةٍ. على سبيل المثال:

  • تزخر السيارات بأنظمة الذكاء الاصطناعي المحدود، بدءًا من الكمبيوتر الذي يعرف متى يضغط “الفرامل” لإيقاف السيارة إلى الكمبيوتر الذي يقيس حاجة السيارة للوقود. كما أن سيارة “جوجل” ذاتية القيادة – والتي يتم اختبارها الآن – تعمل بواسطة نظامٍ من الروبوتات ذات الذكاء الاصطناعي المحدود والتي تمكنه من إدراك العالم من حوله والتفاعل معه.
  • يعد هاتفك النقال مصنعٌ صغيرٌ للذكاء الاصطناعي المحدود. فعندما تقوم بتحديد موقعٍ ما باستخدام تطبيق الخرائط، والكشف عن حالة الجو غدًا، والتحدث إلى “سيري”، وغيرها من الأنشطة اليومية فأنت في الواقع تستخدم الذكاء الاصطناعي المحدود.
  • مرشح الرسائل الدعائية في بريدك الالكتروني أحد الأنماط التقليدية للذكاء الاصطناعي المحدود، والذي يعمل في البدء مدعومٌ بذكاءٍ يمكّنه من الكشف عن الرسائل الدعائية وغير الدعائية، ويتحسن أداؤه بمرور الوقت بتعلم تفضيلات المستخدم للبريد، ويطبقها بشكل ملائم. كما ينطبق هذا الأمر أيضًا على ميزان درجة الحرارة الخليوي والذي يقوم بالتعرف على جدولك اليومي والتجاوب معه وفقًا له، من خلال ضبط درجة حرارة المنزل قبل وصولك وإغلاق مصادر الطاقة حين مغادرتك.
  • عندما نبحث عن منتج ما في موقع “أمازون”، وتظهر هذه المنتجات بمسمى “موصى به لك.. ” في مواقع أخرى! وطلب “فيسبوك” إضافة أصدقاء مقترحين، وكل هذا وغيره يعتبر شبكةً من الذكاء الاصطناعي المحدود التي تتبادل معلوماتٍ عنك وعن اهتماماتك بهدف تحديد ما يعرض أمامك عند زيارتك للموقع. وكذلك الحال في موقع أمازون حينما نرى عبارات مثل “الناس الذين اشتروا هذا المنتج اختاروا هذه أيضًا “، فهو يعد نظام من الذكاء الاصطناعي المحدود الذي يجمع معلوماتٍ عن سلوكيات ملايين المستهلكين بهدف توظيفها بذكاءٍ لتسويق منتجاته من خلال جذبك لشراء منتجات أكثر.
  • يعد مترجم “جوجل” مثالٌ رائعٌ على الذكاء الاصطناعي المحدود لأداء مهامٍ معينةٍ، وكذلك الترجمة الصوتية، وهناك عددٌ متنوعٌ من التطبيقات التي استثمرت في هذين النوعين من الذكاء الاصطناعي المحدود.
  • وأثناء هبوط طائرتك، يتم تحديد البوابة التي ستذهب لها الطائرة دون تدخلٍ بشري، وكذلك سعر التذكرة التي ستشتريها!
  • أفضل مدققٍ، ولاعب شطرنجٍ، وطاولة نردٍ، وسكرابل وعطيل، هو الذكاء الاصطناعي المحدود.
  • محرك البحث “جوجل” أحد أضخم عقول الذكاء الاصطناعي المحدود والذي يستخدم طرقًا متطورةً ومعقدةً لتصنيف الصفحات وفقًا لاحتياجات المستخدم. وينطبق الأمر أيضًا على “فيسبوك”.
  • كما أن هناك أنظمةٌ معقدةٌ جداً تستخدم في مجال التسليح والتصنيع والاستثمار، ومساعدة الخبراء (مثل: أنظمة تشخيص المرضى، والدعم الفني في شركات IBM).

إن أنظمة الذكاء الاصطناعي المحدود الحالية غير مخيفةٍ إلى حدٍ ما. وفي أسوأ الأحوال يمكن أن يتسبب الخلل في برمجة النظام في حدوث كارثةٍ معزولةٍ؛ كالأضرار التي لحقت محطة توليد الطاقة النووية عند انفجار شبكة توليد الكهرباء؛ أو إحداث كارثة في السوق المالية (مثل كارثة “تحطم الفلاش”Flash Crash التي وقعت عام 2010م بسبب حدوث خللٍ في نظام الذكاء الاصطناعي المحدود مما أدى إلى هبوط القيمة السوقية للأسهم الأمريكية لفترةٍ وجيزةٍ فقط، إلا أن خسائرها قد فاقت ترليون دولار، لكن – ولحسن الحظ – قد تم استرداد جزءًا منها بعد إصلاح الخطأ).

وبالرغم من أن أنظمة الذكاء الاصطناعي المحدود الحالية لا تمثل تهديدًا للوجود. إلا أنه يجب أن ننظر إلى هذا النظام الضخم والمعقد كنذيرٍ للطوفان الذي سيجتاح العالم. فكل اختراعٍ حديثٍ لنظام الذكاء الاصطناعي المحدود هو بمثابة لبنةٌ في طريق الوصول الى الذكاء الاصطناعي العام، وبالتالي الذكاء الاصطناعي الخارق. أو كما يرى “هارون ساينز”: “بأن أنظمة الذكاء الاصطناعي المحدود تشبه الأحماض الأمينية الأولية في طين الأرض، لم تكن سوى أشياء جامدة، وفي يومٍ ما بزغت بشكلٍ غير متوقعٍ”.

الطريق من الذكاء الاصطناعي المحدود إلى الذكاء الاصطناعي العام والخارق:

لا شيء يشعرنا بالتقدير نحو ذكائنا البشري مثل معرفتنا بأن محاولة إيجاد كمبيوترٍ يكافئ ذكاءنا يعد تحديًا بشكلٍ لا يصدق. إن بناء ناطحات السحاب، ووصول البشر إلى الفضاء، واكتشاف كافة التفاصيل المتعلقة بالانفجار الكوني العظيم أسهل بكثيرٍ بالنسبة لنا من فهم أدمغتنا وكيفية إيجاد شيءٍ مكافئٍ لها. فالأدمغة البشرية تعد أكثر الأشياء تعقيدًا في الكون في الوقت الحالي.

ومن المثير للاهتمام أن الأجزاء الصعبة في محاولة بناء الذكاء الاصطناعي (جهاز كمبيوترٍ ذكيٍ مثل البشر بشكلٍ عامٍ، وليس فقط في تخصصٍ واحدٍ محدودٍ) وهذا ليس بالأمر البديهي كما يظن البعض. فبناء جهاز كمبيوترٍ قادرٌ على إيجاد حاصل ضرب عددين كلاهما مكوّنٌ من عشرة أرقامٍ في جزءٍ من الثانية يعتبر أمرًا في غاية السهولة، بينما بناء جهاز حاسب آلي، يمكنه النظر إلى الكلب وتحديد هل ما يرى هو كلبٌ أو قطٌ؟ يعد أمرًا في غاية الصعوبة، وإيجاد من يستطيع التغلب على أي إنسان في الشطرنج؟ تم، كما أن “جوجل” تنفق حاليًا مليارات الدولارات من أجل بناء جهاز كمبيوترٍ يمكنه قراءة مقطعٍ من كتاب صور لعمر ست سنوات مع القدرة على فهم معاني الكلمات ودلالتها وليس مجرد التعرف عليها فحسب، فما يبدو لنا صعبًا مثل حساب التفاضل والتكامل، واستراتيجية السوق المالية، وترجمة اللغة، تعد مهامًا سهلةً للكمبيوتر، في حين أن الأشياء السهلة مثل الرؤية والحركة والإدراك تعد صعبةً إلى حد الجنون. أو كما يقول عالم الكمبيوتر “دونالد نوث”: “أن الذكاء الاصطناعي نجح في الوقت الحالي بأداء كل ما يتطلب ” التفكير” وعلى الوجه الأكمل، ولكنه فشل في أداء المهام التي يقوم بها البشر والحيوانات تلقائيًا وبدون تفكير”.

فقد يتبادر إلى ذهنك أن تلك الأشياء تبدو سهلةً، بينما هي في الواقع معقدةٌ بشكلٍ لا يصدق، وهي تبدو سهلةً فقط لأن تلك المهارات قد تحسنت لدينا بمرور مئات الملايين من السنوات منذ نشأة البشر على الأرض. فعندما تصل يدك إلى شيء ما، فإن العضلات والأوتار وعظام الكتف، والكوع، والمعصم تقوم بسلسلةٍ طويلةٍ من العمليات الفيزيائية والمرتبطة بوظائف العين، لتتمكن من تحريك يدك بشكلٍ مستقيمٍ ثلاثي الأبعاد. لذا فإنها قد تبدو لك سهلةً نظرًا لأن دماغك مبرمجٌ بشكلٍ كاملٍ للقيام بذلك. ونفس الفكرة تفسر لماذا لا تعتبر البرامج الخبيثة (malware) رديئةً عندما تعجز عن الكشف على “اختبار الكلمات المائلة” عند التسجيل في حسابٍ جديدٍ على الموقع، وذلك لأن عقلك يمكنه القيام بهذه المهمة لكونه رائعًا بشكلٍ مذهل!

من ناحيةٍ أخرى، فإن ضرب أعدادٍ كبيرةٍ أو لعب الشطرنج تعد أنشطةً جديدةً للبشر، ولم يكن لدينا أي وقتٍ لتطوير كفاءتنا بها، لذا فإن جهاز الكمبيوتر لا يحتاج إلى بذل جهدٍ كبيرٍ للتغلب علينا. دعنا نفكر في الأمر قليلاً، هل بناء برنامجًا يمكنه ضرب أعدادٍ كبيرةٍ أسهل؟ أم بناء برنامجٍ يمكنه إدراك حرف “B” بشكلٍ جيدٍ وكافٍ، بحيث يستطيع التعرف عليه فوراً عندما يظهر في آلاف الخطوط التي لا يمكن حتى إحصاءها أو التنبؤ بها؟

مثالٌ آخر ممتع – عندما تنظر للصورة التالية فيمكنك والكمبيوتر – على حد سواء – معرفة أنه مستطيلٌ مظللٌ بشكلٍ متناوبٍ بلونين مختلفين:

النتيجة متعادلةٌ إلى الآن، لكن ماذا لو أزلنا اللون الأسود وكشفنا عن الصورة الكاملة:

هنا يتضح أنه ليس لديك أي مشكلةٍ في إعطاء وصفٍ كاملٍ للأسطوانات المختلفة والمبهمة والشفافة، والشرائح، والزوايا ثلاثية الأبعاد، بينما سيفشل الكمبيوتر بذلك. وستصف ما تراه – بأنه مجموعةٌ متنوعةٌ من الأشكال ثنائية الأبعاد في عدة ظلالٍ مختلفة، كما هو في الواقع. حيث يقوم دماغك بأطنانٍ من العمليات الخارقة لتفسير العمق الضمني، والظل المختلط، وإضاءة المساحة التي تحاول الصورة تصويرها. وبالنظر إلى الصورة أدناه، يرى الكمبيوتر شكلًا ثنائي الأبعاد أبيض وأسود ورمادي، في حين أنك تستطيع أن تتعرف على ماهية الشكل وبسهولة، فهو صورة لحجرٍ أسودٍ ثلاثي الأبعاد:

تصوير: ماثيو لويد
تصوير: ماثيو لويد

وكل ما ذكرناه سابقاً يتصل بالمعلومات المخزنة ومعالجتها فقط. ولكي يكون الحاسوب ذكيًا بمستوى البشر، يجب أن يفهم الفرق بين تعبيرات الوجه المتقاربة، كالتمييز بين السرور، والارتياح، الموافقة، والرضا، والسعادة، ولماذا كان فيلم “القلب الشجاع Braveheart ” رائعًا ولكن “ذا باتريوت The patriot ” سيئاً!

يا له من أمرٍ شاقٍ!

كيف نصل إلى هناك؟

أول مفتاحٍ لإيجاد الذكاء الاصطناعي العام: زيادة قوة الكمبيوتر

من أهم الأشياء التي نحتاجها لإيجاد الذكاء الاصطناعي العام هو زيادة القوة الممكنة لأجهزة الكمبيوتر. فنحن نحتاج إلى أن نعادل قوة الكمبيوتر بالدماغ البشري، لكي نصل بمستوى نظام الذكاء الاصطناعي العام إلى الذكاء البشري.

وعادةً ما نعبر عن هذه القوة من خلال حساب إجمالي ما يستطيع الدماغ معالجته خلال الثانية الواحدة (CPS)، ويمكننا الوصول لهذا العدد من خلال حساب الحد الأقصى لكل بنيةٍ في الدماغ خلال ثانيةٍ واحدةٍ، ومن ثم استخراج المجموع.

ويرى “كورزويل” أنه يمكن اختصار ذلك من خلال قيام شخصٍ محترفٍ بحساب مقدار البنية الواحدة للدماغ خلال الثانية الواحدة (CPS) ومن ثم مقارنة وزن البنية بالدماغ ككل، ويمكن مضاعفة العدد نسبيًا للحصول على التقدير الكلي للمجموع. وبالرغم من أن النتيجة قد لا تكون دقيقةً جدًا، إلا أنه قام باستخدام هذه الطريقة عدة مراتٍ، وقد تمكن من حساب تقديراتٍ محترفةٍ في مناطق مختلفةٍ، وكان يصل في الغالب إلى نفس النتيجة ما بين  1016 إلى 10 كوادريليون في الثانية الواحدة .

وتجدر الإشارة إلى أن كمبيوتر( Tianhe-2) في الصين قد أحرز هذا المعدل بالفعل، فهو يعد أسرع كمبيوترٍ في العالم، وقد سجل 34 كوادريليون في الثانية الواحدة. إلا أنه غير جيدٍ، نظراً لكونه يتطلب مساحةً كبيرةً تزيد عن 720 متر مربع، ويستهلك 24 ميغاواط من الطاقة (بينما يحتاج الدماغ لـ 20 واط فقط)، وقد بلغت تكلفة بنائه 390 مليون دولار. كما أنه لا يلائم عددًا واسعًا من الاستخدامات، من بينها الاستخدام التجاري أو الصناعي حتى الآن.

كما يقترح “كورزويل” أن نحكم على مستوى جهاز الكمبيوتر من خلال معرفة إجمالي الحسابات لكل ثانية (CPS) والتي يمكنك شراؤها بألف دولار. وعندما يصل هذا العدد إلى المستوى البشري 10 كوادريليون (CPS)، فهذا يعني أن الذكاء الاصطناعي العام يمكن أن يصبح جزءًا حقيقيًا من الحياة.

ويعد قانون “مور” (Moore’s Law) قاعدةً موثوقةً تاريخيًا وهو أن الحد الأقصى للقوة الحاسوبية في العالم تتضاعف تقريبًا كل عامين، وهذا يعني تقدم أجهزة الكمبيوتر، مثل التقدم البشري العام من خلال التاريخ، فهو ينمو بشكلٍ كبير. وبالنظر إلى كيفية ارتباط ذلك بمقاييس “كورزويل” / 1000 دولار، فإننا حاليا في حدود 10 تريليون (CPS)/ 1000 دولار، على المسار الصحيح وكما كان متوقع، ويتضح ذلك من خلال الرسم البياني التالي:

ومن خلال الرسم البياني يتبين أن جهاز الحاسب الآلي ذو الألف دولار في العالم قد تفوق حاليًا على دماغ الفأر وهو على بعد ألفٍ من المستوى البشري. ولا يبدو بعيدًا علينا أن نتذكر أننا كنا على بُعدٍ من تريليون من المستوى البشري في عام 1985م، ومليار في عام 1995ن، ومليون في عام 2005م. ونسير في الألف في عام 2015م، وهذا يضع الكمبيوتر على مقربةٍ فعليةٍ لمنافسة قوة الدماغ البشري وبأسعارٍ معقولةٍ بحلول عام 2025م.

وفيما يتصل بالأجهزة، والطاقة الخام اللازمة للذكاء الاصطناعي العام فقد أصبحت متاحةً حاليًا من الناحية الفنية في الصين، سوف تكون جاهزةً للأجهزة على نطاقٍ أوسعٍ خلال 10 سنواتٍ. إلا أن قوة الكمبيوتر الخام وحدها لا تجعله ذكي بشكل عام – والسؤال التالي هو:

كيف لكل تلك القوة أن تصل إلى مستوى الذكاء البشري؟

المفتاح الثاني لإيجاد الذكاء البشري العام: أن تكون ذكية

وهذه هي المعضلة حقًا! فلا أحد يعرف كيف يمكن أن نجعل أجهزة الكمبيوتر ذكيةً فعلًا، ولا زلنا نناقش كيف يمكننا جعل الكمبيوترات بمستوى ذكاء البشر، ولديها القدرة على التعرف على الكلب، وحرف B”” المكتوب بطريقة غريبة، والفيلم الرديء. إلا أن هناك عددٌ من الاستراتيجيات بعيدة المدى، والتي ستعمل واحدةٌ منهم في مرحلةٍ ما. وفيما يلي سنستعرض أكثر ثلاث استراتيجياتٍ شيوعًا:

1) استنساخ الدماغ:

وهذا يشبه كما لو أن هناك علماء يكافحون لمحاكاة طفلٍ ذكيٍ يجلس بجوارهم في الصف الدراسي، ومتفوقٌ بجدارةٍ في أداء الاختبارات، بالرغم من أنهم يدرسون بشكلٍ متواصلٍ وبجهدٍ ومشقةٍ إلا أنهم لا يستطيعون مجاراة ذلك الطفل، وفي النهاية يقولون “تبًا، … سنقوم فقط بنسخ إجابات هذا الطفل”. لذا فمن المنطقي- أن نحتار في محاولة بناء جهاز كمبيوترٍ فائقٍ ومعقدٍ، وأن يكون النموذج المثالي في رأس كل فردٍ منا.

ويبذل علماء العلوم جهدًا كبيرًا لمعرفة البرمجة العكسية للدماغ وكيفية تطويرها بشكلٍ مذهلٍ وتشير التقديرات المتفائلة إلى أنه يمكننا القيام بذلك بحلول عام 2030م. وبمجرد أن يتم ذلك، فسوف نعرف كل أسرار عمل الدماغ بقوةٍ وفعاليةٍ، ويمكننا كذلك أن نستلهم منه ونحاكي إبداعه. ومن الأمثلة على هندسة الكمبيوتر التي تحاكي الدماغ ما يسمى بـ ” الشبكة العصبية الاصطناعية”. وهي تبدأ بشبكة من الترانزستور “الخلايا العصبية”، متصلةٌ ببعضها البعض مع المدخلات والمخرجات، وتخلو تمامًا من أي معارف كدماغ الرضيع. وتحدث عملية “التعلم” خلال محاولة القيام بأداء مهمةٍ، على سبيل المثال “تعلم الكتابة اليدوية”. وفي البداية، تنطلق ذبذباتٌ عصبيةٌ تتبعها تخميناتٌ لفك رمز كل حرفٍ بشكلٍ عشوائيٍ تمامًا. وعندما يُقال بأن الإجابة صحيحة، يطلق الجهاز العصبي روابط لتعزيز مسارات الإجابة الصحيحة؛ والعكس صحيح عندما يُقال أن الإجابة خاطئة، فإن روابط تلك المسارات تضعف. وبمرور الوقت وبعد تزويد الدماغ بكمٍ كبيرٍ من التغذية الراجعة، تتشكل شبكةٌ ذاتيةٌ من المسارات العصبية الذكية، وهذه بدورها تمكن الجهاز من أداء المهام بكفاءةٍ. وهذا ينطبق أيضًا على كيفية تعلُّم الدماغ ولكن بطريقةٍ أكثر تعقيدًا. ومن خلال البحوث المتواصلة في هذا المجال، تم اكتشاف طرقًا جديدةً وعبقريةً للاستفادة من الدوائر العصبية.

وكان أكثر استنساخٍ متطرفٍ للدماغ هو ما يتضمن استراتيجية تسمى “محاكاة الدماغ ككل”، والذي يهدف إلى تشريح دماغٍ حقيقيٍ إلى طبقاتٍ رقيقةٍ، مسح كل واحدةٍ منها، واستخدام البرمجيات لتجميعه بدقةٍ وإعادة بنائه في صورة نموذجٍ ثلاثي الأبعاد، ومن ثم تثبيت النموذج في كمبيوترٍ ذا قوةٍ عالية. بحيث يكون لدينا فيما بعد جهاز كمبيوترٍ يستطيع رسميًا القيام بكل ما يستطيع الدماغ القيام به – وهو يحتاج فقط إلى التعلم وجمع المعلومات. وإذا حالف الحظ المهندسين وتمكنوا من الحصول على هذا الكمبيوتر حقًا، فإنه سيكون قادرًا على محاكاة الدماغ الحقيقي وبدقةٍ عالية، وستكون شخصية الدماغ وذاكرته سليمة وفعالة فور تحميله في جهاز كمبيوتر. فإذا كان الدماغ المنقول مباشرة من “جيم (Jim) قبل وفاته، فإن الكمبيوتر سيستيقظ كما لو أنه “جيم فعلاً(؟)، وهذا من شأنه أن ينشط الذكاء الاصطناعي العام، ويمكننا الآن العمل على تحويل “جيم” إلى الذكاء الاصطناعي الخارق الغير معقول، والذي قد يكون “جيم” متحمسٌ له أيضًا.

والسؤال هو إلى أي مدى يمكننا محاكاة كامل الدماغ؟ حسنًا، لقد تمكنّا حتى الآن من محاكاة مليمترٍ واحدٍ فقط من سطح الدماغ، والذي يتكون من 302 خليةٍ عصبيةٍ! ويحتوي الدماغ البشري ككلٍ على 100 مليار خليةٍ عصبيةٍ. وإن كان هذا يجعله يبدو كأنه مشروعٌ ميؤوسٌ منه، علينا أن نتذكر قوة التقدم الأُسّيّ، وأننا تمكنّا في الوقت الحالي من إيجاد دماغ دودةٍ صغيرةٍ، وقبل فترةٍ طويلةٍ نملة، تليها فأرة، وعليه يبدو فجأةً أن هذا معقولٌ!

2) أن يقوم التطورEvolution”” بما قام به سابقًا ولكن هذه المرة للكمبيوتر:

إذا كان اختبار نسخ الطفل الذكي صعبٌ جدًا، يمكننا بدلًا من ذلك أن نحاول نسخ الطريقة التي يدرس بها للاختبارات.

ومن المعلوم أن بناء جهاز حاسب آلي قويٍ مثل الدماغ أمرٌ ممكنٌ – والدليل هو نمو أدمغتنا البشرية. وإذا كان محاكاة الدماغ أمرٌ معقد جدًا بالنسبة لنا، فيمكننا بدلًا من ذلك أن نحاول محاكاة نموه. والحقيقة هي أن محاولة محاكاة الدماغ، مثل محاولة بناء طائرةٍ عن طريق نسخ جناح طائرٍ يرفرف، وأفضل تصميمٍ للآلات يتم باستخدام طريقة “الآلة الموجهة”، وليس عن طريق المحاكاة البيولوجية الدقيقة.

لكن كيف يمكننا محاكاة التطور لبناء الذكاء الاصطناعي العام؟ يتم ذلك باستخدام طريقةٍ تسمى “الخوارزميات الجينية” والتي تعمل على النحو التالي: ستكون هناك عملية “أداء- وتقييم” تحدث مرارًا وتكرارًا (وهي تشبه ما تقوم به المخلوقات البيولوجية فـ “الأداء” هو تعايشها في الحياة أما “التقييم” فهو معرفة هل بإمكانها التكاثر أم لا؟). فلو أن هناك مجموعةٌ من أجهزة الكمبيوتر تحاول القيام بالمهام، فإن أنجحها هي التي تتكاثر من خلال دمج نصف برامجها في جهاز كمبيوترٍ جديدٍ، والتخلص من الأقل نجاحًا. ومع التكرار والمحاولات العديدة، فإن عملية الانتقاء الطبيعية ستنتج لنا أفضل أجهزة الكمبيوتر. ويتمثل التحدي في إنشاء تقييمٍ آليٍّ ودورة تكاثر بحيث يمكن أن تعمل عملية التطور هذه بمفردها.

والجانب السلبيّ للنسخ هو أن التطور يستغرق مليارات السنين للوصول للهدف، ونحن نريد أن نصل في غضون بضعة عقودٍ.

ولكن بالمقابل لدى التطور الكثير من المزايا. أولًا، أن التطور ليس لديه بصيرةٌ بل يعمل بشكلٍ عشوائيٍّ، وقد يُحدث طفراتٍ غير مفيدةٍ أكثر من تلك المفيدة، ولكننا سوف نسيطر على العملية بحيث تكون موجهةٌ فقط نحو مواطن الخلل المجدية والتعديلات المستهدفة. ثانيًا، لا يهدف التطور إلى أي شيءٍ، بما في ذلك الذكاء – حتى أنه في بعض البيئات قد يتم الحد من الذكاء العالي – لأنه يستهلك الكثير من الطاقة. إلا أنه يمكننا توجيه عملية التطور هذه تحديداً نحو زيادة الذكاء. ثالثًا، اختبار الذكاء، يجب على التطور أن يبتكر في مجموعة من الطرق المتنوعة لإثراء الذكاء مثل تجديد الطرق التي تنتج بها خلايا الطاقة، من خلال إزالة الأعباء الإضافية واستخدام أشياء مثل الكهرباء. ولا شك في أن التطور سيكون أسرع بكثير، ولكن من غير الواضح ما إذا كنا سنتمكن من تحسين التطور بشكلٍ كافٍ يتيح لنا تطبيق هذه الاستراتيجية.

3) التنحي واعتبار الأمر مشكلةٌ تخص الكمبيوتر وحده:

عند شعور العلماء بالإحباط، فإنهم يسعون لبرمجة الاختبار ليحل نفسه. ولكن هذه الاستراتيجية قد لا تكون أكثر استراتيجيةٍ واعدةٍ بالنسبة لنا.

وتتلخص الفكرة في بناء كمبيوترٍ ذا مهارتين أساسيتين وهي إجراء البحوث عن الذكاء الاصطناعي، والترميز الذاتي للتحسينات؛ فهو لن يتمكن من التعلم فحسب، بل سيقوم أيضًا بتحسين بنية نظامه ذاتيًا. أي أن العلماء سيقومون بتعليم الكمبيوتر ليكون “عالم كمبيوترات”، وبالتالي يتمكن من برمجة النظام لتمهيد تطوره الذاتي. وستكون مهمته الرئيسية معرفة كيف يصبح أكثر ذكاءً؟

كل هذا يمكن أن يحدث قريبًا

إن التقدم السريع في أجهزة الكمبيوتر يتزامن في الوقت نفسه مع نجاح التجارب المبتكرة للبرامج، لذا فقد يصبح الذكاء الاصطناعي العام متوقفٌ بالنسبة لنا في أي لحظة لسببين رئيسيين:

1- النمو الأُسِّيّ الكثيف والذي قد يبدو كسرعة الحلزون يمكن يقفز للأعلى بسرعة –وقد توضح الصورة التالية هذا المفهوم بشكل أفضل:

https://waitbutwhy.com/wp-content/uploads/2015/01/gif
https://waitbutwhy.com/wp-content/uploads/2015/01/gif

2- عندما يتعلق الأمر بالبرمجيات، فقد يبدو التقدم بطيئًا، ولكن عند فك شفرة أحد الألغاز واستبصار الحل فإن معدل التقدم يتسارع على الفور (كما حدث سابقًا في كل العلوم، فقد كان الناس يعتقدون أن الكون هو مركز الأرض، لذا واجهوا صعوبةً في حساب الكون، ولكن عندما اكتشفوا مركزية الشمس أصبح فجأةً كل شيءٍ أسهل بكثير).وعندما يتعلق الأمر بشيءٍ مثل الكمبيوتر الذاتي التطوير فقد يبدو لنا بعيدًا، لكننا قد نكون في الواقع على بعد ومضةٍ واحدةٍ فقط لكي يصبح النظام أكثر فعاليةً وأقرب بـ 1000مرةٍ إلى ذكاءٍ بمستوى ذكاء الإنسان.

الطريق من الذكاء الاصطناعي العام إلى الذكاء الاصطناعي الخارق:

في مرحلةٍ ما، سنتمكن من إيجاد كمبيوترات بمستوى ذكاء الإنسان. حفنةٌ من الناس والكمبيوترات يتعايشون سواسيةً مع بعضهم البعض. لكن لا، الأمر ليس كذلك على الإطلاق!

في الواقع أن الكمبيوترات ذات الذكاء الاصطناعي العام المطابق للذكاء البشري لديها مزايا تفوق البشر. مثل:

المعدات (Hardware):

  • السرعة: تبلغ سرعة الخلايا العصبية في الدماغ حوالي 200 هرتز كحدٍ أقصى، في حين أن سرعة تشغيل المعالجات الدقيقة اليوم – والتي تعتبر أبطأ بكثير مما ستكون عليه عندما نصل الذكاء الاصطناعي العام- تبلغ 2 غيغاهرتز، أو أسرع بـ 10مليون مرةٍ من الخلايا العصبية للدماغ. كما أن حركة الاتصالات الداخلية للدماغ قد تصل إلى 120 م/ ث، وهي أقل بكثيرٍ من قدرة الكمبيوتر على التواصل البصري والتي تقاس بسرعة الضوء.
  • السعة والتخزين: يحد شكل الجمجمة من حجم الدماغ البشري، ولا يمكن أن يزداد حجمها بأي حالٍ من الأحوال، كما أن الاتصالات الداخلية للدماغ حينها ستستغرق وقتًا أطول من 120 م/ث للانتقال من جزءٍ من الدماغ إلى آخر. بينما يمكن لأجهزة الكمبيوتر أن يكبر حجمها الفيزيائي، مما يتيح لها تشغيل المزيد من الأجهزة، وسيكون لديها ذاكرةٌ عاملةٌ كبيرةٌ جدًا (RAM)، وذاكرةٌ طويلة المدى (القرص الصلب) أدق بكثيرٍ مما لدينا.
  • الموثوقية والمتانة: وليس المقصود أن ذاكرة الكمبيوتر ستكون أكثر دقةٍ فحسب، فحتى الترانزستورات ستصبح أدق من الخلايا العصبية البيولوجية، وأقل عرضةً للتدهور – ويمكن إصلاحها أو استبدالها إن حدث ذلك – والدماغ البشري عرضةٌ للتعب بسهولة، في حين أنه يمكننا تشغيل أجهزة الكمبيوتر 24/7 دون توقفٍ، وتستمر في قمة أدائها.

أنظمة التشغيل(Software):

  • القابلية للتعديل، والترقية، ونطاقٌ متسعٌ من الإمكانيات: على عكس الدماغ البشري، يمكن تحديث أنظمة الكمبيوتر وإصلاحها وإخضاعها للتجريب بسهولة. ويمكن أن تمتد ترقياتٌ إلى مناطق يضعف بها أداء العقول البشرية. فمثلًا نجد أن القدرة البصرية للبشر متقدمةٌ بشكلٍ مذهلٍ في الرؤية، لكنها معقدةٌ جدًا من الناحية الهندسية. لذا يمكن بناء أجهزة كمبيوترٍ تكافئ القدرة البصرية للبشر، ومثاليةٌ من الناحية الهندسية أو ما سواها.
  • القدرة الجمعية: تمكن البشر من سحق جميع الفصائل الأخرى باستخدام الذكاء الجمعي الواسع. بدءًا من تطوير اللغة، وتشكيل مجتمعاتٍ كبيرةٍ وكثيفةٍ، واختراع الكتابة والطباعة، والنشر الفوري من خلال أدوات مثل الانترنت، والذكاء البشري أحد أسباب تفوقنا بفارقٍ كبيرٍ على جميع الفصائل والأنواع الأخرى. وبالمثل فإن أجهزة الكمبيوتر ستكون أفضل منّا في تطبيق هذه الميزة. من خلال تكوين شبكةٍ عالميةٍ من الذكاء الاصطناعي تستطيع تشغيل برنامجٍ معينٍ يمكنه المزامنة بانتظام مع نفسه بحيث يمكن تحميل أي معرفةٍ في أحد أجهزة الكمبيوتر إلى جميع أجهزة الكمبيوتر الأخرى. ويمكن للمجموعة أيضًا أن تضع لها هدفًا كوحدةٍ واحدةٍ، دون أن يكون هناك آراءٌ مخالفةٌ ودوافع ومصالح ذاتيةٍ، كما هو الحال بين البشر.

ونظرًا لكون الذكاء الاصطناعي العام مبرمجٌ على التطوير الذاتي فمن المحتمل أن يصل إلى مستوى ذكاء البشر دون أن يعتبر ذلك معلماً هاماً – فهي تعد علامةٌ فارقةٌ من وجهة نظرنا نحن فحسب – ولا يوجد أي سببٍ لكي “يتوقف” عند هذا المستوى. وبالنظر إلى المزايا التي يملكها الذكاء الاصطناعي العام والتي تفوق الذكاء البشري، فمن الواضح جدًا أنه سيهزم الذكاء البشري في لحظةٍ وجيزةٍ ويتقدم إلى عالم الذكاء الخارق للبشر.

مما قد يسبب لنا صدمةً عند حدوثه. والسبب أنه من وجهة نظرنا: أ) أنه على الرغم من أن هناك اختلافٌ في الذكاء بين الكائنات والحيوانات المتنوعة، إلا أننا ندرك تمامًا أن مستوى ذكاءنا أعلى من أي منها بكثير. B) بالإضافة إلى أننا نعتقد أن الأشخاص الأذكياء يتمتعون بذكاءٍ أعلى بكثيرٍ من أقرانهم الأغبياء. ويمكن تصور الأمر كما في الصورة التالية:

فعندما ينمو الذكاء الاصطناعي تجاهنا، فإننا ببساطةٍ نرى أنه أصبح أكثر ذكاءً، مقارنة بالحيوان. ومن ثم، يصل إلى أدنى مستوى من الذكاء البشري – والذي يطلق عليه “نيك بوستروم” مسمى “أحمق القرية” – ونقول حينها ” إنها كشخص ساذج. هذا لطيف! ”

والمثير هو أن كافة أطياف الذكاء البشري بدءًا من “أحمق القرية ” إلى “آينشتاين”، تقع جميعها ضمن مدًى ضئيلٍ جدًا، لذا مجرد أن نبلغ لمستوى “أحمق القرية” والإعلان عن الذكاء الاصطناعي العام، فإنه فجأةً سيكون أكثر ذكاءً من “أينشتاين” ولن ندرك مالذي قد ارتطم بنا، كما في الصورة التالية:

فما الذي سيحدث بعد ذلك؟

انفجار الذكاء

أرجو أن تكون استمتعت بالوقت العادي فيما مضى، لأنه حان الوقت ليصبح المقال غير عاديٍ ومخيفًا، وسيبقى على هذا السياق من الآن فصاعدًا. وأود أن أتوقف هنا للتأكيد على أن كل ما سيتم ذكره لاحقًا هو حقائق علميةٍ وتنبؤاتٍ حقيقيةٍ للمستقبل لمجموعةٍ كبيرةٍ من العلماء والمفكرين. تذكر ذلك جيداً!

وكما ذكرنا سابقاً، فإن معظم النماذج الحالية للذكاء الاصطناعي تستخدم التحسين الذاتي للوصول إلى الذكاء الاصطناعي العام. وبمجرد حدوث ذلك، فحتى الأنظمة التي أُعدت وطُورت بأساليب لا تتضمن إمكانية القيام بالتحسين الذاتي ستكون ذكيةً وستتمكن من القيام بالتحسين الذاتي في أي وقت.

وهذا يقودنا إلى مفهوم قوي وهو: الاستدعاء الذاتي للتحسين Recursive Self-Improvement)) وهو يعمل على النحو التالي:

يتم برمجة نظام الذكاء الاصطناعي على أن يقوم بالتحسين الذاتي عند وصوله إلى مستوى ذكاءٍ معينٍ – مثلاً “أحمق قرية “- وبمجرد أن يقوم بذلك، يرتقي ذكاؤه في هذه المرحلة – مثلاً إلى مستوى “أينشتاين” – ويواصل العمل على التحسين الذاتي للذكاء، وفي كل مرةٍ يرتقي مستوى ذكاؤه يصبح العمل أسهل وبالتالي يحقق قفزاتٍ أكبر. وهذه القفزات تجعله أكثر ذكاءً من أي إنسانٍ، مما يتيح له القيام بقفزات أكبر. وكلما ارتقى ذكاؤه كانت قفزاته أكبر وأسرع، وبالتالي يقفز مستوى الذكاء الاصطناعي صعوداً، وسرعان ما يصل إلى مستوى الذكاء الاصطناعي الخارق. وهذا ما يطلق عليه انفجار الذكاء، وهذا مثال لقانون تسريع العوائد.

ولايزال الجدل قائمًا حول مدى قرب وصول الذكاء الاصطناعي إلى مستوى ذكاء الإنسان العام. وقد أجري في منتصف العام مسحٌ على مئات العلماء حول توقعاتهم الزمنية لتحقيق ذلك الهدف وأشارت النتائج إلى أنهم يعتقدون أن ذلك لا يتم قبل عام 2040م تقريبًا – أي بعد 25 عامًا من الآن فقط – وهي لا تبدو بعيدةً بالنظر إلى أن العديد من العلماء يرى أن التقدم من الذكاء الاصطناعي المحدود إلى الذكاء الاصطناعي العام يخطو بسرعةٍ كبيرةٍ. ومن الممكن أن يحدث مايلي:

في البدء يستغرق نظام الذكاء الاصطناعي عقودًا ليتحقق الوصول إلى الذكاء العام المنخفض. ويصبح لدينا جهاز كمبيوترٍ قادرٌ على فهم العالم من حوله بمستوى طفلٍ يبلغ أربع سنوات. ومن ثم فجأةً، وفي غضون ساعةٍ من وصولنا لهذا الإنجاز، يفعّل النظام النظرية الفيزيائية الكبرى والتي تربط بين النسبية العامة والميكانيكا الكميةوهو شيءٌ لم يكن الإنسان قادرًا على القيام به نهائيًاوخلال 90 دقيقةً فقط، يصبح الذكاء الاصطناعي العام أكثر بـ 170,000 مرةً من ذكاء الإنسان.

ولا يمكننا فهم ذكاءٍ خارقٍ بهذا الحجم عن بعد، إلا كما تلفّ نحلةٌ رأسها حول “الاقتصاد الكينزي” Keynesian economics)). في عالمنا، الذكاء يعني الحصول على 130 درجةً في اختبار الذكاء (IQ test)، الغباء يعني الحصول على 85 درجةً في اختبار الذكاء (IQ test) ولانملك كلمة تصف درجة الذكاء عندما يصل إلى 12,952 .

وما نعلمه هو أن سيطرة البشر الكلية على هذه الأرض تشير إلى قاعدةٍ واضحةٍ: تأتي السلطة مع الذكاء. وهذا يعني أننا عندما نوجد الذكاء الاصطناعي العام، سيكون أقوى ذكاءٍ في تاريخ الحياة على الأرض، وجميع الكائنات الحية، بما في ذلك البشر، وهذا قد يحدث في العقود القليلة القادمة.

فإذا كانت أدمغتنا قادرةٌ على اختراع “واي فاي”، ومن ثم شيءٌ أذكى بـ 100 أو 1000 أو مليار مرةٍ. فيجب أن لايكون لدى الذكاء الاصطناعي العام أي مشكلةٍ في السيطرة على موقع كل ذرّةٍ في العالم بأي شكلٍ وفي أي وقتٍ، وكل ما نرى أنه سحرٌ، وسُلطةٌ عظمى فإنه يشبه تقليب زر الإضاءة له. خلق تكنولوجيا تعكس شيخوخة الإنسان للطفولة، علاج المرض والجوع، إعادة برمجة الطقس لحماية مستقبل الحياة على الأرض، كل ذلك يصبح ممكنًا فجأةً. كما يمكن أيضًا أن تنتهي الحياة على الأرض فورًا.

المصدر

أحدث المقالات
أحدث التعليقات
الأرشيف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *